كنوز نت - الطيبة  : بقلم سامي مدني



مِنْ أًَهْلِ الكِتابِ مُسْلِمين وفيهم مُؤْمِنين!



السَّلامُ عَليكُمْ وحَماكُمْ اللهُ إِخْوتي وأَعِزَّائِي!


سُبْحانَ اللهِ الخالِقِ الأَحَدِ في قولهِ البَلاغُ والبَلاغَةُ: ( وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَٰكِن يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)! مِنْ هَذا أَعِزَّائيِ! يُمْكِنُ أَنْ نَسْتَخْلِصَ العلَاقَةَ بَيْنَ اللهِ وَعِبادِهِ، الَّذينَ خُيِّرُوا لَيْسَ كَسائِرِ المَخْلُوقاتِ، وَلِهذا حَقَّ عَلَيهِ مُعامَلَتَهُ وقَوْلَهُ وإِصْدارَ قَراراتِهِ لَهُمْ! فَهُوَ كَلامُ مَوْثُوقٌ لا جِدالٌ فِيهِ ولا نِقاشٌ، بَعْدَ وُجُودِ قَرارٍ قَدْ سَبَقَهُ ووافَقَ عَلَيهِ البَشَرُ! وَالَّذي كَانَ بإخْتِيارِهِمْ بِدُونِ إِكْراهٍ أوْ إِجْبارٍ، إِنَّما بِمَحْضِ إِرادَتِهِمْ لَيْسَ مِثْلَ بَاقِي المَخْلُوقاتِ، لِهَذا وَهَبَ اللهُ العَقْلَ لَهُمْ على غَيْرِ سِواهُمْ الَّذين سَيَّرَهُمْ وسَخَّرَهُمْ لِلعِبادَتِهِ فَقَطْ! وَقَدْ بَلَّغَ اللهُ أَنْ مَشِيئَتَهُ قائِمَةٌ، لِعِلْمِهِ الغَيبَ الَّذي يُبينُ مَصيرَ الناسِ مُسْبَقَاً، ومَا هُمْ اليَوْمَ عَلَيهِ وبَعْدُ! وَبَعَثَ خاتَمَ الأَنْبياءِ مُخاطِبَاً إِيَّاهُ: (وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةً وَٰحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)، ومَا زالُوا مُخْتَلِفينَ على أَدْيانٍ شَتَّى، مِنْ بَيْنِ يَهُودِيٍّ ونَصْرانيٍّ، ومَجُوسِيٍّ، ونَحْوِ ذلكً، مُخْتَلِفين بَغْياً مِنْهُمْ وبَعْدَ مَا عَقِلُوا مَا جاءَهُمْ مِنَ الحَقِّ، لَكِنّهُ أَيْ اللهُ مَضْمُوناً يُحْسِنُ الظَّنَ بِعِبادِهِ ويُريدُ الأَحْسَنَ لَهُمْ! رَغْمَ عِلْمِهِ بِمَعْصِيَتِهِمْ لَهُ مُسْتَقْبَلاً، فَبَعَثَ الرُّسُلَ والمُبَشِّرينَ حَتَّى لا يَكُونَ حَرَجً لِلْناسِ وإِدِّعاءً كَغَيْرِ ما هُمْ فعلاً عَلَيهِ، وقَالَ: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)، وقَالَ: ( وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَىٰ ۖ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا) وهُنا يَسْتَثْني مَنْهُمْ مَنْ إِتَّبَعَ وأَمَنَ بالرَّسُولِ والإِسْلام، وقولِهِ تَعَالى:

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)، وآيةٌ أُخْرى، (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ)، وقَالَ تَعَالى:(وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مِنْ في الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَميعَاً) 

أَعِزائِي لَسْنا بِحاجَةٍ لِيَفَسِّرُوا لَنا هَذهِ الأَياتِ، فَالأَمْرُ واضِحٌ بِقَوْلِهِ أَنَّهُ قَادِرٌ على جَعْلِ النَّاسَ كُلَّهَمْ أُمَّةً واحِدَةً مِنْ إِيمانٍ أَوْ كُفْرانِ ، رَغْمَ الخَلَفِ بَيْنَهُمْ في أَدْيانِهِمْ وَآعْتِقاداتِ مِلَلِهِمْ وعَقيدَتِهِمْ ومَذاهِبِهِمْ وآرائِهِمْ وفي الهُدَى، الاَّ مِنْ رَحِمَ رَبُّكَ؛ أَيْ إِلاَّ المَرْحُومِين، مِنْ إِتَّبَعَ الرُّسُلَ وتَمَسَّكُوا بِمَا أُمِرُوا بِهِ مِنَ الدِينِ، الَّذي أَخْبَرَتْهُمْ رُسُلُ اللّهِ بِمَا جَاءَتْ إِلَيْهِمْ، ولَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبُهُمْ وَخِيارُهُمْ لأَنَّهُمْ خِلافاً لِجَميعِ الكائِناتِ مُخَيَّرُون ولَهُمْ الحَقُّ بالقَرارِ، هَؤُلاءُ بَقُوا على ذَلِكَ حَتَّى بُعِثَ النَّبِيُّ وخاتَمُ الرُّسُلِ والأَنْبياءِ، وَقِسْمٌ كَبيرٍ مِنْهُمْ إِتَّبَعُوهُ وصَدَّقُوهُ وَأَزَرُوهُ، فَفازُوا بِسَعادَةِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، لأَنَّهُمْ الفِرْقَةُ النًّاجِيَةِ المُشارُ إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ: (ولا يَزَالوُنَ مُخْتَلِفِين) يَعْنِي بِهذا اليَهُودَ والنَّصارَى والمَجُوسَ (إلا مِنْ رَحِمَ رَبُّكَ)؛ وَهُمْ الحَنيفِيَةُ، وَأَهلُ رَحْمَةِ اللّهِ، وَأَهْلُ الجَماعَةِ وَإِنْ تَفَرَّقَتْ دِيارُهُمْ وأَبْدانُهُمْ، أمَّا أَهْلُ مَعْصِيَتِهِ أَهْلُ الفِرْقَةِ وَإِنْ إِجْتَمَعَتْ دَيارُهُمْ وأَبْدانُهُمْ، وبِقَوْلِهِ تَعالى: (وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ) أَيْ عَرِفَ وَقَدَّرَ نِهايَتَهُمْ ونَواياهُمْ لِعْلْمِهِ الغَيْبِ، فَقالَ الحَسَنُ البَصْرِي: وللإِخْتِلافِ خَلَقَهُمْ، أَمَّا إِبْنُ عَباسِ: خَلَقَهُمْ فَريقَين إعتماداً على قَوْلِ اللّهِ: { فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وسَعِيدٌ} ، وعَنْه قِيْلَ: لِلْرَحْمَةِ خَلَقَهُمْ ولَمْ يَخْلِقْهُمْ لِلْعَذابِ، مُسْتَعِيناً بِقَولِهِ تَعالى: { ومَا خَلقْتُ الجِنَّ والإِنْسَ إِلاَّ لِيعْبُدُونَ...}، وقِيلَ: ولِلْرَحْمَةِ والإِختلاف خَلَقَهُمْ، وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ قَالَ: النَّاسُ مُخْتلِفُون وَهُمْ على أَدْيانٍ شَتَّى فَمِنْ رَحِمَ رَبُّكَ غَيْرَ مُخْتَلِفٍ، فَقِيلَ لَهُ لِذَلكَ خَلَقَهُمْ، فكانَ جَوابَهُ: خَلَقَ هَؤُلاءَ لِجَنَّتِهِ، وخَلَقَ هَؤُلاءَ لِنارِهِ، خَلَقَ هَؤُلاءَ لِعَذابِه وأَخَرينَ لِرَحْمَتِهِ، أَمَّا مالِكَ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: { ولا يَزَالُون مُخْتَلِفينَ إِلاَّ مِنْ رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} فَأَجابَ: فَريقُ في الجَنَّةِ وفَريقُ في السَّعيرِ، وأيَّدَهُ إِبْنُ جَريرٍ، وَقَوْلُهُ سُبْحانهُ: {وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِين}!


أَحْبابي أَنَّهُ تَعالى قَدْ سَبَقَهمً بِالقَضاءِ والقَدَرِ لِعِلْمِهِ التَّامِ وحِكْمَتِهِ النَّافِذَةِ، إِنَّ مِمَنْ خَلَقَهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُ الجَنَّةَ، وإِنْ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَحِقُ النَّارَ، وأَنَّه لا بُدَّ أَنْ يَمْلأَ جَهَنَّمْ مِنْ هَذَيْنِ الثَّقَلَيْنِ الجِنِّ والإِنسِْ وَلَهُ الحِجَّةُ البالِغَةِ والحِكْمَةُ التَّامَةِ! وَفي الصَّحيحَيْنِ عَنْ أَبي هُريرةِ قَالَ، قَالَ رَسولُ اللّهِ صَلَّى اللّهُ عَلَيهِ وسَلَّمَ: (إِخْتَصَمَتْ الجَنَّةُ والنَّارُ، فَقالَتْ الجَنَّةُ: مَا لي لا يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفاءَ النَّاسِ وسَقَطِهُمْ، وقالَتْ النَّارُ: أُوْثِرْتُ بالمُتَكَبِّرينِ والمُتَجَبِّرينِ، فَقالَ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكَ مَنْ أَشاءُ، وقَالَ لِلْنارِ: أَنْتِ عَذابِي أَنْتَقِمُ بِكِ مِمَّنْ أَشاءُ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنْكُما مِلْؤُها، فَأَمَّا الجَنَّةُ فَلا يَزالُ فِيها فَضْلٌ حَتَّى يُنْشِئُ اللّهُ لَها خَلْقاً يَسْكُنُ فَضْلَ الجَنَّةِ، وَأَمَّا النَّارُ فَلا تَزالُ تَقُوْلُ: { هَلْ مِنْ مَزيدٍ} حَتَّى يَضَعَ عَلَيْها ربُّ العِزَّةِ قَدَمَهُ فَتَقُولُ: (قَطْ قَطْ وَعِزّتُكَ)

أَعِزائِي بِشَكْلٍ عامٍ خَـلَقَ اللهُ هَؤُلاءَ لِـجَنَّتِهِ وهَؤُلاءَ لِنارِهِ، وخـَلَق هَؤُلاءَ لِرَحْمَتِهِ وَهؤُلاءَ لِعَذابهِ، فَأَهْلُ البـاطِلِ إلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ مَنْ أَهْلِ الـحَقِّ مِنْهُمْ مَيَّزَهُمْ وعَدَلَهُمْ،هَذا هُوَ مَفْهُومِ قَوْلِهِ تَعالى، واللهُ أَعْلَمُ: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) 

إِخْوَتي بِاللهِ! إِنَّ علاقَةَ الإِنْسانِ باللهِ مَتِينَةٌ جِدَاً، وهِيَ مَبْنِيةٌ على أَساسِ الإِحْترامِ والتَّقْدير والحُبِ والإِتِّفاقِ،لا على الإِجْبارِ والإِرْغامِ والإِذْلالِ، وإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ العِبادِ مُنْذُ الخَليقَةِ! فَاللهُ الَّذي خَلَقَنا ولَمْ يُبْقِي شَيْئاً إِلاَّ ومَدَّنا بِهِ بِوَفْرَةٍ وَكَرَمِهِ، دُونَ مُقابِلٍ سِوَى العِبادَةِ الخالِصَةِ لَهُ وَأَلاَّ نُشْرِكَ بهِ أَحَدَاً! وكُلَّ كَلامٍ غَيْرَ هَذا فَإِنهُ غُشٌ وبُهْتانٌ! لإِنَّ اللهَ أَعْطانا العَقْلَ لِنَخْتارَ الطَّريقَ الأَنْسَبَ ولَمْ يُجْبِرْنا إِنَّما أَثَرَ لنا الأَفْضَلَ وَما فيهِ مِنَ راحَةٍ وطَمَأْنِينَةٍ لِلْنُفُوسِ!

أَسْأَلُ اللهَ أَنْ نَعِيَ جَيِّداً أَنَّ الدَّعْوَةَ واجِبٌ وَعَلَيْنا النُّصْحَ والإِرْشادَ! والدَّعْوَةَ للهِ لأَنَّنا لا نَعْلَمُ مَا في القُلُوبِ فَلا نَحْكُمْ عَلَيْهِمْ! ونُبْقِي الأَمْرَ للهِ! فَلا نَقُولْ هَذا لا فَائِدَةٌ مِنْهُ!

أَدْعُو اللهَلنا التَوفِيقَ! والرَّحْمَةَ والسَّلامُ عَليكُمْ مِنَ اللهِ العَزِيزِ الحَكِيمُ! إِنْ شاءَ اللهُ!