كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

الدِّينُ واحِدٌ والإلَهُ واحِدٌ والبَشَرُ أقوامٌ!!



السَّلامُ عَليكُمْ ورَحْمةُ اللهِ وبَركاتُهُ!

يا حبََّذَا إخْوَتي... أَنْ تقرؤوا بِتَمعُنٍ وتَعَمُّقٍ شَديدٍ....! فَأنا أخافُ أَنْ تُفكِّرُوا بِما لا أبْغِي ولا أُُرِيدُ، لأني هُنا أَعْنيُ شَيْءً تاريخيَّاً دينيَّاً حَقيقيَّاً لَيْسَ غَيْرُ!
أَيُّها الأَعزاءُ إثْنان أحَبَّهُما اللهُ وجَعَلَ الصَّلاةَ عَليْهُمَا جُزْءً مِنْ عِبادَتِهِ، حَتَّى أنهُ شَرَّعَ الصَّلاةَ عَليْهِما فِي كُلِّ خاتِمَةِ صَلاةٍ، وزَيَّنَ القَوْلَ بِهِما بِدايَةً لِكُلِ دُعاءٍ وَلُجُوءٍ إِليْهِ لشَأْنِهِما ومَرْكَزِهِما في السَّماءِ، فَسَلَّمَ وَبارَكَ عَلَيْهِما لصِدْقِهِما وتَفانِيهِما بالدَّعوَةِ لهُ، حَيْثُ تَرَكا بِرَحيلِهِما خَلَفاً وَأَتْباعَاً حُنَفاءً مُسلِمينَ، ومعَ الزَّمَنِ تَشَعَبَتْ الأُمَمُ وظَهرَتْ فيِها الأَلْسُنُ بَعدَ أَنْ كانُوا أُمَّةً واحِدَةً، فَبَعِثَ اللّهُ الرُّسُلَ وَقْتَها بِلُغةِ أَقْوامِهِم كاليهودِ والمَسيحِيِّن (النَصارى) لِيُفَهِّمُوهُم دِينَهُم وَلا تَكُونَ حُجَّةٌ لَهُم عَلىَ اللهِ.

إنَّ الإِسْلامَ أعِزَّائي هوَ الدِّينُ الأولُ والوَحيدُ والخاتِمُ لِلْرِّسالاتِ، وَقَدْ جِيءَ في القُرءَانِ بِقِصَّةِ سَيِّدِنا وَنَُبِيِّ اللهِ وخَليلِهِ إِبْراهيم إِبْن آزَر، فِيها وَضَّحَ اللهُ هَويَّةَ إِبْراهيمَ لِحِكْمَتِهِ وَعِلْمِهُ بالمُسْتَقْبَلِ، فقَالَ سُبْحانَهُ: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)، رَغْمَ أَنَّه نَشأَ في بِيئَةٍ وثَنِيَّةٍ شاعَ فِيها مَنْ يَعْبدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إلاَّ القَلِيلَ مِنْهُم، أُولَئِكَ عَبَدُوا الكَواكِبَ والَّذينَ سَخَطَ إبْراهيمُ عَلَيْهمْ وَعَلىَ رُمُوزِهِم وأصْنامِهِم الَّتي كانُوا إلَيْها يَتَقَرَّبُون.

بأختصار وإيجاز وَجَدَ إبراهيمُ أَعِزائِي! ما وصَلَ إلَيِه النَّاسُ بَاطِلاً فَآحْتارَ مِنْ جَهْلِهِم قَلَقً عَلىَ مَصيرِهِم، فأخَذَ يُفَكِّرُ في حالِ الأُمَّةِ والكَونِ، عِلْمَاً مِنْهُ لا بُدَّ منْ وُجُودِ إلَهٌ عظيمٌ غَيْرَ الَّذي يَعْبُدونَ، وهُوَ ما غَفَلَ النّاسُ عَنْهُ ونَسُوا مِنْ آدَمَ إلى عَصْرِه أَنَذاكَ، فَقالَ تعالى: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ)، فَتَيَقًّنَ بِنَفْسِهِ وأعْلَنَ غَضَبَهُ ومُعارضَتَهُ لَهُم وَبدأَ بالمُقَرًّبينِ، فَقَالَ اللهُ: (وَإِذْ قَاَلَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ)، ثم بَدَأَ يُحارِبُهُم بأَصْنامِهِم ومُعْتَقَداتِهِم عَمَلِيَّاً، وَأخَذَ يَدْعُو إلى وحْدانِيًّةِ اللهِ، فَذَكَرَ اللّهُ فِعْلَتَهُ لأصْنامِهِم؛ (فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ)، وَكانَتْ النَّتيجَةُ؛ (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذً)، وَحِكْمَةٌ مِنْهُ أبْقَى على أَكْبَرِ الأَصْنامِ قائِمَاً؛ (إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ)، لأنًّ اللّهَ شاءَ أَنْ يَكْشِفَ لَهُم باطِلَهُم فَحاجَّهُم إِبْراهيمُ لِيُظْهِرَ بأسَهُم، وَجَاءَ قَولُهُ تعالى على لِسانِ نَبيِّهِ: (قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ).


وَآمْتِدادً للكَلامِ أخوَتي! فأنَّ الدينَ قَائِمٌ إسْلامِيٌّ صَرْفٌ قَبْلَ وبَعْدَ سَيِّدِنا إِبْراهِيمَ حَتَّى مُحَمدَ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ومَا بَعْدَهُم، وخاطَبَ اللّهُ رسُولَهُ أنَّ الدينَ الإسلامِ كَانَ ومَا زالَ ساريًّ وَباقٍ إلى الأَبَدِ، وقالَ: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَٰهَكَ وَإِلَٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، مِنَ هَذا نَفْهَمُ أيضاً أنَّ اليهودَ على دِينِ الإِسْلامِ، دِينِ مُحمدٍ وأبراهيمَ وآدمَ، ومَا يُقال اليومَ عَنْ اليَهُودِيَّةِ والمَسيحِيَّةِ لَهُوَ غَلَطٌ شائعٌ والأصلُ أنْ نقولَ؛ المُسْلِمين اليَهُودِ والمُسْلِمين المَسيحِين إِِذا صَحَّ القَوْلُ! فَلَيْسَ هُناكَ دِينٌ يَهُودِي ولا مَسيحِي، ولَكِنْ هُناكَ قَوْمٌ يَهُودِ نِسْبَةً إلى يهوذا مِنْ نَسْلِ أهالي مَمْلكَةِ يهوذا الَّذين كانُوا يُنْسَبُوا إلى أربعةِ مِنْ بَيْنِ أسباطِ بنيِ إسرائيل الإثني عشر، أمَّا الديانةُ فَهِيَ توحيديةُ وأقدمُ الدياناتُ الإبراهيميةِ، وَقَومٌ مَسيحِي نِسْبةً إلى المَسيحِ يسوع (عيسَ بْنُ مَريَمَ عَلَيهِ السَّلامُ)، والديانة هي أيضاً إبراهيمية وتوحيدية مُتَمَحْوِرَةٌ في تعاليمِها حَوْلَ الكِتابِ المُقدَّس، وبشكلٍ خاصٍ ما ذكر عَنْ (اليسوع)، ويَنْتَظِرُ مُعْظُمُ المَسيحيين مَجيئَهُ الثَّاني، الَّذي يُخْتَمُ بِقيامةِ المَوْتى، حَيْثُ يُثيبُ اللّهُ الأبْرارَ والصَّالِحين.

هُناكَ أَيُّها القَوْمُ مَنْ يَدَّعِي إنَّ الإِسْلامَ لَيْسَ الدِّينُ الأَوَّلَ مُنْذُ الخَليَقةِ، فَفِي القُرءَان ذُكِرتْ أولُّ ولادةٍ لآدمَ وحواءَ ونُزولِهما على الأَرْضِ وآنطِلاقً مِنْ قَولِهِ تعالى؛ (اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ)، فَالَخِطابُ لَيْسَ لآدمَ وَحَواءَ فقطْ لأنَّهُما مَا كانا مُتَعادِيَيْن ولكنْ تَضَمَّنَ هُبُوطَ آدَمُ وَحوَّاءُ وَإبليسُ، وهَذا دَليٌل على بِدايَةِ الخَلْقِ ومِنْ ثمَّ الدِّينِ والرُّسُلِ، وما تَرتَّبَ عَلَيْهِ مِنْ إسْتِمْرارِيَّةٍ لِلرِسالةِ وَإِتِّباعِها، قَالَ تَعالىَ: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ ۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)، فَالرِّسالاتُ كُلُّها مِنْ عِنْدِ اللهِ الواحدِ ومُبْتَغاها واحِدٌ؛ وهُوَ عِبادَةُ اللهِ وتَوحيدُهُ مُنْذُ الخَليقَةِ، حَيْثُ قَالَ الله تَعالىَ: (‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ)، بِمُوجَبِ هَذهِ الأياتِ وغَيْرِها فإنَّ الدِّينَ الواحِدُ والأخيرُ هُوَ الإسلامُ، ومَا تَفرَّعَ بَينَ الأَزْمانِ هِيَ رسالاتٌ أَوْ دِياناتٌ فَرْعيَّةٌ أوْجَدَها اللهُ لأمَمٍ خاصَّةٍ وبَعَثَ لَهُم رُسُلَهُم، الَّذين لَمْ يَخْتَلفُوا عَنْ جَوْهَرِ رِسالةِ مُحَمَدٍ عَلَيهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، لَكِنَّ أقْوامَهُم عَبثُوا بِكُتُبِهِم، إلى أنْ جَاءَ الرَّسُولُ فَقالَ اللهُ داعِمَاً لِدينِهِ وَرَسُولِهِ؛ (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وبَيَّنَ اللهُ سُبحانَهُ؛ (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)، وقالَ جَلالَه: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
إذاً الدِّينُ إخْوَتي! قَائِمٌ ومَوْجُودٌ وَبعَثَ بِهِ اللهُ حَتَّى يُنَظِّمَ حَياةَ الإِنْسانِ ويَعْمُرَ الأَرْضَ، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ).

إِخْوَتي بِاللهِ لِنَنْظُرْ إلى الأُمُورِ بَعِيداً عَنْ السِّياسَةِ والعْنْصُريَّةْ! فَفي الحياةِ هُناكَ إِنْسانٌ عَبيطٌ وَأَخَرٌ واقعيٌّ لا يَتَعامَلُ إِلاَّ بالمُمْكِنِ وَيُسَلِّمُ بالوَقائِعِ ويَتَّعظُ منْ خِبرَةِ السَّابِقين، الَّذين قَدَّمُوا ما يُفيدُ على صَحْنٍ مِنْ ذَهبٍ، هَذا يُدْرِكُ بِأَنَّ الدِّينَ الإسْلامِيِّ الحَنيفِ سَيِّدُ الأَحْكامِ، وما تَبَقَّى مِنْ مَواقِفٍ يَعْتَمِدُ عَلىَ إيمانِ البَشَرِ، بَيْنَما العَبيطُ يُخالِفُ القوانينَ المُتَّبعَةِ والمُتَّفَقَ عَليها، حَتَّى أَنَّهُ يَتَحَدَّى أَحْياناً قوانينَ الطَّبيعَةِ وَيِلْقِي بأيْديِهِ إلى التهلكة، فيَظهَرُ أنَّ غباءَهِ كُفْرٌ وتصرفٌ مَحْضُورٍ ومَمنُوعٍ وَهُوَ أرْعَنٌ وطَائِشٌ.

يِسْعِدُني أعِزائي أنْ نَتَشارَكَ بِهَذهِ النُّبْذَةِ التَّاريخيَّةِ حَوْلَ سَيِّدِنا إِبْراهيمَ الخليلِ وإنَّ وُقوفَهُ ضِدَّ تَعَدُّدِ الألهةِ لَمْ يَأْتِ من العَبَثِ، بل هِيَ إِرادَةُ اللهِ، واليومَ بَعْدَ هذهِ الفَتَراتِ وقَدْ إخْتلَفَ النَّاسُ بَغْيَاً بَيْنَهُم، بَقِي الثَّابِتُ والصَّحيحُ وَبَدأ الكَثيرُ يَبْحَثُ صِحَةَ الرِّسالاتِ فَيتَجاوَزُ الغُموضَ ويَعْتَنقُ الإِسْلامَ في النِّهايةِ.

وفَّقَنا اللهُ أَحْبابي فلا نُفَوِّتْ على أنفسِنا مَا يَنْفَعْنا في دينِنا، وليَكُنْ!.. كُلُّ رَسُولاً يَفْتَخِرُ بِدينِهِ ومُعْتَقَداتهِ الَّتي فيها الشَّرَفُ والسِّيادَةُ في كُلِّ أَمْرٍ في الحياةِ.
عليكمْ السَّلامُ! والعِزَّةُ لَكُمْ بإنْتِمائِكُم لأشْرَفِ الخَلْقِ، أحْسَنُهُم درجاتٍ وَخُلُقً وأكثرَهُم وزناً عِنْدِ اللهِ!