كنوز نت - تقديم : شاكر فريد حسن


شاعر من بلادي .. الطيباوي د. سامي ادريس


د. سامي ادريس من الأسماء الشعرية التي ظهرت في أواخر السبعينات في المشهد الثقافي. ولد في طيبة بني صعب، تلقى دراسته فيها، وانهى تحصيله فوق الثانوي في دار المعلمين العرب في يافا سنة 1974، ثم درس الادب الانجليزي بجامعة بن غوريون في بئر السبع.

اشتغل معلمًا في مدارس النقب بين السنوات 1947 – 1978، وفي مدرسة مصمص الابتدائية التي تعرف فيها إلى الشاعر والمفكر الراحل أحمد حسين، وجمعته به علاقة وطيدة ووثيقة، وكان قد كتب عن هذه العلاقة والتجربة مع أبي شادي في مداخلته الجميلة عن قصيدته " الزناطم "، وفي مدارس مدينته الطيبة.

بعد ذلك التحق بجامعة تل أبيب درس الأدب الكلاسيكي والفلسفة الاسلامية وحصل على شهادة الدكتوراة.
خرج للتقاعد وكرس وقته للعمل الثقافي والمطالعة وكتابة الشعر والمقالات النقدية، ونشر كتاباته في عدد من الصحف والمجلات المحلية والمواقع الاكترونية المختلفة.

كان عضوًا في هيئة تحرير مجلة المعلمين " صدى التربية "، وأصدر مع مجموعة من المهتمين والمثقفين، حين كان معلمًا في النقب مجلة أدبية وثقافية شهرية لم تعمر طويلًا.

وفي العام 1977 صدر ديوانه الشعري " الرحيل إلى مرافئ الغيم ".

ابتدع سامي ادريس لونًا أدبيًا مميزًا أسماه " المنامات "، وكتب أكثر من عشر منامات نشرت في العديد من المواقع الالكترونية.
تنوعت موضوعات سامي ادريس، وفي بداياته كتب قصائد رومانسية وعاطفية ووجدانية في الحب والغزل والوصف، بعدها كتب قصائد للوطن والأرض والثورة.

جاءت قصائده وأشعاره غزيرة، غنية بثروتها الفكرية والمعنوية واللغوية، شفافة، متأججة بصدقها وزخمها الوجداني والعاطفي والحس الوطني، ومن ناحية النسيج الأسلوبي فقد جاءت متسمة بقوة التعبير، ورقة التعابير، ودقة الألفاظ، وشدة الايحاء، حافلة بالاستعارات والمحسنات البديعية، علاوة على استخدام الرمز التصويري وما يضفيه على الشعر من تأثير وحيوية، واعتماد لغة دافئة رشيقة عذبة كالماء، وأدوات فنية جمالية حديثة.

من أشعاره هذه المقطوعات من رائعته " لمدينةٍ لم يَمُتْ أهلُها "، التي يناجي ويحاكي فيها " طيبته " فيقول :

ليلُ شتائِكِ صارَ مُملا
شمسُكِ لن تعطيني ظِلاّ
طيبةُ كوني عشقي الأحلى
 طيبةُ يا مئذنتي الأعلى
خاوٍ عمري ملءَ جراركِ عسَلا
***
أبحثُ عن حَجَرٍ يُرضِعني
عن شَجَرٍ يزرعُني زرقاءَ يمامةْ
عن طفلٍ في مزبلةِ الحيِّ يناجي أحلامَهْ
عن بئرٍ ظلّتْ مهجورةْ
عن صورةْ
نادَيتُ وأنا في حضنكِ في الصورةْ :
يا أمي الأخرى، مهلاً إنَّ الشعرَ سيوقظُكِ اليومَ

 ويوقظني..
يشربني الشعرُ وأشربهُ... لا يأسْ
يا أمي الأخرى.. المسحورةْ
مَنْ ذبحَ الفرح الفطريَّ على جِسْرِكْ
وعليهِ عذاراكِ وشئٌ من عِطْركْ
يا طَيْبَةْ! لا بأسْ
يا نبعةَ حُبٍّ أسقتْ كلَّ البلدانْ
يا تعبي جئتُ إليكِ وعشقي الأولْ
أدعوهُ من الأنقاضِ فلا يسمعني
اليومَ أُشيّعُ فيكِ مدينةَ عِشقٍ سقطتْ
تتساقطُ أوراق التين وأوراق العشبِ،
وأوراقٌ حُرِقتْ سرّاً، مرحى لتساقط كلِ الأوراق
إني أوشكتْ : أتساقطُ خمراً في نهدَيكْ
ناعسةَ العينين تعالي:
إني أوشكتُ أراكِ .. إلهاً وضباباً مسكوناً بالغُرباء
وأرى خلفكِ آلافَ الأقمارِ وآلافَ النجمات فأبكي
وأرى أكواماً خلفَ نبيٍّ لا أُميٍّ
يكتبُ فقهَ الرحلةِ حتى نصحو
ذبحوه !
إبكوهُ الآنَ لعلَّ زماناً يُنسينا
واعترفوا ... مُراً مُراً

سامي ادريس شاعر بديع الصور، أنيق الحرف، جياش العواطف، صادق الإحساس، واسع الخيال، صاحب رؤية وطنية، وفكر وضاء مستنير، محلق في مرافئ الغيم، لم يأخذ حقه من الاهتمام النقدي، فله خالص التحية وباقات من النرجس والرياحين ، وتمنياتي له بموفور الصحة ودوام العطاء والنتاج الشعري، واثراء المشهد الأدبي بتجاربه الإبداعية المميزة بمجالي الشعر والنقد.