كنوز نت - جدعون ليفي هآرتس، 13.12.2019 ترجمة امين خير الدين



"قلتٌ ’أمّي قومي، قومي’. عندئذٍ عرفتُ أنّها ماتت":

 شهادات الناجين من قصف جيش الدفاع الإسرائيلي في دير البلح



قُتل تسعة من أبناء عائلة السواركه الشهر الماضي، جرّاء ثلاث غارات لسلاح الجوّ على كوخٍ تنكيٍّ كان الضحايا يسكنونه. منذ تلك الليلة، لم تتمكّن نور ابنة ال-11 من البكاء. " سرقوا منّي كلّ ما كان جميلا في حياتي" . سلميّه إبنة أل- 76 صارت تفقد وعيَها. دققت على الأبواب وصرخت: ’فقدتُ أولادي’"


  
نور سواركه طفلة عمرها 11 سنة، تلميذة الصف السادس. يتاريخ 14 نوفمبر/ تشرين الثاني قصف سلاح الجوّ الإسرائيلي بيتها وقتل أباها وأمَّها، محمد ويسرا، وأخويها، مُعاذ ووسيم، وأيضا عمَّها. رسْمي، وزوجته وقُتِل ابناءهما الثلاثة في غارة جيش الدفاع الإسرائيلي، بقيت نور مع أخويها وأختيها؛ مصدومة وبدون مأوى. تحدّثت الأسبوع الماضي مع مُحقِّقَة بتسيلم" في غزّة، أُلْفَت الكُرْد.
   
 في نفس الليلة، كما تروي الطفلة، "نام الجميعُ باستثنائي لأنني بقيت مستيقِظَة بسبب ضجيج الطائرات. بعد ذلك سمعتُ دويّا هائلا عندما قصفوا بيتَنا.كانت أخواتي تَنَمْنَ بجانبي ، نرمين وريم. هربتُ مُسْرِعة إلى ساحة البيت، هربت في الظلام، لم أر شيئا أمامي، سمعت ثلاثة أصواتانفجارات. في نفس اللحظة رايت أختي نرمين، وهي أيضا تحاول الهروب، لكنها لم تتمكّن لأنها أُصيبت برجليها الإثنتَيْن.

   "ابتعدتُ عن البيت، وعندما توقّف القصف عُدْتُ وبدأت أفتِّش عن أخواتي. تحوّل البيت إلى أكوام من الرُكام وحُفَرٍ كبيرة. وجدتُ وسام، وزوجة عمّي، وأبناءها بدأنا نفتّش معا عن أخواتي وعن أبناء عمومتي، وجدتُ أختي ريم مدفونة تحت الرمل. كان وجهها مغطى بالدم. حاولتُ سحبها من تحت الرمل. وجدتُ سالم وَلُما بجانب أمّي، كانت أمّي تتلو الشهادة ثم سكتت. حاولتُ إيقاظها، قلتُ لها ’قومي، أمي قومي’ لكنها لم تسمعني. عندئذ أدْرَكْتُ أنها ماتت.
نور سواركه تصوير: خالد ال- عزايزه

     
أخذ سالم بالبكاء. بعد ذلك وجدتُ أبي. كان ينزف وطلب مني أن أستدعي سيارة إسعاف، ركضت إلى المخزن المُقابل لبيتنا، وطلبتُ من صاحب الخزن أن يطلب سيارة إسعاف. اتصل هاتفيا، ثُمّ عدتُ إلى البيت، إلى بيتنا المدمّر. مرّ الوقت ولم تصل سيّارة الإسعاف. لم يأتٍ أحدٌ لإنقاذنا خفتُ كثيرا. طوال الوقت كنّا نسمع أصوات الطائرات فوقَنا. خفت من الطائرات وخفت من أنهم سيقصفوننا مرّة أخرى.
    
 بعد ذلك وصلت سيارة الإسعاف كي تنقلنا إلى المستشفى، بدأ الناس يتجمّعون بالقرب من ركام بيتنا. سيارة الإسعاف الأولى أخذتني، وأخذت وسام، وزوجة عمّي، وأبناءها. كانت في سيارة الإسعاف جُثّة لم أتمكن من معرفتها. وفي سيارة الإسعاف الثانية كان أخي وأخواتي. عندما وصلنا إلى مستشفى شهداء الأقصى استلقينا على الأسرّة وقاموا بفحصنا جميعا. أنا لم أُجْرَح لله الحمد. أُصيب سالم بجرح خطير بفخذه فبقَيْت بجانبه.

 التقيت بأختي لُما في المستشفى فهدأتُ قليلا. بقيت في المستشفى حتى الصباح وبعد ذلك سافرت لبيت جدّتي، أمّ والدي. بقي في المستشفى أخواتي ريم ونرمين وأخي سالم. فقط عندما رجعت عرفتُ مَن قُتِل: والدتي وأخواي وعمّي وعمّتي وثلاثة أبناء عمومتي. قالوا لي أن والدي أُصيب بجروح خطيرة جدّا ونُقِل إلى مستشفى الشفاء. عندما سمعت كلّ هذه الأخبار قفزت من الصدمة. لم ابكِ ولم أصرخ، ولم أعد أشْعُرُ بشيء
    
منذ قام الجيش الإسرائيلي بقصف بيتنا لم أبكِ؛ حتى عندما ودّعت القتلى قبل التشييع. فقط نظرتُ إليهم وشعرت بحزن عميق. لم أصدّق ما جرى لنا. كلّ مَن جاء يعزيني واحتضنني وقبّلني بكى أنا الوحيدة التي لم تبك.
   
 مكث والدي في المستشفى أسبوعا تقريبا. عندما سمعت انه مات ارتجف جسمي. دخلتُ لحالة مُخيفة من الرُعْب. وعندما رأيث جثته لأودِّعَها هربتُ. لم أقوَ على رؤيته. مرّت ثلاثة أسابيع منذ اسْتُشْهِدوا، مشتاقة جدّاً لهم، خاصّة لأخي مُعاذ، كنا قريبين من بعضٍ كثيرا.
لم يأتِ أحدٌ لإنقاذنا. خفتُ كثيرا. سمعنا الطائرات فوقَنا، خفتُ منها وخفتُ من أن يقصفوننا مرّة أخرى نور سواركه إبنة أل 11
  
 دائما أعود إلى المكان الذي كان يقوم عليه بيتنا. أتذكّر إخوتي، أمّي، أبي. أتذكر كيف كنت أجلس مع أبناء عمومتي، كنتا نلعبُ معا وكيف كانت كلّ العائلة تجلس حول مائدة الطعام معا. أتذكّر كيف كانت أمي تهتم بأن نحضّر أنا وخوتي واجباتنا المدرسيّة. تذكرت أخي، وسيم: عندما كنّا نلعب كان دائما هو الفائز وكان يطلب أن أقوم بكل ما يطلبه مِنّي، ’أعطني هذا وأعطني ذاكَ‘.

    
"عدت إلى المدرسة قبل أسبوع تقريبا. أخذت الكتب، والحقبيبة والملابس. كلّ شيء جديد، كلّ ما كان لديّ دُفِن تحت ركام البيت. لا استطيع التركيز في الدراسة. أفكّر كلّ الوقت بعائلتي وبالمصيبة التي حلّت بنا. الآن أعيش بخوف كلّ الوقت، خاصة في الليالي. عندما أسمع أصوات الطائرات أرتعب، لماذا قصفونا؟ ماذا عملنا لهم، أخذوا منّي كلّ ما كان جميلا في حياتي. تحوّلنا إلى يتامى".

أطلبوا سيارة إسعاف

    
سلميه سواركه جدّة نور، أرملة عمرها 76 سنة وأمّ لستة أبناء. فقدتْ في القصف اثنين من أبنائها واثنين من أحفادها. استمع إليها، خالد ال-عزايزه، محقق بتسيلم، ألأسبوع الماضي عمّا مرّ عليها: "استتيقظت حوالي الثانية عشرة والنصف من منتصف الليل بسبب عدّة انفجارات شديدة جرّاء القصف" ، هذا ما قالته. "خرجنا أنا، وابنتي وأحفادي وجلسنا في العريشة بجانب البيت لأننا خفنا من أن يقع السقف علينا. فجأة وصل ضياء ويوسف، أحفادي، مصابَيْن بعدّة جروح في جسميهما ويصرخان، قالا لنا، ’لقد قصفت الطائرات بيتنا ولم نجد أبانا ولا العمّة مريم. أُصيب العم محمد وقد يموت. أطلبوا سيارة إسعاف‘. عندما سمعت ما قالا شعرت بأنني سأفقد وعيي. لم أستوعب ما يجري حولَي. صرتُ أدقُّ أبواب الجيران وأصرخ: ’لقد فقدتُ أبنائي‘. أطلبوا سيارة إسعاف‘ .
    
 "خارت قوايَ، لم أعُدْ استطع المشي. بقيت عند الجيران. حاولوا تهدئتي ولم يقولوا لي مَنْ قُتِل. خرجت معهم حوالي السادسة صباحا إلى المستشفى في دير البلح، لكنهم لم يسمحوا لي بالنزول من السيّارة. بعد ذلك قالوا لي إنهم نقلوا ابني محمد إلى مستشفى الشفاء، لم يقولوا لي عن عدد الشُهداء، ومع أنهم لم يسمحوا لي بالنزول من السيارة عرفت أن ابني رسمي قد استُشْهد.
     
على الفَوْر رأيت أنّ مُهنّد، ابن زوجي، وقد ربّيته منذ كان عمره اسبوعا، غير موجود. وجدته في حُفرة مغطًى بالرمل. بان منه رأسُه، أخذتُ بتنظيف رأسه من الرمل. لم يتنفّس وكان واضحا نه ميّتٌ وسام أبن أل-33
   
"عدْتُ إلى البيت. حوالي العاشرة والنصف صباحا بدأ الناس يأتون إلى بيتنا، ومعهم وصلت جُثث الشهداء الثمانية: رسمي، مريم، مُهنّد، فِراس، سالم، يُسْرى، مُعاذ ووسيم، عندما رأيت ذلك فقدتُ وعيي. استيقظت في المستشفى. حيث زوّدوني بالأكسجين وبحقنة تهدئة وبعد ذلك عُدْت إلى البيت.
    
تركتُ بيت رسمي، ودّعت زوجته وأبناءه، وزوجة محمد وأبنيها وسيم ومعاذ. أصيب ابني محمد إصابة خطيرة، توقّعت أن يصمد ويشفى، لكن يوم الجمعة، 22 نوفمبر/تشرين الثاني توفي شهيدا. فقدتُ وعيي ثانية، ودخلتُ المستشفى ثانية، لا زلتُ لا أستطيع الكلام كثيرا. عندما أتذكّر ما حدث أنهارُ".

مَن كان يسكن في الكوخ التنكي


 فقدتْ وسام سواركه، ابنة ال-33، زوجها ،رسمي، في القصف. سكنوا في بيتهم الذي قُصِف مع أربعة أبنائهم ومع زوجة زوجها الثانية وولدَيْها. وقُتلت أيضا زوجة رسمي الثانية وولدَيْها. كان بيتهم بسيطا سقفه من التنك وبعض جدرانه من النايلون. إدعى جيش الدفاع الإسرائيلي أن هذا الكوخ التنكي، "منشأة تدريب" للجهاد الإسلامي.
  
بعد منتصف الليل بنصف ساعة، ايضا سمَعَتْ وسام انفجارا مدوِّيا وشعرت أن البيت ينهار عليها وعلى الأبناء. بدأت بالصراخ ومناداة أبنائها وزوجها. لم تر شيئا في الظلمة. "فتشتُ عن أبنائي وفي النهاية وجدتهُم جميعا خارج البيت"، هذا ما روته ل- ألعزايزه، " أُصيب ضياء وفهد بشظايا. كما أنني أُصِبتُ برأسي وبأرجلي ببعض الشظايا. رأيت أن مُهنّد غير موجود، أبن زوجي، ربّيتُه مذ كان عمره أسبوعا، غير موجود. أخذتُ اسأل أين هو وأفتّش عنه. وجدْتُه في حفرة مُغطى بالرمل. شاهدوا رأسَه فقط. بدأت بتنظيف رأسه من الرمل، لم يتنفّس وكان واضحا أنه توفى. بعد ذلك ذهبت إلى بيت سِلْفي محمد ، وجدته هناك مع زوجته، مُلْقَيان على الأرض. سِلْقَتي كانت تحتضر، تقاوم لتعيش. كان سِلْفي محمد مصابا بكل جسمه، كانت ابنتهم نور تقف بجانبهم وتبكي.
   
فجأة تذكرتُ طفلتي الرضيعة، فرح، ابنة الشَهْرَيْن. بدأت أفتّش عنها في كلّ مكان – بين الركام، بين أكوام الحجارة، لم أجدْها. لم أتمكّن من رؤية شيء في الظلام. حاولت أن أبحث عن زوجي وعن زوجته لكنني لم أتمكّن بسبب أكوام الرمال والحجارة. بعثت ابني ضياء ابن العاشرة إلى بيت جدّته، كي يخبرهم بما جرى وكي يطلبوا سيارات إسعاف. بعد ذلك وصلت سيارات الإسعاف وأخذت بنقل الجرحى والشهداء.
   
منذ القصف تستيقظ بناتي في الليل مذعورات وتبدأن بالصراخ. خاصة أصغرهن. تذهبن إلى أكوام الدمار وترجعن حزينات. انقلبت حياتي إلى مأساة كبيرة. 

أعيش في صدمة ورُعْبٍ وسام ابنة ال33

     
"قلتُ للمسْعِفين إنني لم أتمكّن من إيجاد طفلتي الرضيعة. وجدوها تحت الرمال. كنت متأكّدة أنها ميّتة لكنني رأيتها في المستشفى وكنتُ سعيدة حين اكتشفت أنها لم تمُتْ. بقيت ساعتَيْن في المستشفى مع الأولاد. أغْلَقوا لنا الجروح وأطلقوا سراحنا إلى البيت.
     
"سافرنا إلى بيت والدة زوجي وحينها علمتُ أن زوجي، وزجته وثلاثة أبنائه قُتِلوا جميعا، وسِلْفَتي يُسْرى وولَدَيْها قتلوا، وزوجها في حالة حَرِجَة. بدأت بالصراخ. صرختُ على الجميع. صرخت بسبب ما جرى لنا. لماذا أصلا قصفونا؟ ما هو ذَنْبُ الأولاد، لأي ذنْب قُتِلوا؟
   
" كان أصعب موقف عندما أحضروا الشهداء للبيت لنودّعهم. نظرت إلى مُهنّد، ابن زوجي، فبكيت. ودّعتُ زوجي، زوجته وأبناءَهم. بلحظة فقدناهم وفقدنا البيت الذي كنّا نسكنه جميعا. منذ القصف وبناتي تستيقظن في الليل مذعورات وتبدأن بالصراخ. خاصة البنت الصُغْرى. تذهبن إلى أكوام الدمار وترجعن حزينات. فقدوا والِدَهنّ وإخْوَتَهن. انقلبت حياتي إلى مأساة كبيرة. 

أعيش في صدمة ورُعْبٍ.


جارُنا، طالب مسمح، 46 سنة، كان من الأوائل الذين وصلوا إلى مكان القصف، وفَوْر وصوله بدأ ينبش بالرُكام مع بعض الجيران، بحثا عن الجرحى والجُثث. قال ل- العزايزه إنه أُصيب بصدمة عندما رأى أنه لم يَعُد وجود لبيت رسمي ومحمد. "وجدنا أبناء محمد، وسيم ومُعاذ، قد قُتِلا ودُفنا في الرمل، هذا ما قاله. "وجدنا زوجة محمد، يُسرى. رسمي، كان مَلْقيّا على بُعْد أمتارشمال بيته. أصيب برأسه فقُتِل. وجدنا مريم ، زوجة رسمي، وولديهما فِراس وسالم، ومُهنّد ابن رسمي. جميعهم مدفونين بالرمال، قتلى. وجدن محمد أيضا، أخُ رسمي، بالقُرْب من زوجته وأبنائه الصغار. كان مصابا بجرح خطير برأسه، ومُغطًّى بالتراب وفاقدا لوعيه.
   
"وجدنا أبناء رسمي، فَهْد، فَوْزي، ورسميّه مًرْميين على الأرض على بُعْد 50 مترا عن بيتهم. بعضهم كان يصرخ. وجدنا نرمين، لُما، سالم وريم، أبناء محمد غربي بيته، كانوا مُغطّيين جُزْئيّا بالتراب. انتشلناهم أحياء. لم ننجح في إيجاد إثنَيْن من أبناء رسمي ومريم: فِراس وسالم. واصلنا البحث عنهما حتى وجدناهما، في السابعة صباحا، مدفونين تحت الرمال شمال البيت، بدون حياة. كانوا الأخيرين".