كنوز نت - بقلم : الشَّيخ حمَّاد أبو دعابس | رئيس الحركة الإسلاميَّة


جبر الخواطر ينفعك في المخاطر


أعجبتني رواية ذلك الطَّبيب المصريِّ ، إذ يحدِّّث عن لقاءٍ جمعه بالشَّيخ الإمام الشَّعراوي رحمه الله ، فسأله ، يا إمام : أيُّ الأعمال أغضب لله عزَّ وجلَّ ؟ . قال له الإمام : ما تقول أنت ؟ ، قال : أظنُّه تركُ الصَّلاة ؟ ، قال : لا ، إذاً ماذا ؟ ، قال الشَّعراوي رحمه الله : بل هو كسر خاطر اليتيم وإغفال حاجة المسكين . والدَّليل على ذلك قول الله تعالى : " أرأيت الَّذي يكذِّب بالدِّين فذلك الَّذي يدعُّ اليتيم ولا يحضُّ على طعام المسكين ........ " . قال الطبيب : فما تنصحني ؟ ، قال : " من مشى بين النَّاس جابراً للخواطر ، أدركه الله في جوف المخاطر " . قال الطَّبيب : إنطلقت عازماً الرُّجوع إلى بيتي بعد شراء بعض حاجيَّات البيت ، وإذ بالهاتف من جهة أحد معارفي ، يقول لي يا دكتور ، لو تتكرَّم علينا وتجبر بخاطر فلانة ( من أقاربه ) وتزورها في المستشفى فإنَّ حالتها حرجة ، ولعلَّك تعينها بشيء . قال الطبيب في نفسه : ما قضيَّة جبر الخاطر ، سمعتها من الشَّيخ الشَّعراوي ، وها هو فلان يطلبها منِّي ؟ ، فعزمت على تلبية طلبه ، ويمَّمت نحو المستشفى . وقبل أن أدخل باب المستشفى بلحظات شعرت بوعكة شديدة ، علمت أنَّها مقدِّمات جلطة دماغيَّة ، فدخلت فوراً على موظَّف الإستقبال ، وطلبت منه العلاج الفلاني فوراً ، ثم أدخلني على طبيبٍ مختصٍّ ، فأسعفني فوراً ، وهو يقول : لقد وصلت في الوقت المناسب ، ولو تأخَّرت خمس دقائق لكان الوضع معقَّداً جداً . فسبحان الله ، بمجرَّد عزمه جبر خاطر مريضة ، أدركه الله في كربٍ وشدَّةٍ ما كان يتوقَّعها .

أجبروا خواطر المنكوبين والمشرَّدين والمحتاجين

عندما تتبرَّع لحملة الإغاثة الشَّتويَّة فاعل خير ( كي تبقى الإنسانيَّة ) ، فلعلَّك تجبر خاطر أرملةٍ فقدت زوجها ، وهُدم بيتها ، وتشتَّت أطفالها . أو أسرةٍ تفترش الوحل والطِّين ، وترتعد فرائصهم من البرد والخوف والجوع . وسوف يؤجر إبن بلدك المتطوِّع للحملة ، ويؤجر إخوانك في جمعيَّة الإغاثة ، ويؤجر من ينفِّذ مشروعات الجمعيَّة في المخيَّمات البائسة ، ويؤجر من يحمل المساعدات ليدخلها ويسلِّمها بيده لأيدي محتاجيها ، وأنت أيها المتبرِّع ، لك جزءٌ من أجور هؤلاء جميعاً . وحتماً سيبعث الله تعالى لك من يدركك بخدمةٍ أو معونةٍ ، إذا ألمَّت بك ضائقةٌ في يومٍ ما . وتذكَّر : " من سعى بين النَّاس جابراً للخواطر ، أدركه الله في جوف المخاطر " .

" اللهمَّ إنِّي أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبَّ المساكين "

طوبى لمن استخدمه الله لخدمة عباده الضُّعفاء ، وأعانه الله على إدخال السُّرور لبيوت البسطاء ، وقذف الله في قلبه حبَّ المساكين والمحرومين . فيواسي هذا ، ويرفع معنويَّات ذاك ، ويسعى في حاجة آخر ، يرجو رحمة ربِّه ويبتغي الأجر من عنده ، ليجد ذلك بعون الله تعالى ، من أثقل الأعمال في موازين حسناته ، " يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلَّا من أتى الله بقلبٍ سليم " .



" ما عندكم ينفد وما عند الله باقٍ " .

 " داووا مرضاكم بالصَّدقة " .

" صدقة السِّرِّ تطفئ غضب الرَّبِّ " .

" يا ابن آدم : أنفق يُنفَق عليك " .

وختاماً :

عندما يستولي الحرص وحبُّ الدُّنيا على قلوب الكثيرين ، فيسرقون وينهبون ويقتلون من أجل دنياهم الفانية ، فإنَّ من دلائل الرُّجولة ، وعلوِّ الهمَّة ، ورقيِّ مجتمعنا ، أن يتنافس الخيِّرون في البذل والعطاء ، في الكرم والسَّخاء ، للوقوف إلى جانب الفقراء والضُّعفاء ، في ساعة الكرب والشِّدَّة والبلاء . فكونوا لهم نعم الأهل والأحبَّة الكرماء الأسخياء .
" والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " .