كنوز نت - كفرياسيف - يوسف جريس شحادة

الَّذِي يُشْبعُ بِالْخَيْرِ عُمْرَكِ، فَيَتَجَدَّدُ مِثْلَ النَّسْرِ شَبَابُكِ""

مزمور 5 :103يوحنا النسر 



لم ولن يترك الله شعب إسرائيل ونص التثنية 1 :32 التي هي افتتاحية ليترجية "أصغوا اليهودية" ومصداقية الله لشعبه إسرائيل هي مثل النسر لفراخه التثنية 11 :32 :" كَمَا يُحَرِّكُ النَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ، وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ،"{تفسير الآباء من كتاب تادرس مالطي حول الآية 11 :" يحرك النسر عشه ثم يبسط جناحيه ويرف على جناحيه لكي يلزم صغاره على الاستعداد لترك العش والتمرن على الطيران. هكذا حرك الله كل ما هو حول شعبه بالضربات العشرة لكي يحركهم للرحيل من أرض مصر، والطيران في البرية لكي يدخلوا إلى أرض الموعد أو بالأحرى لكي يحملهم إليه. إذ يقول: "وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إليّ" {خر 4 :19 }

محبة النسور لصغارها ليس أن تحميها فحسب، بل أن تعلم صغارها وتدرّبهم على الطيران، فهي ليست محبة خاملة قاتلة لهم، لكنها محبة عاملة تسند الصغار وتهبهم إمكانيات جديدة. هكذا يحرك الله حياتنا لكي تنطلق في برية هذا العالم وسط الآلام كمن يطير إلى حضن الله، ونجد لنا فيه استقرارًا وراحة. إنه لا يحركنا نحو الحياة المترفة المدللة، لكن لكي يحمينا ويحوط حولنا وفي نفس الوقت نطير كما إلى السماء غير مبالين بضيقات العالم وتجاربه.

أن جناحي الله هما المحبة والرحمة كقول القديس أغسطينوس. كما يشيرا إلي جناحي الكاروبيم المظللين علي تابوت العهد حيث كان مجد الله يظهر هناك. ويرى القديس غريغوريوس أسقف نيصص أنه يليق بالمؤمن ليس فقط أن يحتمي تحت جناحي الله، وإنما أن يسترد جناحيه اللذين فقدهما بالخطية.

جناحا الله يمثلان قوة الله وبركاته وعدم فساده وما إلي ذلك.


كل هذه الخصائص الإلهية وُجدت في الإنسان حينما كان يشبه الله في كل شيء. لكن انحرافنا إلي الشر سلبنا أجنحتنا، ومن ثم أُعلنت نعمة الله لنا وأنارتنا. برفضنا الفساد والشهوات العالمية ينمو فينا جناحا القداسة والبر من جديد.
القديس غريغوريوس أسقف نيصص: يمكن تفسير هذه العبارة {تث 11: 32؛ مز 1: 91} بخصوص المخلص، إذ قدَّم لنا ظل (ملجأ) جناحيه علي الصليب... لقد ارتفعت يد الرب إلي السماء ليس طلبًا لمعونة، وإنما لكي تظللنا نحن خليقته البائسة.
القديس جيروم:وحده حرك شعبه للخلاص، أما الآلهة الأجنبية الوثنية فكانت عاجزة عن تقديم الخلاص للمصريين"{نص تفسير الآباء لتادرس مالطي}.
 يُذكر شعب إسرائيل حسب سلوكه كجيل خاص مُميّز مُتقلّب التثنية 20 "32 :" وَقَالَ: أَحْجُبُ وَجْهِي عَنْهُمْ، وَأَنْظُرُ مَاذَا تَكُونُ آخِرَتُهُمْ. إِنَّهُمْ جِيلٌ مُتَقَلِّبٌ، أَوْلاَدٌ لاَ أَمَانَةَ فِيهِمْ.". 
السؤال لماذا تم اختيار السماء والأرض كشهود لأقوال موسى؟ وما يميّز النسر؟ وما دلالة التعبير :" جيل متقلّب"؟

السماء والأرض:

المفسر الراب شموئيل يتسحاق يسرد: بما ان موسى من لحم ودم وليس أزليا لذا شهد في شعب إسرائيل بالسماء والأرض لأزليتهما.
وتفسيرا آخرا بما ان السماء والأرض تستطيع المعاقبة، في حين شعب إسرائيل ينفذ وصايا التوراة يهطل المطر من السماء وتثمر الكرمة وإذا حاشا وكلا اخطأوا لن يهطل المطر ولا تنتج الأرض منتوجا.
أما الحكيم الراب الشيخ يعقوب يفسّر المثل :" اسمعوا السموات" والقصد هنا لطلاب الحكماء الذي يدرسون ومنكبّون على دراسة التوراة وهي أمور سماوية والتعبير " وتسمع الأرض " هم الشعب المشغول والمنهمك بأمور مادية حسّيّة اغلب الوقت والتوجه أولا لطلاب الحكماء لكي يتمثل بهم باقي الشعب ويحذو حذوهم.
ومن يشبّه السماء برأس الحكماء والأرض بعامة الشعب.

النسر:

النسر علميا من الجوارح يأكل الجيفة مبنيّ بشكل معكوف ملتويّ طويل الرقبة قصير الرجلين ومغطاة بشعر.
ورد اسم النسر في التوراة 28 مرّة،يعتبر النسر لملك الطيور وذلك استنادا على "جمارا" { هي لفظة عبرية من أصل آرامي גמרה _ גמרא , وتعني اسم عام لكل كتاب من كتب التلمود التي تضم فصول المشناة وتفاسيرها أو التفاسير بلا فصول المشناة نفسها}والنص :" ملك الحيوانات الأسد وملك البهائم الثور وملك الطيور النسر والإنسان يفتخر بهم والله فخر الكل وفخر العالم" لفيفة الاحتفال صفحة 13 باب 72 .
وفي سفر اللاويين يحدد نجاسة النسر 13 :11 :" وَهذِهِ تَكْرَهُونَهَا مِنَ الطُّيُورِ. لاَ تُؤْكَلْ. إِنَّهَا مَكْرُوهَةٌ: اَلنَّسْرُ وَالأَنُوقُ وَالْعُقَابُ" ويرمز النسر للقوة والخفّة بالطيران والتحليق الخروج 4 :19 :" أَنْتُمْ رَأَيْتُمْ مَا صَنَعْتُ بِالْمِصْرِيِّينَ. وَأَنَا حَمَلْتُكُمْ عَلَى أَجْنِحَةِ النُّسُورِ وَجِئْتُ بِكُمْ إِلَيَّ."

وفي تعاليم الآباء الفصل الخامس الباب الثاني :" كنّ جريئا كالنمر وخفيفا كالنسر وراكضا كالضبي وقويا كالأسد".

وعن شاؤول ويوناتان نقرا في 2 صم 23 :1 :" شَاوُلُ وَيُونَاثَانُ الْمَحْبُوبَانِ وَالْحُلْوَانِ فِي حَيَاتِهِمَا لَمْ يَفْتَرِقَا فِي مَوْتِهِمَا. أَخَفُّ مِنَ النُّسُورِ وَأَشَدُّ مِنَ الأُسُودِ." كذلك الملك سليمان يصف النسر الأمثال 5 :23 و19 _18 :30 :" هَلْ تُطَيِّرُ عَيْنَيْكَ نَحْوَهُ وَلَيْسَ هُوَ؟ لأَنَّهُ إِنَّمَا يَصْنَعُ لِنَفْسِهِ أَجْنِحَةً. كَالنَّسْرِ يَطِيرُ نَحْوَ السَّمَاءِ. ثَلاَثَةٌ عَجِيبَةٌ فَوْقِي، وَأَرْبَعَةٌ لاَ أَعْرِفُهَا:
طَرِيقَ نَسْرٍ فِي السَّمَاوَاتِ، وَطَرِيقَ حَيَّةٍ عَلَى صَخْرٍ، وَطَرِيقَ سَفِينَةٍ فِي قَلْبِ الْبَحْرِ، وَطَرِيقَ رَجُل بِفَتَاةٍ." ويصف ايوب النسر 28_ 27:39 :" أَوْ بِأَمْرِكَ يُحَلِّقُ النَّسْرُ وَيُعَلِّي وَكْرَهُ؟

يَسْكُنُ الصَّخْرَ وَيَبِيتُ عَلَى سِنِّ الصَّخْرِ وَالْمَعْقَلِ."وحزقيال النبي 10 :1 واشعياء 31 :40 :" أَمَّا شِبْهُ وُجُوهِهَا فَوَجْهُ إِنْسَانٍ وَوَجْهُ أَسَدٍ لِلْيَمِينِ لأَرْبَعَتِهَا، وَوَجْهُ ثَوْرٍ مِنَ الشِّمَالِ لأَرْبَعَتِهَا، وَوَجْهُ نَسْرٍ لأَرْبَعَتِهَا. وَأَمَّا مُنْتَظِرُو الرَّبِّ فَيُجَدِّدُونَ قُوَّةً. يَرْفَعُونَ أَجْنِحَةً كَالنُّسُورِ. يَرْكُضُونَ وَلاَ يَتْعَبُونَ. يَمْشُونَ وَلاَ يُعْيُونَ."

حسب التفاسير الابائية اليهودية يعتبر النسر المهتم والمعتني بصغاره حسب نص التثنية 11 :32 :" كَمَا يُحَرِّكُ النَّسْرُ عُشَّهُ وَعَلَى فِرَاخِهِ يَرِفُّ، وَيَبْسُطُ جَنَاحَيْهِ وَيَأْخُذُهَا وَيَحْمِلُهَا عَلَى مَنَاكِبِهِ، هكَذَا الرَّبُّ وَحْدَهُ اقْتَادَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِلهٌ أَجْنَبِيٌّ."

يفسر الراب شموئيل يتسحاق ان الله يتعامل وأبنائه مثل النسر لفراخه بالرحمة والحنّيّة والعطف ولا يدخل مرة واحدة للعشّ لا بل يحرّك أولا أغصان الشجرة ويطير بينها حتى تستيقظ الفراخ من نومها ليكونوا على أتمّ الاستعداد لاستقبال النسر وهكذا الرب {من الجدير ان ننوه للقارئ الكريم قصة العذارى واستقبال العريس الرب}.وهكذا النسر مثل الربّ لا يبعث بغتة الناس بل التمهيد والتحضير والترتيب قبل ان انزل التوراة على شعبه ولم ينزل من جهة واحدة لا بل من أربعة جهات الكون والنسر يتقدّم لفراخه من الجهات الأربع ليكونوا حاضرين لاستقباله.

حسب الليترجيا اليهودية يرتبط النسر وطقس "أصغوا اسمعوا" ويقول احد الآباء الحكماء ان إسرائيل سمي بثلاثة أسماء:يعقوب وإسرائيل ويشورون ولو أخذنا الأحرف النهائية لحصلنا على كلمة "ابيض _ לבן" على اسم يعقوب صفح الله وبيّض صفحة إسرائيل من خطاياهم ومن بدّل ترتيب الأحرف ل " נבל " ومن هو شعب أحمق من يحبّ المال كما في ارميا 11 :17 :" حَجَلَةٌ تَحْضُنُ مَا لَمْ تَبِضْ مُحَصِّلُ الْغِنَى بِغَيْرِ حَقّ. فِي نِصْفِ أَيَّامِهِ يَتْرُكُهُ وَفِي آخِرَتِهِ يَكُونُ أَحْمَقَ!».

بسبب حجم النسر الكبير وطول الأجنحة وارتفاع تحليقه الشاهق يصف النبي حزقيال الملك نبوخذنصّر النسر حزقيال 3 :17 ."אַתֶּם רְאִיתֶם אֲשֶׁר עָשִׂיתִי לְמִצְרָיִם וָאֶשָּׂא אֶתְכֶם עַל כַּנְפֵי נְשָׁרִים וָאָבִא אֶתְכֶם אֵלָי".

استخدام صيغة الجمع للنسر هنا حسب الآباء الشيوخ للدلالة على عظمة النسر ورحمته وحنانه وعطفه على صغاره وما من طائر حنون رؤوف على أبنائه وفراخه مثيل النسر لا الهدهد ولا الدجاجة على فراخها بالرحمة والنسر مستعد ان يموت ويستقطب السهام لحماية فراخه ويفسر صاحب السطور{اسم كتاب} نص التثنية 23 :33 :" נַפְתָּלִי שְׂבַע רָצוֹן" وخصوصا أوردنا النص العبري لان أول حرف من كل كلمة تؤلف كلمة "نسر _ נשר " وفي سفر المزامير ورد :" תִּתְחַדֵּשׁ כַּנֶּשֶׁר נעוריכם" ويفسر ابرهام ابن عزرا:" كلّما كبر بالسن النسر تكبر قوّته وعظمته وكل الطيور كلما كبرت كلما هرمت وهزلت وضعفت بل النسر كلما كبر زادت قوته وكبر عنفوانه" والنسر ابن 90 أقوى من ابن 40 على عكس الجنس البشري.

تروي لنا لفيفة الباب الثالث من المشناة { בבא בתרא _ لفيفة وتترجم للعربية الباب الثالث}تشرح روعة الحكماء بتفسيرهم لنص أيوب 1 :39 :" "הֲיָדַעְתָּ עֵת לֶדֶת יַעֲלֵי־סָלַע חֹלֵל אַיָּלוֹת תִּשְׁמֹר" أَتَعْرِفُ وَقْتَ وَلاَدَةِ وُعُولِ الصُّخُورِ، أَوْ تُلاَحِظُ مَخَاضَ الأَيَائِلِ؟"يسال أيوب الله هل بدّلت اسمي لتعذّبني ؟ {بالعبرية الصورة أوضح _ _ איוב _אויב } ويجيبه الله بنص أيوب أعلاه عن الوعل ويفسر الراب في اللفيفة إجابة الله لأيوب ان الوعل حين تلد تصعد لأعلى الصخور لتلد وليدها ليقع أرضا ويموت والرب يرسل النسر المنقذ الصغير ويضعه أمامها ولو تأخر النسر لمات المولود الصغير".{لهذا أوردنا قصة أيوب والنسر}

حسب لفيفة السبت النسر عديم ومعدوم أي طهارة فهو نجس تماما ومع هذا السؤال لماذا يختاره الله للرحمة والرأفة والإنقاذ لابن الوعل؟ تضيف اللفيفة التفسير ان النسر يخاف كثيرا من السنونو ويضرب مثلا بلغة المشناة :" خوف النسر من السنونو" ويقول الراب شموئيل يتسحاق :" تدخل السنونو تحت جناح النسر وتعرقل طيرانه وتحليقه وتدغدغه تحت جناحيه.ليعلمنا الله ان الرحمة والرأفة ليست منوطة بالطهارة أو النجاسة {المبدأ يذكرنا بالسامري في الإنجيل لمن يرغب بالتوسع ان فكرة المسيح مستوحاة من نصوص توراتية وكما وصفت التوراة "ظلّ العهد الجديد_الانجيل"}.

وما الغاية من السنونو وما نتعلم من ذلك؟ حسب نص اشعياء 40 :" יַעֲלוּ אֵבֶר כַּנְּשָׁרִים"_ تفسير الراب سعاديا جاؤون الفيومي:" النسر يطير محلّقا نحو العلو ويصل للسماء والجلد ويقترب للنار الحارقة. ويسقط نازلا بالبحر ليبرّد نفسه ويزيل ريشه ويجدّد ريشه وهذه العملية تحدث كل عشر سنوات حتى عمر مئة سنة أي عشر مرات بحياته".

 ونهج المشناة بالأسئلة والتفسير،وما غاية علو النسر وسقوطه؟ فهو مثل إسرائيل يعلو نحو الله من أسفل إلى أعلى،النسر خفيف وبسهولة يصعد ويرتفع وانتم شعب إسرائيل مثل النسر كونوا بخفّة وبسهولة للاقتراب إلى الله.{قارن والرب يسوع الصاعد للسماء الخ}

اذا نفهم غاية السنونو التي تلزم النسر بالتحليق عاليا لأنه لو بقي يطير بعلو السنونو تمنعه من التحليق لذا يحلق هو ويصل للأعلى ويهبط ليجدد شبابه وعنفوانه ومن هنا نص المزامير ليتجدد شبابك كالنسر كل فترة عشر سنوات ولتكون كالنسر كلما كبرت وهرمت كلما قويت وزادت قواك.{هذا يعلّمنا الابتعاد عن العوائق الأرضية لنخلق والرب المسيح،لن نطيل بالرموز والتشبيهات الإنجيلية لكل هذه المعاني}.