كنوز نت -  بقلم الكاتبة أسماء الياس


عندما تبحث عن مكان يلائم قدراتك


كان يبحث عن طريقة حتى تكون بداية لحديث طويل... قد يستغرق ساعة... أو ساعتين... أو ربما أكثر... كان ينظر نحوي ويتأملني... بتلك اللحظة اتجه حيث كنت جالسة... أمسك يدي وقال لي انت أكثر الناس تفهماً... أخبريني ماذا أفعل... وقد وضعت بمأزق لا يحسد عليه... قلت له ما المشكلة... كانت عيونه ذابلة... كأن الحياة قد تجاوزته... قال لي لقد تعبت من هذه الأحداث التي تمر بها البلاد... قلت لكن ألم تتعود عليها... ونحن من سنين طوال ونحن بهذا الوضع الذي لا يحسد عليه... قال نعم معك حق... لكن ألم يئن الأوان حتى يعم السلام... هو معك حق.. لكن ماذا نفعل؟ غير أن نجلس وننتظر حلاً... ربما يأتي قريباً لا تخاف...

أقول لك شيئاً لقد قررت الهجرة... إلى أين؟... لا أعلم سوف أدرس الامكانية... وابحث عن مكان يلائمني... ويلائم دراستي وعلمي... هل أنت متأكد بما عزمت عليه... نعم مليون بالمئة... أيام وأنا أفكر بذلك الشيء... ليالي طوال لم أذق بها طعم النوم... لقد تعبت ولم أعد قادراً على العيش وسط كل تلك الأحداث المتلاحقة... يوم يقتل شاب مازال في بداية عمرهِ... ويوم تقتل شابة لأنهم يعتقدون بأنها لوثت شرف العائلة... شعب همجي متخلف لا يفقه قيمة الحياة... أصبحت أكره كوني عربي... على فكرة لو استطعت لكنت غيرت قوميتي... لا أريد بعد أن أنتمي لهذا الشعب الجاهل الغبي... لقد تعبت يا سعاد... لم يعد لدي قوة على تحمل كل ما يحدث حولي...

لقد تحدثت مع صديق لي سافر إلى اليابان ببعثة حتى يكمل دراسته هناك... سألته إذا كان يستطيع أن يساعدني حتى حجز لي مكاناً معه... قال ياسر سوف أحاول... لكن علي ارسال له كل الشهادات التي بحوزتي... حتى يستطيع مساعدتي بإيجاد عمل بإحدى المؤسسات الكثيرة... هناك يعتمدون على الخبرة... وأنت تعلمين لقد عملت بمجال الحوسبة والأجهزة المتطورة سنوات طوال... ولدي مخزون كبير من الخبرة...  

أرسلت له عبر البريد الإلكتروني كل ما يلزم من أرواق وشهادات الخبرة التي بحوزتي... قمت بترجمتها للإنجليزية... وها أنا أنتظر الجواب...


كان فريد يتحدث معي لكن كانت عيونه شاردة... كأنه يبحث من خلالي عن ذلك الضوء الذي يكون بنهاية النفق... كنت بالنسبة له هذا الشيء... تلك الثقة التي بنيت بيننا خلال تلك السنوات التي تعارفنا بها... وأصبحت صداقتنا قوية متينة... لم أتصور يوم من الأيام أن يترك هكذا بكل بساطة ويذهب... أين لمكان بعيد... لا أعرف كم من الزمن سوف يبقى هناك...

مر أسبوع على هذا الحديث... حتى جاء اليوم الموعود... اتصل فريد وقال لي لقد حجزت تذكرة وقد تقرر سفري... نزل علي هذا الخبر مثل الصاعقة... مع أني كنت متوقعة أن يسافر... لكن كان لدي أمل حتى لو كان بسيط أن يلغي تلك الفكرة من أساسها... لكن الظاهر كان مصمم على أن يحدث تغيير بحياته... قال لي يوماً ما... إذا لم أجد منفذ من خلاله أخرج من هذه القوقعة سأنتحر بلا شك... كنت خائفة ان ينفد فعلته... لكن أحمد الله لأنه وجد بالنهاية مبتغاه... مع أني حزينة لفراقه... لكن الشيء الذي يجعلني أواسي نفسي بأنه سيكون بخير...
سافر فريد لكن علاقاتنا لم تنقطع... بقينا على تواصل... عندما استقر به المكان... اتصل وقال لي هل توافقين على المجيء... هنا الحياة جميلة وهادئة... لكن بأي صفة قلت باستغراب... قال سوف نتزوج ونعيش هنا... الم تلاحظي مدى عشقي لك... نعم لاحظت... لكن لم أجرؤ على مفاتحتك بالموضوع... باعتبار كنت غير مستقر نفسياً ولا مادياً... والأهم نفسياً... نعم أصدقك القول... ماذا تقولين... سوف أفكر ومن ثم يجب أن أخبر الأهل... نعم معك حق...

وافق الأهل بعد حديث طويل استنفدت به كل الوسائل لإقناعهم... وأخيرا وافقوا... سافرت وقلبي ينبض باسم حبيبي... تزوجنا... وعشنا هناك...

بعد عشرين عاماً عدنا بزيارة... وكان الوضع ما زال على حاله... القتل العنف مازال على حاله... نظر نحوي فريد وقال ألم أقل لك لن نتغير... نحن شعوب تحافظ على فولكلورها.... ضحكت وكان ابننا وابنتنا قد أصبحوا بجيل يقرروا مستقبلهم.... وكان أن ساروا على نهج الأب وعملوا بنفس العمل... تطورت الصناعة في اليابان... وكان الفضل لعقول أحبت التغيير... وكان فريد إحدى تلك العقول....