كنوز نت -  جدعون ليفي و أليكس ليبك | هآرتس، 3.5.2019 ترجمة: أمين خير الدين



ترغبُ في وداع أخيك الذي يحتَضِر؟ إدفع بَدَل الحراسة


4,900 شيكل، بما فيها القيمة المضافة. هذه هو المبلغ المطلوب من عائلة فلسطينيّة أُطْلِقَت النار على ابنها بعد محولته طعن شرطيّ، كبَدَل عن حراسة لزيارة أخيه له في المستشفى، وقبل أن يُجمِع المبلغ توفى الابن


صورة عمر يونس في مدرسة قريته، هذا الأسبوع، حسب ادِّعاء الشرطة، أشهرَ سكينا وحاول فتح باب سيَارة الشرطة بقصد طعن شُرْطيّ تصوير: أليكس ليبك

كان ذلك يوم الخميس الماضي، المساء السابع من عيد الفصح. عمر يونس يحتضر في مستشفى بلينسون، أخوه البكر، عبد الكريم، توسّل ليُسْمح له بزيارته لوداعه الوداع الأخير. أمه لم يكُن بمقدورها ألحضور والأب مات قبل سنتيْن، في البداية، توجه الأخ إلى مديرية التنسيق والارتباط بطلب ليُسْمح له بالحصول على تصريح ولم يتلق جوابا، قدّمت جمعية أطباء لحقوق الإنسان التماسا مُسْتعْجلا لمحكمة الشئون الإداريّة في أورشليم ضدّ جيش الدفاع الإسرائيلي وضدّ جهاز المخابرات (الشاباك) باسم الفتى المحْتَضِر وباسم أخيه، يطالبون بمنح الأخ تصريحا ليزور أخاه الجريح وهو على فراش المرض.
     
 كان يونس يرقد فاقدا وعيّه ويتلقّى تنفّسا اصطناعيّا في وِحْدّة العناية المُكثّفة في قسم الجراحة، بعد أن أطلق النار عليه شرطيّ من حرس الحدود قبل ذلك بأيام قليلة. أعلنت الشرطة أنه حاول طعن أحد جنود الشرطة يوم السبت السابق، أوّل أيام عيد الفصح. وفي آخر أيّام عيد الفصح احتضر، كانت عائلته في بيتها في قرية سنيريا. اقلّ من ساعة سفر تفصل المستشفى في بيتح تكفا عن بيت العائلة في غربي الضفة الغربيّة، وجبال من الظلام وعدم الرحمة.
    
عند النظر في الالتماس اقترحت النيابة اقتراحا لا يُصدّق: ان تتكفّل العائلة بنفسها بتمويل حراسة الأخ الزائر لأخيه الذي ينازع سكرات الموت، كشرط للحصول على التصريح بالزيارة. كان حينئذ مساء العيد، ومُعْظم شركات الحراسة لم ترد، فقط شركة حراسة واحدة وافقت أن تقوم بالحراسة على دخول الأخ إلى إسرائيل مقابل 4,900 شيكل، بما في ذلك ضريبة القيمة المُضافة، والدفع مُسْبَقا. لم تستطع العائلة جمع المبلغ، والوقت ضيّق. يونس "جريح بحالة خَطِرة يعاني من من عدّة جروح من إطلاق النار في الصدر، وفي البطن وفي الحَوْض، خضع لأربع عمليّات جراحية ويعاني من هبوط خطير في عدة أجهزة". وقد وُضِّح ذلك في ما كتبته الطبيبة ياعيلل بفرمان من قسم الجراحة ب في المستشفى، وعُرض ذلك في المحكمة، قد تتعرّض حياته للخطر في كلّ لحظة.
   
 هذا ما قررته القاضية حايا زندبيرغ، في محكمة الشئون الإداريّة في أور شليم: "في هذه الظروف، حيث لا تتوفّر أمامي بيّنات عن حدوث خَلَل في موقف الدولة وبما أن موقف الدولة ظاهريا يتلائم ويتوازن بين المصالح المتضاربة، حيث أنه لم يثبت لي في البيّنات انه لا يمكن الإيفاء بالشرط الذي قدّمته الدولة وبما أنه لم تُطرَح خلال النقاش بدائل يمكن أن تُبْحّثّ خلال النقاش، لم أجد داعيا لأن أتدخّل في موقف الدولة لآمر بإعطاء الدعم المؤقّت المطلوب". لم يحدث خَلَل في موقف الدولة، موقف الدولة على ما يبدو عقلانيّا ومتناسبا، بين المصالح المتضاربة، لم أجد داعيا؛ ثمّة قاضية في أورشليم.
عبد الكريم يونس تصوير: أليكس ليبك
     
بعد 48 ساعة توفى يونس، بدون أن يُسْمّح لأحد من أ أن يراه أو يودّعه الوداع الأخير. وليس هذا فقط: ترفض الدولة أيضا تسليم الجثّة للعائلة. في البيت في قرية سنيريا يبكون الآن، بدون دفن، وبدون أن يتمكّنوا من وداع ابنهم الغالي الوداع الأخير.
  

الأمّ حبيسة غرفتها

  
 كان من المفروض أن يكون في الأسبوع القادم ابن 20 سنة، طالب جامعي يدرس موضوع الهندسة الكهربائيّة، في السنة الأولى، في معهد حجاوي في نابلس. من شُرفة بيت عائلته في القرية، وقد جئنا إليه برفقة المحقّق عبد الكريم السعدي من منظمة بتسيلم، يمكن رؤية المستوطنات الكانا، شعاري تكفا، وعيتس إفرايم، ومن خلف هذه المستوطنات مدينة كفرقاسم وتل أبيب بخطٍّ أفقي. سنيريا قرية هادئة نسبيّا، مُعْظم أبنائها يعملون في إسرائيل. خمسة أخوة وأختان في عائلة يونس، توفى الأب قبل سنتَيْن عن عمر 53 سنة من مرض في الرئتَيْن والأم منطوية وحبيسة غرفتها. مع الأخوة الكبار تصاريح للعمل في المستوطنات وفي إسرائيل. الابن البكر، عبد الكريم، 26 سنة، يعمل في مستوطنة بركان. اىى أخاه عمر لآخر مرة يوم الجمعة، 19 أبريل/نيسان، ليلة عيد الفصح لليهود.

     
اعتاد عمر أن يعمل أيّام الجمعة بلّاطا في القرية المجاورة صرطة. وباقي أيّام الأسبوع في الدراسة في نابلس. قبل ذهابهما للنوم قال عمر لأخيه أن يسافر في اليوم التالي إلى نابلس ليبحث لنفسه عن شقّة جديدة. في بداية الفصل الدراسي الثاني، وبعدها لن يلتقَوا.
    
خرج عمر من البيت حوالي السابعة صباحا، على ما يبدو في طريقه إلى نابلس. كتب في الساعة ال -8:11 على صفحة الفيسبوك الخاصّة به: "هكذا هو النضال، إمّا أن تنتصر أو تستشهد". عند مُفْتَرَق تفواح أطلق عليه جنود حرس الحدود عدة رصاصات، أصابته في نصف جسمه الأعلى. أعلنت الشرطة أنه أثار الشكوك عندما اقترب من موقع حرس الحدود، طارده بعض رجال الشرطة وقطعت طريقة سيارة شرطة. حسب ادِّعاء الشرطة أنه أشهر سكينا وحاول فتح باب سيارة الشرطة بقصد طعن شرطيّ. أكثر من ذلك لا نعرف شيئا. كان ذلك مساء العيد وكانت الحركة في المُفْترَق خفيفة. وقد سُجِل 272 ردّ و- 708 تأييد. كتعقيبات على رسالته الأخيرة. ماذا جال في ذهنه وماذا عمل ؟ على ما يبدو أننا لن نعرف أبدا.
  
 حوالي الساعة ال- 11 تلقّى عبد الكريم مكالمة من عمّه: أُطْلِقت النار على عمر عند مفترق تفوّاح، أسرع عبد الكريم إلى المكان، لكن بينما كان في طريقه إلى هناك تلقى مكالمة من مديرية التنسيق والارتباط الفلسطينيّة أن عمر قد قُتِل وأُخِذَت جثّته إلى إسرائيل. عاد إلى بيته في القرية، حيث كانت الجمهَرَة كبيرة، وسرعان ما تلقى مكالمة من عميل المخابرات (الشاباك) وقد أمره أن يأتي في الحال لمعْبَر إلياهو، حاجزالدخول إلى إسرائيل بالقرب من قلقيلية، للتحقيق.
     
طلب محقق المخابرات معلومات عن عمر، عن حياته وعن نشاطه. وقال لعبد الكريم إنّ أخاه عمر مُعتَقَل وجريح ببطنه. سال الأخ لماذا أطلقوا النار على بطنه، طالما لم يعتد على أحدٍ. "إننا نحقق في ذلك"، حسب قوله هذا ما قاله المحقّق. وسأله المُحقِّق إن كان عمر مرتبطا بأحد التنظيمات، ومَن هم اصدقاؤه وهل ثمّة مشاكل في البيت. ردّ عبد الكريم أن عمرا لم يكن أبدا عضوا في أيّ تنظيم ولم يُعْتقَل أحد من أبناء العائلة أبدا. وأخيرا قال عبد الكريم لرجل المخابرات أن العائلة تريد أن ترى عمر. وجهه المُحقّق إلى مديرية التنسيق والارتباط، كي يطلبوا تصريحا.
    
حاولوا خلال الأيام الأربعة التالية، بدون جدوى، الحصول على تصريح لزيارته في بيلنسون وللإسفسار عن حالة ابنهم، بدون جدوى أيضا. ليس هناك أيّ جهاز منظّم لإبلاغ العائلات الفلسطينيّة في حالات مشابهة ولذلك تبقى العائلات الفلسطينيّة عادة في حالة ضياع، لا يردون عليهم في المستشفيات، بحجة أنه من غير الواضح مّن هو المُتّصل. وفي نفس الأسبوع كان في المستشفى فلسطيني آخر مُنِعَت عائلته من زيارته، ولم تستطع الحصول على أيّة معلومات عن حالته. قال محقق جمعيّة أطباء لحقوق الإنسان، ناجي عبّاس، لجريدة "هآرتس" أن المُعْتَقَل، مرعي حسين كبها، من منطقة جنين. يرقد في مستشفى هليل يافه وليس لدى عائلته أيّة وسيلة لمعرفة حالته.

واجب الحرس المسلحين

    
وأيضا في حالة عمر يونس تطوّعت جمعية أطباء لحقوق الإنسان لمساعدة العائلة لزيارته بواسطة التماس خاصٍّ بالموضوع قُدِّم للمحكمة. عندما وصل ردّ الدولة، وينصّ على أنها ستسمح بدخول "الملتمس رقم 2"، وهو عبد الكريم، بمرافقة شركة حراسة – "وفقا للمادة 10 من قانون الأسلحة الناريّة"، بتمويل المُلْتمِس رقم 2" - حاولت عينات ليتفين، مديرة قسم المحبوسين التابع للجمعيّة، في مساء اليوم السابع من عيد فصح اليهود الحصول على شركة حراسة مستعدّة للقيام بمهمّة الحراسة، كان الوقت يلحّ ، والعدّ التنازليّ لحياة عمر قد بدأ منذ وقت. نُقِل إلى المستشفىى بحالة خطيرة ومنذ وصوله حاولوا جعل حالته تستقرّ. لكن عبثا.
    
توجهت ليتفين لحوالي عشر شركات حراسة، منها "فولكان عوتسما، يعوتس وبيطحون"، "أ. غيفن، بيتوح عسكي فييعوتس بيطحوني، G1" ו־"א.מ. 24".. لم تتلقَّ أيّ ردٍّ من مُعْظمهم. وقد أوضح لها أخصّائي أن تنظيم المرافقة يتطلب مصادقة مُسْبَقة من الشرطة التي تقرر "عدد االحرّاس" وفقا "لطبيعة الحَدَث". ومصادقة الشرطة تتطلّب توجها مُسْبَقا ولن تحصلَ عليه فورا. حراسة عبد الكريم -- ربما يُفجّر نفسه في المستشفى -- تُلزِم بحرّاس مسلّحين.

أخيرا وافقت شركة "א.מ. 24" أن تقوم بالحراسة، مُقابل مبلغ 4,900 شيكل، بما فيه ضريبة القيمة المُضافة، والدفع مُقدّما. سائق، سيارة، حارس مسلّح، من الحاجز حتى المستشفى وفي العودة. لم يكن لدى العائلة حلاّ آخر. لكنها لم تكن تمتلك المبلغ مسْبقا وفي السلطة الفلسطينيّة مبدئيّا لا يقبلون تمويل الحراسة التي تطلبها إسرائيل.
      
خلال أيام العيد تلقّيْت إشعارا من راحيل أفك بواسطة البريد الالكتروني، ناشطة يساريّة. "كُتِب الإشعار من خلال اليأس"، بدأته، "أمس طلبت مني منظمة تعايُش أن أذهب إلى بيلنسون لفحص حالة الفتى، حسب الأخبار قد حُيّد الفتى بواسطة جيش الدفاع الإسرائيلي. وجدته في غرفة الإنعاش بعد عمليّة جراحيّة". وقالت إن الطاقم الطبّي قد وجّهها إلى ضبّاط الأمن في المستشفى وأن أحدهم أوضح لها أن"الفتى مُعْتَقَل ولا يُمْكِن رؤيته. ,فقط يُمْكِن للعائلة أن تتلقى عنه معلومات إن جاءت إلى المستشفى. وعليهم التوجه غدا إلى مديرية التنسيق والارتباط للحصول على تصريح. إنهم مُلزَمون بإعطائهم تصريح دخول إلى المستشفى".
    
سرعان ما اتضح لها أن العائلة قد توجّهت إلى مديرية التنسيق والارتباط الفلسطينيّة، لكنها تلقّت ردّا سلبيّا بالنسبة للزيارة، على ما يبدو إنه مُعْتَقَل. "أعطيت داليا باسا (منسقة القضايا الإنسانيّة في الإدارة المدنيّة – ג"ל) بطاقات الأم والأخ فقالت إنها ستعالج الموضوع في الصباح" وكتبت أيضا. "حتى الآن لم تُجِب على سؤالي البسيط لمَ لا يسمحون لهم بالدخول. بعبارة أخرى ردّت في المساء بأنه مُعْتقَل وعلى ما يبدو لن يسمحوا لهم.
    
"ربّما تسألُ: ماذا تريدين مني. إنني أفكر في الموضوع ربّما كانت هذه هي الساعات الأخيرة من عمر الفتى.ربما لن يتمكّن من الصمود. هذه هي الفرصة الأخيرة للأمّ لترى ابنها. فكرتُ بأنه عن طريق الجريدة سيقرأ ون الوجع وربما سيقرأون عن القتل الإضافي. ربما كانت اليد على الزناد خفيفة مرة أخرى. وربما أنهم يدارون خجلهم". يقول الأخ عبد الكريم في بيت العائلة في سينيريا إن طلبهم بدفع بدَل حراسة لزيارة أخيه الذي يحتضر هو طلب بذيء". وهو مُقتَنِع أن رجال الشرطة أطلقوا ألنار على أخيه عبثا.
      
يوم السبت الماضي، في الساعة الخامسة والنصف عصرا، اتصل شخص وعرّف نفسه على أنه طبيب من بيلنسون وقال لعبد الكريم إنه يأسف وهو يبلغ العائلة بأن عمر قد توفى. وأعطاه رقم هاتف في القسم حيث يمكنهم الحصول على معلومات أكثر، لكن في هذا الرقم حوّلوهم إلى الأمن. بعد ذلك وصل إلى البيت خبر آخر بأن عمر لم يمت. لكن في الساعة السابعة والنصف مساء أبلغوهم رسميّا من مديرية التنسيق والارتباط الفلسطينيّة، أن عمر يونس قد توفى. يقول عبد الكريم إن كلّ ما يطلبونه الآن هو إعطاءهم الجُثّة، كي يقومون بدفنها.