كنوز نت - جدعون ليفي | هآرتس، 28.3.2019 ترجمة: أمين خيرالدين


الإعلام اليساري، مناضل من أجل الحرب


       
إذا اندلعت لا سمَحَ الله حرب أُخرى في غزّة، سيكون ذلك لحدٍّ ما بسبب تحريض الإعلام اليساري. وإن مُنِعَت حرب، سيكون ذلك لحدٍّ ما بفضل تروّي اليميني الذي يكرهه إعلام اليسار، بنيامين نتنياهو. الإعلام، سواء كان يساريّا أو يمينيّا واحد تقريبا في جوقة الإعلام ، يُغذّي، يحرّض، متعطِّش للدم، يسعى للحرب، هَوس هذا الجهاز المتناوب، صحافة تدفع إلى الحرب ومع ذلك تُسمّى يساريّة، أصبحت نموذجا معياريّا. هذه هي صحافتنا المناضلة، تناضل من أجل الحرب.
    
  
الأولويّات كما يلي: أولا يخْفون منذ سنوات دوافع ومُبررات العنف الفلسطيني بطريقة مقصودة. يتستّرون على القهر وعلى الاحتلال. كل شيء إرهاب، جميعهم مخرّبون. بعد ذلك يضخِّمون مدى إصاباتهم. وأخيرا يطلبون الانتقام، كهذا لم يبتكر الشيطان. قذيفة بدائيّة تصيب بيتا في مستوطنة تأخذ مقاييس التنبوءات بأشياء مخيفة في المستقبل. عدد الجرحى. يكاد يكون إبادة شعب. العناوين: "الأعجوبة: أُصيب الكلب طوني بشظايا وأنقذ الجدّة سوزان" – تقليد ساخر للصحافة. كمٌّ كبير من القصص عن الجدّ، الجدّة، الأولاد والشظايا يملأ هذا الكمّ وسائل الإعلام. هذا شيء مثير ومعروف ومُحرِّض. ولتذهب كلّ المعايير والمهنيّة إلى حيث ألقت رحلها.
    

 يوجد في غزّة آلاف بدون بيوت بسبب الحرب السابقة، لم يكن أمام بيوتهم أرجوحة كما كان في مشْميرت، ولم يسمع عنهم أحدٌ. يَؤكّدون في مشميرت أنه لغاية يوم الاستقلال القادم سيُبْنى البيت ثانية، في غزة لا يوجد يوم استقلال وليس هناك مَنْ يرمّم الدمار. ولا كلمة تُقال عن الحصار، عن مرضى السرطان المتضوّرين جوعا، عن الجوع، البطالة، الرعب من القصف في بلاد بدون ملاجئ. الصحافة تتجاهل وتتلاعب. الجنود يضربون كفيفا في سريره ويقتلون سائقا في مركبته بلا سبب، تقريبا القتل يوميّا في الضفّة الغربيّة، ولا أحد يعلّق بكلمة. فقط دمار البيت في مشميرت. النتيجة التي لا رادّ لها هي: إسرائيل لا يمكنها السكوت.
      
مراسلة سياسيّة، كانت في الماضي مراسلة عسكريّة، تسأل باستخفاف رئيس الحكومة في واشنطن بالقرب من الطائرة : " كيف حتى الآن لم يعلنوا عن قتلى في غزّة؟". صحيح، بنيامين نتنياهو، كيف لم تَقْتُل حتى الآن؟ جميعهم مثل شمعون ريكليم (شمعون ريكليم إعلامي يميني – المترجم). في غالي تساهل قدّموا على الشاشة مواطنا غزّاويّا، ليروي بعض الشيء عن معاناة غزّة، إلى جانب مواطن من سديروت، وفي الحال علت الاحتجاجات في سائر شبكات التلفزيون: كيف تجرؤون على مقارنة مواطن غزاويٍّ مع مواطن من سديروت، حيوان مع إنسان. غالي تساهل المتجبّرة لن تعرض غزّاويين في البثّ. المعاناة موجودة فقط في سديروت. بشر فقط في محيط غزّة. أطفال فقط في مشميرت. وتصرخ العناوين: "إلى هنا" "ويجب "جباية الثمن". الوقت يُلحّ، يجب أن نَقْتُل، لا يكفي أن نهدم مئة بيت، يجب أن يكونوا الفا، مع دماء.
     
 الخبراء في الاستديوهات: ليضربوا، الردع، استعراض الكليشهات الواهية: "لا يمكن الانتقال إلى جدول الأعمال" – صحيح لماذا؟ "لا يمكن ضبط النفس أكثر" – لماذا لا؟ "ممنوع أن نسكت" – ربّما من الأفضل؟ ولا أحد يفكر بإزالة الحصار -- هذا هذيان. لتُقْصَف بلادا عاجزة – هذا منطقي. يتقاتل الجنرالات على مَن منهم الذي صفّى أحمد الجعبري، ولا أحد يسمي الأشياء بأسمائها: قتلَ. كل هذا في الإعلام اليساري، الإعلاميون الذين سيصوّت قسم كبير منهم إلى بيني غانتس وإلى ميرتس، لكن هذا أمر آخر لا أهميّة له. المهم هو، أن عليهم مسؤولية تقديم معلومات هادفة لإسرائيل لشطف الأدمغة، حوار بين يمين ويمين متطرَف، صحافة خائنة لرسالتها، مجنّدة جميعها لموضوع مصيريّ جدّا، بإرادتها.
    
الصورة المرسومة، وُلِد الفلسطينيون ليُقْتَلوا. إنّهم حيوانات آدميّة، نحن البشر. هم يفرضون الحرب على أكثر دولة مسالمة، حرب لا تريدها. لكن الحرب التى لا تنتهي هي حُلْمُنا الآنيّ. إذا كان نتنياهو لا يفهم ذلك – نحن، الإعلاميّون اليساريّون، سنشرح له، ربما ينتهي هذا في رفح وفي الدم. إذا لم يكن هذه المرّة، سيكون في المرّة القادمة. شكرا "يديعوت أحرونوت"، إلى اللقاء "يسرائيل هيوم"، وداعا أقنية التلفزيون والراديو، في السادسة بعد الحرب القادمة.