كنوز نت - جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس،24.4.2019 ترجمة: أمين خيرالدين
عندما كان ينزف وعيناه مُغْمَضَتَيْن، حاول أسامه أن يهرب. فجاءته الرصاصة الثانية
أسامه حجاحجه، فتى راعٍ لم يُعْتَقل في السابق أبدا، يرقد في المستشفى في بيت جالا ورِجلاه مُضمّدتان على امتداد طولهما. صورته مُقيّدا وهو يحاول الهروب من جنود الكوماندو، تُعبّر أكثر من أيّ شيء آخر عن المستوى المنحط الذي وصل إليه جيش الدفاع الإسرائيلي. عندما يسمع أبوه كيف قام ابنه وحاول الهرب بعد أن أُصيب بطلق ناري، يصرّ: "إبني ليس بطلا، فقط أراد ابني أن يعيش"
في الغرفة رقم 3 في قسم الجراحة للرجال في الطابق الثاني من مستشفى الحسين في بيت جالا، يرقد فتى بابتسامته الخجولة الواهنة، نُطْقه ضعيف ويتألّم كلّما اقترب أحد من كلتا رجليه الجريحتَيْن المُضمّدَتَيْن على امتدادهما. أطلق جنود وحدة الكوماندو الرصاص الحيّ على هذا الفتي مرّتَيْن من مسدساتهم، في الوقت الذي كانت يداه مقيّدتين خلف ظهره وعيناه معصوبتين بالقماش. أطلقوا النار على الفتى المُقيّد والأعمى للحظات على الرغم من أنهم كانوا يستطيعون الإمساك به بسهولة، بدون إصابات. وقفوا بجانبه، عن قرب، كم كان يمكن أن تكون سرعة فتى مقيّدٍ ومعصوب العينين؟ لكنهم لا. لم يحاولوا الإمساك به. لماذا يفعلون ذلك. في الكوماندو كما في الكوماندو – أولا يطلقون النار، ثم يطلقون النار ثانية. وبعد ذلك يستفسرون.
صورة الفتى المقيّد، وهو يركع على الأرض مغطًى كالعجينة وبجانبه يقف جندي من وحدة الكوماندو الإسرائيليّة مصوِّبا سلاحه على الفتى؛ وبعد ذلك صورة للفتى الطويل وهو ينهض من مكانه فجأة ويحاول الهرب لينجو بنفسه، رغم يديه المقيّدتين وعينيه المعصبتَين، هي من الصور التي تعبّر عن هذا الزمن. ليس هنك مثيل لهما لنعت الانحطاط الذي وصله جيش الدفاع، بالإضافة إلى أن جنود صفوة فرقه لا يسيطرون على الزناد.
.jpg)
أسامه في المستشفى، هذا الأسبوع، يظهر علو وجهه جرح مُلْتَئِم، من لَكْمَة جندي تصوير: أليكس ليبك
هؤلاء ليسوا جنود نيتصح يهودا ولا جنود حرس الحدود. هؤلاء جنود وحدة الكوماندو، أوّه – مَن هم هؤلاء. هم أيضا يطلقون الرصاص الحيّ بدون تمييز، بدون تفكير، بدون أن يتركوا أثرا وبدون قيود، على كلّ مَن هو فلسطيني – فتى مقيّدا أو مخرّبا خطير. هكذا درّبوهم، على ما يبدو هذا هو فخْر وحدتهم. والدليل على ذلك أن أحدا منهم لم يُعْتَقَل بعد هذه الحادثة المُخْجِلة، ولم يُؤنب أحد أيضا.
حتى شريط الفيديو الذي صوره بعد ذلك بدقائق شاهد عيان فلسطيني، ووصل هذا الشريط إلى المحقق من منظمة "بتسيلم"، موسى أبو هشهش، من الصعب مشاهدته، الفتى، مُلقًى جريحا على الرض بعد أن أُطْلق الجنود النار عليه مرّتين، الدم ينزف من مُنْفَرَج رجليه ويتوسّع على أرض كَرْم الزيتون. مُسْعف مُقنّع من جيش الدفاع الإسرائيلي يحاول تضميد الجروح وإيقاف نزيف الدم السائل من رِجْلِه. امرأة فلسطينيّة تنحني نحو الفتى، والناس من حوله يصرخون بغضب، يطالبون بإخلائه.
ثمّة امرأة أخرى تحاول الاقتراب فيهددها أحد الجنود بمسدس. الجندي، وهو يبدوا كأنه فقد توازنه، هدّد بأنه سيطلق النار على رأس كل مَن يحاول الاقتراب، وأخذ يلوّح بمسدسه في كل الاتجاهات. المتواجدون هناك يريدون نقل المُصاب، الفوضى تعمّ المكان، استطاع بعض الأشخاص البالغين من اختراق حلقة الجنود، وسارعوا برفع الجريح بأيديهم، وعندئذ تحررَت يداه من القيد، وهم يحاولون نقله من المكان.
ارتبك الجنود ولم يعرفوا ماذا عليهم أن يعملوا الآن، وهم يحاولون طرد الذين ينقلون الجريح. حتى أنهم أطلقوا باتجاههم طلقة ناريّة لم تُصِب أحدا، على ما يبدو أنها غاز مُسيّل للدموع، لكنهم سرعان ما اقتنعوا ونُقِل الجريح من المكان. فأُنْقِذت حياته. كانت الإصابة في إحدى رجليه في الشريان الرئيسي وكان يُمكِن أن ينزف حتى الموت بسرعة كبيرة، هذا ما قاله لنا الأطباء في المستشفى، بعد مرور أيام معدودة.
كمنوا لمُلْقي الحجارة
هدأت المناطق بين جنوب جبل الخليل وبيت لحم، هذا الأسبوع أكثر من غيره، معسكرات اعتقالات. قرًى ومخيّمات حوصرت وأُغْلِقت عليها بوابات حديدية: عيد الفصح، وسائر أيّام العيد، يهرع المستوطنون بجموعهم نحو الحرم الإبراهيمي ومستوطنة حبرون. امتدّت طوابير السيارات، بالقرب من مخيم الفوار للاجئين، جنوبي الخليل، كان المنظر صعبا بشكل خاص: يقف جنود مُدججون بالسلاح بجانب بوابة المخيّم المُغلَقة - هم الآن سجانو المخيّم. تقف عشرات المركبات بجانب الشارع ومئات السكان يتوسلون كي يسمح لهم بالخروج من مخيّمهم. عيد الحريّة. ليس بعيدا من هناك توجد طريق ترابيّة يمكن بشكل ما الخروج بواسطتها من المخيم، لكن إذا أمكن التنكيل وإزعاج السكان– لمَ لا.
BE CALM,, ابقوا هادئين، تنبّه اللافتة المعلّقة عند مدخل مستشفى الحسين، عند الحدود بين بيت لحم وبيت جالا، يرقد أسامه حجاحجه بسريره، والده، علي محمد، لم يغادر السرير. ظلّت صينية الأكل لوجبة الغَداء مُغطّاة، كما قُدِّمَت، لم يمسّها حجاحجه

أسامه ووالده في المستشفى، يصرّ الأب أن ابنه ليس بطلا تصوير: اليكس ليبك
عمره 16 سنة، ابن القرية الفلسطينية تقوّع، تلميذ الصفّ العاشر في مدرسة القرية الثانويّة، يحلب قطيع الغنم الخاصّ بوالده كلّ صباح قبل ذهابه إلى المدرسة ويخرجه إلى المرعى عند عودته من المدرسة، هذا هو عالمُه. على خده الأيمن علامة جرح مُلْتَئِم: هذا ما خلّفتْه لَكْمَة جندي من جيش الدفاع الإسرائيلي، حين أراد أن يُبْعِد عنه إحدى النساء اللواتي حاولن علاجه لكنه أصاب حجاحجه الجريح.
كلّ هذا بدأ بحادث الطرق الذي قُتِلَت به المعلّمة فاطمة سليمان، مواطنة من نفس القرية. في الآونة الأخيرة أُغْلِقَت كل مداخل القرية بواسطة جيش الدفاع الإسرائيلي، بقي مدخل واحد يصبُّ بشكل خطير إلى الشارع الرئيسي. حيث قُتِلَت المعلّمة فاطمة، اشترك حجاحجه بتشييع جنازتها، كباقي سكان تقوع، الغاضبون بسبب خنق قريتهم بإغلاق كل الطرق الموصلة إليها، بعد الانتهاء من تشييع الجنازة خرج الشباب للتظاهر، من بين ما قاموا به إلقاء الحجارة على المركبات العسكريّة التي تواجدت في المكان.
فجأة شعر حجاحجه، الراعي الذي لم يُعْتَقَل في الماضي أبدا، أن أحدا يثبّته من الخلف ويرميه أرضا. اختبأ بين أشجار الزيتون كمين من جنود وحدة الكوماندو من جيش الدفاع الإسرائيلي التي كمنت لمُلْقي الحجارة. كانوا أربعة – ستة جنود بعد أن ألقَوه أرضا، قيّدوا يديه خلف ظهره بقيود، عصبوا عينيه، وجرّوه باتجاه سيارة الجيب الخاصّة بهم، بقي هناك راكعا على الأرض، وجندي يحرسه.
كانت الأرض مليئة بالأشواك، يقول حجاجنه وهو في سريره، لهذا حاول في لحظة ما أن يقوم من مكانه، لينفض عنه الأشواك. ويقول الآن خلافا لِما أُعْلِن، لَمْ ينوي ألهروب أنّما أراد أن يقف على رجليه فقط. "كيف أهرب؟ ويداي مربوطتان وعيناي معصوبتان؟" إنّه يتساءل.
في اللحظة التي قام بها، سُمِعَتْ طلقة ناريّة. يقول إنه لم يشعر بأن أحدا حاول الإمساك به قبل إطلاق النار. أصابته الرصاصة برجله اليُمْنى، حجاحجه الذي ارتعب لحدّ الموت، أخذ بالركض، لينجو بنفسه. يقول إنه لم يشعر حتى تلك اللحظة بألم في رجله، لكنه عرف أنهى أُصيب. كانت عيناه معصوبتَيْن. خطا خطوات قليلة فقط ثم جاءت الرصاصة الثانية، أصابته برجله اليُسْرى، وسببت له أذًى كبيرا. أصابتاه الرصاصتان في فخذيه، عند منفرج رجليه، بينما أصابت الثانية الأوعية الدموية الرئيسيّة، فوقع على الأرض.
لم يفقد وعيه، لكنه يُرى في شريط الفيديو مذهولا. كلّ ما يذكره أن امرأة من القرية استطاعت أن تصل إليه، وهي معلّمة أيضا، أزالت الغطاء عن عينيه، وهو مُلْقًى على الأرض جريح.
فقط نريد أن نحيا
أبوه، عامل بناء عمره 47 سنة، أب لسبعة أبناء أسامه الثالث بينهم. شخص طلق المُحيّا يدرك أن ابنه نجا بأعجوبة. ابنه يتذكر أنه كان مُلْقًى على الأرض والجنود يحاولون بالغاز المسيّل للدموع وبالتهديد بالبنادق طرد كل مَنْ يقترب محاولا نقله من هناك. نُقِل أخيرا بسيّارة خاصّة لأحد سكان القرية، نقلة إلى مُسْتَوْصَف القرية ومن هناك نُقِل بسيّارة إسعاف فلسطينيّة إلى مستشفى الحسين. لقد مضى حوالي نصف ساعة من لحظة إصابته وحتى نقله.
صرّح الناطق العسكري هذا الأسبوع لجريدة "هآرتس" أنه " في يوم الخميس طرأ إخلال عنيف بالنظام في قرية تقوع تخلّله إلقاء حجارة كثيف على قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي وعلى مركبات إسرائيليّة تسافر على هذا المحور، الأمر الذي هدّد حياة المواطنين والقوات العسكريّة. ردّت القوّات بوسائل تفريق المظاهرات واعتقلت أحد العناصر التي أخلّت بالنظام، وقد حاول الهرب بعد اعتقاله. أوقِف المُعْتَقَل في نقطة قريبة وبعد مضي قليل من الوقت حاول الهرب من القوّة العسكريّة. فقام الجنود بمطاردته وخلال المطاردة أطلقوا النار عى القسم الأسفل من جسمه، وقد قدّمت القوّة العسكريّة للفلسطيني الإسعاف الطبي الفوري. والحاث رهن التحقيق".

أسامه في المستشفى، يرعى الأغنام كلّ صباح، قبل ذهابه إلى المدرسة تصوير: أليكس ليبك
كانت التمزّقات في الأوعية الدموية خطيرة وكان يتحتم نقل أوعية دمويّة من رجله اليمنى وزرعها في رجله اليُسرى، ألأكثر إصابة. يقول طبيب القسم الجراحي، الدكتور سامر خليفه، إن حجاحجه وصل إلينا مع إصابتين جرّاء إطلاق النار، أحداهما برجله اليُسْرى والثانية برجله اليُمْنى، مع مداخل للرصاص ومخارج في كلتَيْهما. كانت في رجله اليُسْرى علامات غنغرينا.
يقول عنه أبوه إنه كان يُحبّ العمل في الأرض. وعندما نسأله إن كان تلميذا ناجحا، يتطلع الأب وابنه على بعضهما ويبتسمان ويجيبان بنعم. وعندما نسأله من أين جاءته الجرأة ليقوم من مكانه ويحاول الهرب، يتدخّل الأب ويقول: "أسامه ليس بطلا، نحن فقط نريد أن نعيش، لانسعى لأن نكون أبطالا، يكفينا فقط أن نحيا. لأنه خاف من الجنود، بدأ بالهروب".
27/04/2019 10:48 am 6,717
.jpg)
.jpg)