كنوز نت - الطيبة - بقلم : سامي مدني

مَا يؤلم في حياة المجتمع


السَّلامُ والرَّحْمَةُ عَليكُمْ مِنَ اللهِ تَعالى!


مَا أَسْرُدُ عَليكُمْ إِخْوَتي وأَخَواتي اليَوْمَ هِيَ قِصَّةٌ مِنَ الواقِعِ، شَيْءٍ لَمْ أَجِدْهُ بأَحَدٍ مِنْ قَبْلُ! فِيها إلْتَقَيْتُ بِفَتاةٍ تمْلُكُ مِنْ الجُرْأَةِ وَالثِّقَةِ وَرُوحٍ مُسالِمَةٍ تَجْمَعُ بِالمَواقِفِ بَيْنَ نُعُومَةِ الإِناثِ وَالرُّجُولَةِ الصَّارِمَةِ، مِنْ طَبْعِها الكَلامُ عَفَويَّاً، ولمَّا نَطَقَتْ بِكَلِماتِها كانَتْ بَريئَةً، صَريحَةً وَمُتَعَطِّشَةً لِمَعْرِفَةِ الحَقيقَةَ المُغايِرَةِ عَمَّا تَعِيشُ دُونَ أَنْ تَقْصُدَ، فَشَعَرْتُ عَلَى الحَالِ أَنَّها تَعِي تَمامَاً في هَذا الجِيلِ أَنَّ مَا تَبْحَثُ عَنْهُ هُوَ ما سَيُريحُها لإِفْتِقارِها وتَعَطُّشِها لَهُ مُنْذُ طُفُولَتِها، وَتَقُولُ: "أَنَّها لِعائِلَةٍ غَيْرِ مُلْتَزِمَةٍ"، وأَشارَتْ لِوالِدِها أَنَّهُ لا يُصَلِّي، لَكِنَّهُ إِنْسانً عَظِيمٌٍ لا يُحِبُ إِلاَّ الخَيْرَ لِلْناسِ، لَمْ يُعادِ وَلَمْ يَحْمِلْ ضَغينَةً وَلا كُرْهً وَلَمْ يَصْدُفْ أَنْ تَخاصَمَ أَوْ ضَرَّ أَحَدَاً، وَيعِيشُ بِسَلامٍ مَعَ الجِيرانِ.

تَقُولُ كَذَلِكَ إِنَّها عاشَتْ بَعِيدَةً عَنْ الدِّينِ، وَتَعَلَّمتْ فِي مِدْرَسَةٍ مَسيحِيَّةٍ بِالرَّغْمِ أَنَّها لأَهْلٍ مُسْلِمينِ، تَعْنِي أَنَّهَّا لَمْ تَكُنْ على صِلَةٍ كافِيَةٍ بِالقُرءَانِ والسُنَّةِ، ناهِيكَ بأُمُورٍ أُخْرَى سِوَى المُناسَباتِ الدِّينِيَّةِ، لأَنَّ أَبَوَيْها غَيْرَ مُتَدَيِّنين وَلا يَهِمَّهُمْ مَوْضُوعُ الأَديانِ أَساسَاً، كأَنَّها بِهَذا تُبَرِّرُ وَضْعَها هَذا إِحْتِساباً وَتَصْديقَاً مَعَ البِيئَةِ الَّتي لَمْ تُوْحِ إِلَيْها بِشَيْءٍ إِلاَّ القَلِيلَ، وَتَرَكَتْ لَها حَقَّ الإِخْتِيار في الحَياةِ،ِ وَتُضِيفُ لا تَرَى أَنَّها مُجْبَرَةٌ على الإِسْلامِ كَوْنِ أَنَّ وَالِدَيْها مُسْلِمَان بِالأَساسِ، لكِنَّها لا تَنْفِي إِنتسابَها للإِسْلامِ بِالْرَّغْمِ أَنَّها لاَ تُصَلِّي، ومَنْ جِهَةٍ أُخْرَى إِنْتَقَدَتْ العَرَبَ المُسْلِمين، حَتَى رِجالَ دِينٍ وَمِنْهُمْ الإِمامَ في المَنْطِقَةِ الَّتِي تَعِيشُ، بَيْنَما مَدَحَتْ الخُورِي المُعْتَدِلِ الَّذي يَعْطِفُ على الإِنْسانِ لِكَوْنِهِ بَشَرٌ دُونَ تَمْييزٍ، كَأَنَّها تُشِيرُ أَنَّ الوَضْعَ إِسْلامِياً يَتَنافَى مَعَ العَقِيدَةِ وَهُو سائِدٌ فِي بَلَدِها! فَهِيَ تَبْغِي أَنْ تُبَرْهِنَ أَنَّ وَضْعَهَا لا بَئْسَ بِهِ طالَما هِيَ صَادِقَةً وَلا تُؤْذِي أَحَداً، كَمَا تَعَوَّدَتْ كُلَّ حَياتِها فِي بَيْتِ أَهْلِها.

كَانَ مِنَ الواجِبِ عَلَيَّ أَيُّها الإِخْوَةُ والأَخَواتُ! دِينِيَّاً وَأَخْلاقيَّاً مُحاوَرَتَها والنِقاشَ مَعَها وَتَقْديمَ تَوْجياتٍ هِيَ بِالفِعلِْ بِحاجَةٍ إِلَيْها حَسْبَما شَعَرْتُ عِنْدَها مِنْ الرَّغْبَةِ لِهذا، حَيْثُ بانَ لِيَ مَا في داخِلِها وَكَمْ تُريدُ هِيَ إِحْداثَ نَقْلَةٍ نَوْعِيَّةٍ، تُصَحِّحُ بِها أَمْرَ هَوِيَّتِها وتَتَعَرَّفُ عَلَىَ الأُمُورِ بِشَكلٍْ صَحيحٍ، وَتَقُولُ: بَعْدَ أَنْ تَفْهَمَ سَتَلْتَزِمَ أَكْثَرَ عَنْ قَناعَةٍ وَتُؤَدي الواجِباتِ كَأَي إِنْسانٍ مُسْلِمٍ، وَمَا أَثار َإِهْتِمامِي وَتَعَجُّبي أَعِزائي! أَنَّها تَقُولُ بِصَراحةٍ؛ لا أَرَى نَفْسِي اليَوْمَ أُصَلِّي فَإِنَّني غَيْرَ مُتَعَوِّدَةً، وأَكْمَلَتْ؛ الصَّلاةُ حَرَكاتٌ وَلَيْسَ شَيْءً جَوْهَرِيٍّ حَتَّى يَكُونَ الواحدُ مِنَّا عَلَىَ الإِسْلامِ، خُصُوصَاً بَعْدَ مَا عَرِفَتْهُ فِي حَياتِها عَنْ المُسْلِمينِ المُصَلِّين.
هَكَذا وُجَدْتُ رأْيَها وَكَلامَها كأَنَّ النَّمُوذَجَ الَّذي تَعِيشُهُ يَنْطَبِقُ عَلَىَ الكُلِّ، فقُلْتُ لَهَا: "لِكُلِّ حادِثٍ حَديثٌ، وَأمقتُ هذا الأُسْلُوبِ مَنْ الكلَامِ! فَليْسَ مِنَ الصَّائِبِ التَّعَميمُ! وإِنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفَةٌ كَأصابِعِ اليَدِّ الواحِدَةِ! والخَيْرُ في أمَّةِ الإِسْلامِ والمُسْلِمينِ أَكثرَ مَا تَتَوقَّعيْن وتَعْرِفِين! أَمَّا الصَّلاةُ لَيْسَ كما تَصِفِين"!
حاوَلْتُ طُوالَ الوَقْتِ مَعَها أَنْ أَكُونَ مُسْتَمِعَاً مُصْغِياً، وَلَمْ أظهر لَها مَا فِي داخِلي، فَقَدْ أَلَمَنِي أَنْ يَكُونَ حَتَّى اليَوْمَ أُناسٌ بِهَذا الوَضْعِ، يَعِيشُوا بِعالمٍ يَجْهَلُوا فِيهِ واجِبَهُمْ الدِّينِي، فَبِالْنَسْبَةِ لَها فإِنَّ وَاجِبَها وَآرْتْباطَها أَنْ تَكُونَ جَيدةً مَعَ الناسِ وهَذا كُلُّ شَيْءٍ.

لَمْ أبغِ لَوْمَها عَلَىَ هَذا الكَلامِ بِدايَةً! لَكِنَّها كَمَا صارَحَتْنِي تَوَقَّعْتُ أَنَّها سَتَتَقَبَّلُ مَا أَقُولُ! وَقُلْتُ: "بِما أَنَّكِ الأََنَ تُدْرِكِينَ الصَّحَ مِنَ الخَطَىءِ، وَطالَمَا أَصْبَحْتِ تَسْتَطِيعِينَ القَرارَ كَما تَقُولِينَ، أُكَلِّمُكِ بِكُلِّ صَراحَةٍ؛ حَرِيٌّ بِكِ أَوَّلاً أنْ تَبْحَثِينَ وتَتَحَقَّقِينَ مَنْ مَغْزَى الحَياةِ، وَإِنَّ ماضِيكِ لا يُحَرِّرُكِ مِنْ الواجِبِ وَالصَّلاةِ وَكُلِّ مَا يُلْزَمُ المُسْلِمُ مِنَ الأَرْكانِ"، فَخِلالَ كَلامِي وَضَعْتُ أَمامَها كُلَّ الإِحْتِمالاتِ، وَهِيَّ أَبْدَت بِكُلِّ جَدِّيَّةٍ تَرْكِيزَها وَلَمْ تُقاطِعْ، بَلْ أَوْسَعَتْ صَدْرَها لِتَعِي كُلَّ مَا أَقُولُ وَكانَتْ مُنْصِتَةً بكُلِّ جَوارِحِها.


كانَ الوَقْتُ مُتَأَخِرَاً أَعِزائِي! فَقُمْتُ وَنَوَيْتُ الرَّحيلَ أَنا وَزَوْجَتي، وَإِذا بِها تَقُولُ تَشَرَّفْنا بِمَعْرِفَتِكَ! عِنْدَها حَيَّيْتُهُمْ وَخَرَجْتُ أَنا وَحْدِي وَبَقِيتْ زَوْجَتِي تَحْكي مَعَها حَتَّى جَلَبْتُ السَّيارَةِ أَقْرَبَ لِلْمَكانِ الَّذي كُنَّا نَزُورُ بَعْضَ النَّاسِ!
بَدَأْتُ أُفَكِّرُ وأَنا في السَّيارَةِ مَا جَرَى بَيْنَنا مِنْ حِوارٍ ٍخِلالَ ساعَتَيْن وأَكْثَرِ، وَكانَ مِنْ الطَّبيعِي أَنْ لا أُغَيِّرَ تارِيخً لأَكْثَرِ مِنْ عِشْرينِ عامً بِلِقاءٍ واحِدٍ، لَكِنَّني كُنْتُ حَذِراً جِدَاً حَتَّى لا أَتْرُكَ عِنْدَها إِنْطِباعً يُسِيءُ للإِسْلامِ والمُسْلِمينَ، وأَيَّدْتُ قَوْلَها إِنَّ الدِّينَ المُعَمَلَةُ، دُونَ أَنْ أَبْخَلَ عَلَيْها بِالشَّرْحِ والإِثْباتاتِ، وَفِي كُلِّ دَقيقَةٍ كانَتْ تَمُرُّ أَبْدَتْ تَفَهُّمَها وَوَعَدَتْني إِنَّها لَنْ تَحْكُمَ بَعْدُ، مِنْ نَفْسِ وِجْهَةِ النَّظَرِ السَّابِقَةِ المُنْحَصِرَةِ لَها، وَسَوْفَ تَجْتَهِدُ وَتَقْرأُ وّتَسْتَعينُ بالأَخَرينَ وَبِيَّ في الأُمُورِ!
قُلْتُ: "إِنْ شاءَ اللهُ"، وأَدْرَكْتُ أَنا الفَائِدَةَ مِنْ كَلامِي مَعَها، وَفَتَحْتُ البابَ لَها على مِصْرَعَيْهِ، وَقُلْتُ:"يُمْكِنُكِ أَنْ تَعْتَبِريِنَني كَوالدِكِ وَتَسْتَعِينِينَ بِيَّ مَتَى شِئْتِ فِي كُلِّ صَغِيرَةٍ وَكَبيرَةٍ"!
أَحْبابي وأَعِزائِي!هَذا هُوَ حَالُ قِسْمٍ مِنْ النَّاسِ فِي المُدُنِ المُخْتَلَطَةِ، بِدُونِ التَّوَسُّعِ بالكَلامِ وَالتَفْصيلِ! وأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُوَفِّقَ الجَميعَ ويَحْمِيَهُم ويُبْعِدَ السُّوءَ عَنْهُمْ إِنْ شاءَ اللهُ!

السَّلامُ والرَّحْمَةُ والبَرَكاتُ عَلَىَ جَميعِ خَلْقِ اللهِ!
لَكِنَّني قَبْلَ أَنْ أُنْهِيَ أَقُولُ لِكَثيرٍ مِنَ الشَّبابِ الَّذينَ يَنْتَقِلُونَ لِيَعِيشُوا في المُدِنِ اليَهُودِيَّةِ طَلَبَاً لِلْرِزْقِ والهُروبِ مِنَ الوَضْعِ: "إِحْذَرُوا وآرْحَمُوا أَنْفُسَكُمْ وأَوْلادَكُمْ مِنَ الضَّياعِ! فَلَيْسَتِ المَادَّةُ والغِنَى والشُّهْرَةُ كُلَّ مَا يِجِبُ أَنْ تَبْغُوا في حَياتِكُمْ! فَإِنَّ رَبَّكُمْ وَأُمَتِكُمْ لَهُمْ حَقٌ عَلَيْكُمْ!
فَقَالَ الله تعالى: "فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ"
وقال سُبْحانهُ: "مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ"

وقَالَ اللهُ: "وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا ۖ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي ۖ إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ".
التَّوْفِيقَ والهِِدايَةَ لِلأُمَّةِ وَلِشَبابِها وشابَّاتِها إِنْ شاءَ اللهُ!