كنوز نت - الطيبة  - بقلم : سامي مدني


(الإقناع والإثبات بالمعجزات)


السَّلامُ عَليكُمْ ورَحمةُ اللهِ!


هُناكَ أُمُوُرٌ إِخْوَتي بِاللهِ! إِذا بَحْثْنا فِيها مِمَّا تَوَفَّرَ لَنا مِنْ معْلُوماتٍ وَجَدْناها حَقاً تُثِيرُ العَجائِبَ والإِعْجابَ، لَكِنَّنا نُؤْمِنُ بها لأَنَّها مِنْ مُعْجِزاتِ اللهِ! وَهِيَ مَا تَناقَلَ الرُّواةُ لَنا، فَهِيَ مُوثَّقةً ومُؤَكَدَةً أَسْفَرتْ عَنْ رُدُودٍ وَقْتَها، تُنْكِرُ حَقيقَةَ حُدُوثِها لأَنَّها مِنَ المُسْتَحيلاتِ وَشَيْءٌ غَريبٌ، فَقَدْ أُسْرِيَ بالرَّسُولِ صَلَواتُ اللهُ عَلَيهِ مِنْ بَيْتِ الحَّرَامِ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ لَيْلاً، بَعْدَ أَنْ شُقَّ صَدْرَهُ بِقُدُومِ ثَلاثَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ الكِرامِ، بينَهم جبريلُ ومِيكائِيلُ، فَجَعَلُوا جَسَدَهُ مُسْتَلْقِياً على الأرضَ وَهُوَ نائِمٌ، ثمَّ فَتَحُوا لَهُ بَطْنَهُ، فغَسَلوا مَا كانَ بهِ مِنْ غِلٍّ بِماءِ زَمْزَمَ، وَمَلَؤُوا قَلْبَهُ إِيمانَاً وحِكْمَةً، ثُمَّ أَفاقَوهُ فَخَيَّرُوهُ شُرْبَ لَبَناً أَو خمراً، فَآخْتارَ الرَّسولُ الكَريمُ اللَّبنَ فشَربَ! ثُمَّ أَرْكَبَهُ جِبْريلُ دابَّةً يُقالُ لَها البُراقُ وَإِنْطَلَقَ بهِ إِلى المَسْجدِ الأَقْصى يَسُوقَهُ، ثُمَّ أنْزَلَهُ في الطريقِ طيبَةَ فَصَلَّى بِها وأَخْبَرَهُ مَا يَكُونُ مِنْ هِجْرَتِهِ إِلَيْها، ثمَّ طُوُرَ سِيناءَ حيثُ كَلَّمَ اللهُ مُوسى عليهِ السَّلامُ فصلَّى، ثُمَّ إِستمَرَّ بهِ إِلى بَيْتَ لحم مَوْلِدَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فصلَّى كذلكَ،إِلى أَنْ دَنا بِهِ إِلى بَيْتِ المَقْدِسِ فأنْزَلهُ بابَ المَسجِدِ ورَبَطَ البُراقَ بالحَلَقَةِ التي كان يَرْبُطُ بِها الأَنْبياءُ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ ليَلتَقِي أرْواحَ أَنبياءَ اللهِ المَبْعُوثِينَ قِبْلَهُ، وبَعْدَ أَنْ سَلَّموا عَلَيْهِ وَصَلَّى بِهِمْ رُكْعَتَينِ بَدَأَتْ أَحْدَاثُ المِعْراجِ بِصُعُودِ الصَّخْرَةِ المُشرَّفَةِ، إِذْ سارَ جِبْريلُ بِهِ إِلَيْها فَحَمَلَهُ مِنْها على جَناحِهِ لِيَصْعَدَ بِهِ إِلى السَّماءِ الدُّنيا، ويَتَجَلَّى بِها بَعْدَ أَنْ إِسْتَفْتَحَ وَآسْتَأْذَنَ، فَإِطَّلَعَ الرَّسُولُ على بَعْضِ أَحْداثِ السَّماءِ الأَولى، وبَعْدَها إِرْتَقَى بِهِ إلى السَّماء الثَّانيةِ فَآسْتَفْتَحَ فأُذِنَ لهُ، فَوَجَدَ فِيْها زَكَريا وعِيسى بْنُ مَرْيَمَ عَليْهِمْ سَلامُ اللهِ جَميعَاً، ثُمَّ صَعَدَ به إِلى السَّماءِ الثَّالثةِ، فَرَأَى فِيها يُوسُفَ عَلَيهِ السَّلامُ ثُمَّ إلى السَّماءِ الرَّابعةِ وفِيها كَانَ إِدْرِيسُ، وَالخامِسَةِ وفيها هَارُونُ، ثمَّ ارتقى بهِ جبْريلُ إلى السَّادسةِ فَوَجَدَ مُوسى فَالسّابِعَةِ وفِيها كَانَ إِبْراهِيمُ عَلَيْهِمْ صَلواتُ اللهِ جَميعَاً وسَلامُهُ، ثمَّ إِنْتَهى بِهِ إِلى سِدْرَةِالمُنْتَهى، عِنْدَها تَقَدَّمَ جِبْريلُ بالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وسلَّمَ إِلى الحِجابِ وفِيهِ مُنْتَهى الخَلْقِ، فَآسْتَلمَهُ مَلَكٌ وتَخَلَّفَ عَنْهُ جِبْريلُ، فََصَعَدَ بِهِ المَلَكُ حَتَّى بَلَغَ العَرْشَ، حِينِها أَنْطَقَهُ اللهُ بالتَّحيَّاتِ فَقَال مُحَمَّدُ عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامِ وهو ساجِدَاً: (التَّحِيَّاتُ الْمُبَارَكَاتُ وَالصَّلَوَاتُ الطَّيِّبَاتُ لِلَّهِ)، وفِي المَرْحَلَةِ هَذهِ فُرِضَتْ الصَّلاةُ خَمْسِينَ صَلاةً علَيْهِ وَأمَّتِهِ كُلَّ يومٍ وليلةٍ، ثمَّ صَحِبَهُ جِبْريلُ فأدْخَلَهُ الجَنَّةَ، فَرَأَى مِنْ نَعيمِها مَا لا عَيْنٌ رأَتْ ولا أُذُنٌ سَمَعَتْ،ً وبَعْدها عَرَضَ عَلَيهِ النَّارَ فَنَظَرَ في عَذَابِها وأَغْلالِها، ثُمَّ أَخْرَجَهُ جبريلُ حتَّى أَتَيا نَبيَّ اللهِ مُوْسى، وبَعْدَ أَنْ عَِلِمَ مُوسَى مَا حَدَثَ! أَرْجَعَهُ إِلى رَبِّهِ لِيَسْأَلَهُ التَّخْفيفَ، فخفَّفَ عنهُ عَشْراً لَكِنَّهُ عاوَدَ وَأَرْجَعهُ، فَسَأَلُهُ التَّخْفيفَ، فخفَّفَ اللهُ عَنْهُ عَشْرَاً، ثمَّ لَمْ يَزَلْ بَيْنَ ربِّهِ ومُوسى حَتَّى جَعَلَها اللهُ خَمْسَ صَلَواتٍ في اليومِ واللَّيْلَةِ، فَلَمْ يَقْبل بَعْدَها نَصيحَةَ مُوسى وَأْعْرَضَ الرَّسُولُ عَنْ ذَلِكَ الرُّجُوعِ إِسْتِحْياءً مِنَ اللهِ! الَّذي قَالَ فيهِ: "إِنك لَعَلَى خُلِقَ عَظِيمٍ"، فَنادَاهُ رَبُّهُ: (إنِّي قد فَرَضْتُ عَلَيْكَ وعلى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلَاةً، وَالْخَمْسُ بِخَمْسِينَ، وَقَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي)، ثمَّ عادَ بهِ جبريلُ إلى مَضْجَعِهِ، وكُلُّ ذلِكَ في ليلةٍ واحدةٍ.

بَعْدَ هَذهِ المَسِيرَةِ وَكُلَّ هَذِهِ المَسافَةِ أَعِزائِي! فإِنَّ الإِسراءَ والمِعْراجَ إِلى السَّماءِ وتَنَقُلَهُ بَيْنَ السَّمَواتِ وأُرْجِعَ إِلى فِراشِهِ في نَفسِْ اللَّيْلةِ ومَا زالَ دافِيءً! تَدُلُّ على قُدْرَةٍ ومُعْجِزَةٍ إِلاهيَّةٍ قَبْلَ مِئاتٍ مِنَ السِّنينِ، بَيْنَما اليَوْمَ ومع كُلِّ التَّطَوُرِ لَمْ يَسْتَطيعُوا الوُصُولَ إِلى كَواكِبٍ في غلافِ الكُرَةِ الأَرْضِيَّةِ الَّتِي هِيَ دُونَ السَّماءِ الأُوْلى.


طَبْعاً أَعِزائِي! ما كانَ الكُفَّارُ لِيُصَدِّقُوا، وشَّكَكُوا وآتَّهَمُوهُ بالكَذِبِ والجُنُونِ وَغَيْرَ أنَّهُمْ شَتَمُوهُ، لَكِنَّ اللهَ تَعالى لَمْ يَتَخَلَّى عَنْ مُحَمَّداً، وأَنْزَلَ الأََياتِ ولَمْ يُنْكِرْ عَليْهِمْ تَعَجُّبَهُمْ، فَهُمْ أََصْلاً غَيْرَ مُؤْمِنين مِنْ قَبْلُ، فَكَيفَ إِذا جَاءَ بِشَيءٍ كَهذا، وَبَدَأَ اللهُ بِكَلِمَةِ سُبْحانَ وآسْتَمَرَّ الَّذي أَسْرَى بِعَبْدِهِ...... ليُضحِضَ أُسْلُوبَهُمْ وَتَعَجُّبَهُمْ بإِثْباتِ نَزاهَتَهُ، وباهِرَ قُدْرَتَهِ في إِسرْائِهِ بِصَفْوَةٍ خَلِيقَتِه، فَالأُسْلُوبُ هَذا رَفَعَ مِنْ شَأْنِ نَبِيِّهِ أيْضاً، وَفِيْهِ حَقيقَةُ تَعْجيزٍ، والتَّأْكِيدُ على عَظَمَتِهِ هوَ، لِيُزيلَ الشَّكَ عِنْدَهُمْ ويَعْلُو اليَقِينُ! فَإِنَّ الأَمْرَ تَمَّ بالرُوحِ وَالجَسَدِ! فلْيُؤْمِنْ بِهِ مَنْ يُؤْمِنُ!

وَقَالَ اللهُ سُبْحانهُ: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
في الوَقْتِ الّذِي حَدَثَتْ المُعْجِزَةُ أَحِبائِي! كَانَ الرَّسُولُ صَلَواتُ اللهِ عَلَيهِ! يَعيشُ وَقْتَاً صَعْبَاً جِدَاً خاصَّةً بَعْدَ وفاةِ زَوْجَتُهَ خديجَةُ الأمُّ والأُخْتُ والصَّابِِرَةُ، وَوَفاةِ عَمُّهُ أَبِي طالبِ الناِصرُ لَهُ رضِيَ الله عَنْهُما! إِذْ كَانا الدَّاعِمُ والْسَّنَدُ! كأَنَّ اللهَ أَرَدَ بِهَذا أَنْ يُثَبِّتَهُ ويُظْهِرِهُ بِمُعْجَزَةٍ تَرْفَعُهُ على أَعْدائِهِ، وهِيَ بُرْهانٌ وعَلامَةٌ لَهُم ْأَنَّ اللهَ مَعهُ وناصِرُهُ ولَوْ رَحَلَ عَنْهُ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ! مِثْلَمَا كَانَ يَدْعَمَهُ في كُلِّ مِحْنَةٍ، لَكِنَّهُ المَرَّةَ شَيْءٌ جَدِيدٌ خارِقُ المَفاهِيمِ! مُعْجِزَةٌ تُحْدِثُ نَقْلَةٌ تاريخِيَّةٍ تُزِيدُ مِنَ التَّحَدِي وصِدْقِ دَعْوَتِهِ! وفي هَذهِ الرِّحْلَةِ السَّماوِيَّةِ أيْضاً جَاءَ المُصْطَفى بِرُكْنٍ مُهِمٍ مِنْ أَرْكانِ الإِسْلامِ! يُقَرِّبُ المُسْلِمين مِنَ اللهِ ويُنَظِّمُ يَوْمَ عِبادَتِهِمْ وحَياتِهمْ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَتَجْعَلَهُمْ بإتِّصالٍ "مُباشِرٍ" مَعَ اللهِ!

في هَذِهِ المَسِيرَةِ أَعِزائِي! كَانَ الرَّسُولُ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ حاضِراً بَيْنَ يَدَي اللهِ لا كَما يَدَّعي البَعْضُ، بَعْدَ أَنْ تَخَطَّى السَّمَواتِ إِلى سِدْرَةِ المَأْوَى وَراءِ مَا رأَى منها وبَعْدَها، فَوَرَدَ في قوله تَعالَى: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ، عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ، عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ، لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىٰ).

إِجْمالاً إِِخْوتي! هَذا كَلامُ اللهِ لَهُ تَفْسِيرٌ واحِدٌ! يُثَبِِّتُ حَيْثِيَّاً هذا الأَمْرَ الغَريبَ! لَكِنَّهُ فَصَّلُهُ ليُظْهِرَ حَقيقَةَ البِعْثَةِ السَّماوِيَّةِ! ومِنْها نَسْتَفيدُ كَيْفَ نَرُدُّ على أُوْلَئكََ الَّذين مَا زالوا يُحارِبُون الإِسْلامَ، وهِيَ جوابٌ واضِحٌ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ وناصرٌ لِدينِهِ، كَأنه يُخاطِبُ النَّاسَ وَقْتَها لِيَعُودُوا وَيُفَكِّرُوا جَدِّيَاً فَيُؤْمِنْوا، وهَذا مُناسبٌ لَنا أَيْضَاً هَذهِ الأَيامِ! فَلَمَاذا يَصِرُّ الخَلْقُ بِعِنادِهِمْ وكُفْرِهِمْ رَغْمَ كُلِّ هَذِهِ الإِثْباتاتِ والبَراهِينِ الَّتي تُبْرِزُ صُورَةً واضِحَةً لإِلَهٍ حَقيقِيٍ لَيْسَ كَمَا يَتَّبِعُوا ويُفَنِّدُوا؟
وفَّقُكُمْ اللهُ إِخْوتِي! رِسالتي وَإِنْ طالَتْ كِتابَتُها! إلَيْكُمْ ولَكُمْ هِيَ! وَأنَّ المُعْجِزاتِ كَثيرةٌ لا تُعَدُّ ولا تُحْصى! وَإِنْ فَكَّرْنا بِِها تَكُونُ عَوْنٌ لَنا في حَياتِنا! وَصُمُودِنا! وعَمَلِنا النَّاجِحِ! رَعاكُمْ اللهُ وحَمَكُمْ! إِنْ شاءَ اللهُ! والسلامُ عَليكُمْ ورَحْمَتُهُ تَعالى!