كنوز نت - جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس، 22.3.2019 ترجمة: أمين خيرالدين
العائلة التي كان ربّها وابنها ضحايا "نيتصح يهودا" لم تَفِق من الصدمة
تسكن عائلة الرعاة الفقيرة في خيمة، إحدى بناتها مشلولة دماغيّا وتعيش على المصطبة.التنكيل الذي تحمّله الأب وابنه من الجنود هو استمرار لما حدث في الخيمة، عندما جرى التحقيق مع الأب أمام ابنائه
.jpg)
من اليمين:إنجيد، خلود، والإبن ياسين في خيمة العائلة في قرية كوبر بالقرب من رام الله، هذا الأسبوع تصوير: اليكس ليبك
لم يتفوّه أحد بكلمة عن الضحايا.، وللوهلة الأولى يبدو أن جنود "نيتصح يهودا" الثلاثة الذين نكّلوا، وأدينوا بعقوبة سجن مُضْحِكة في إطار اتفاقيّة مرافعة مُهينة، أنهم هم الضحايا. للوهلة الأولى، بدا تنكيلهم بالأب وابنه المُقيّدين في سيّارة الجيب كما لُخِّصَت فقط وكما بدا في شريط الفيديو الذي سُمِح برؤيته: بعض ضربات على الرأس، بعض الكلمات النابية، وللوهلة الأولى يخيّل أن الأب، زياد شلالده، ابن أل- 44 سنة، وابنه محمود، ابن أل- 22 سنة، متهمين بالتعاون مع الإرهاب، وأنهما عضوان في خليّة مخرّبين خطيرة ومُحْكمة التنظيم. للحظة كان يمكن التفكير بكلّ ذلك، لغاية مجيئنا هذا الأسبوع إلى خيمة العائلة في قرية كوبر بالقرب من رام الله.
تنتصب خيمتهم عند طرف القرية، بعد آخر بيوتها، لم نر أفقر منها. خيمة كبيرة مع جهاز تلفزيون قديم مهزوز، وبجانب الخيمة الكبيرة خيمتان صغيرتان، أكثر فقرا منها تستعملان بالمشاركة للغنم ولأبناء العائلة – والدان و– 11 ابنا.
أصل العائلة من بلدة سعير بالقرب من الخليل. انتقلت إلى هنا مع أغنامها في منتصف سنوات ال-80. يعمل الأب في جمع النفايات في كوبر على تراكتوره القديم. ويملك قطيعا من 40 رأسا من الأغنام لإكمال دخله. يوم الإثنين من هذا الأسبوع نفقت غنمة كبيرة عند مدخل الخيمة التي يسكنها، سقط رأسها إلى الخلف، وتشنّج جسمها، ثَقُلَ تنفّسُها وصار منظرها لا يُحْتَمل.
اقتربت باقي الأغنام من التراكتور، يلعقْنَه، يائسات يفتِّشْن عن طعام، رُعاتها، ربُّ العائلة وابنه، في السجن. ضحايا التنكيل الذي قام به جنود "نيتصح يهودا" متّهمان بالتعاون مع المخرّب عصام برغوثي، المتّهم بقتل جنديين وجنين أُخْرِج من رحم أمّه التي جُرِحَتْ في عملية إطلاق النار في شهر ديسمبر/ كانون الأول الأخير في مستوطنة عوفرا وفي غبعات أساف. منذ اعتقال الأب وابنه، قبل أكثر من شهرَيْن، لا يوجد لهذه العائلة أي مصدر دخل.
.jpg)
خيمة العائلة في قرية كوبر بالقرب من رام الله، هذا الأسبوع تصوير: أليكس ليبك
البنت أنجود، ابنة 17 سنة، حافية تتدحرج على الأرض تلبس ملابس رثّة مُرقّعة. مُعاقة، تعاني من شلل دماغي. تعيش على مصطبة الخيمة وتنتقل من مكان لآخر بواسطة أيْديها. جسمها وملابسها قذرة جرّاء حياتها على المصطبة. مع أخواتها وأخيها الصغار، جميعهم كانوا شهود عيان على الضربات التي تلقاها أبوهم ليلة أل- 8 من يناير/كانون الثاني. لم يفِق أحد من الصدمة. ولم يدخل أي منهم إلى الخيمة التي حجزوهم بها منذ تللك الليلة، لا زالت الصدمة تلقي عليهم بظلال الخوف.
عمّهم، إياد شلالده، ابن 46، يسكن في خيمة أخرى، في نهاية البلدة القريبة بير زيت، وهو الذي جاء بنا إلى هنا، مع محقق منظمة بتسيلم، إياد حدّاد. كان في خيمة عائلة شلالده عندما وصلنا إليها هذا الأسبوع البنت الكبرى خلود فقط، ابنة أل- 19 سنة، وأخيها الأصغر ياسين ، ابن خمس سنوات، ومن خلف البريزنت أُخْفِيَت البنت المُعاقة أنجود، أما باقي الأبناء فإمّا كانوا في المدرسة أو خارج الخيمة.
الأمّ، خديجة، ابنة ال-39 سنة، وابنها محمد، ابن ال- 18 سنة، كانا في المحكمة في عوفر، على أمل أن يريا عزيزيهما في الجلسة التي عُيِّنت في ذلك اليوم. حين وصلا، متأخّرَيْن عن ميعاد المحكمة، أو أن هيئة المحكمة قدّمّت موعد الجلسة – على الحالتَين، لم يستطيعا رؤيتهما حتى لجزء من الثانية، وتقررت الجلسة التالية ليوم 15 يونيو/حزيران. حتى ذلك التاريخ لن يروهما ولن يعرفا عنهما شيئا. كان يدخل ويخرج من الخيمة أحيانا خرفان وقِطَط، كان جهاز التلفزيون الصغير يضجّ بإذاعة برامج "فلسطين اليوم".
مقنّعون
في الثالثة صباحا من 8 يناير/ك2، استيقظ أبناء العائلة مذعورين على رؤية أشخاص مقنّعين بملابس عسكريّة ومعهم كلب مُخيف، اقتحموا خيمتهم. وفيما بعد اتضح أن المقتحمين رجال شرطة، من (ימ"מ) وحدة رئيسيّة خاصّة. دخل الكلب أوّلا، وبعده رجال الشرطة. ظنّ ابناء العائلة أن لصوصا قد اقتحموا الخيمة. كان ابناء العائلة ينامون على فراش وضع كالعادة على أرض الخيمة الكبيرة، هجم الكلب الرهيب على حسين ابن السادسة، وكان لا يزال نائما، ووضع أظلافه على صدر الولد الصغير المفزوع. لم يوقفه رجال الشرطة، تملّك الخوف الوالدَيْن، وإخوته وأخواته.
.jpg)
خلود وأخيها يايسن من قرية كوبر بالقرب من رام الله هذا الأسبوع تصوير: أليكس ليبك
انتشر عشرات المقنّعين في الخيمة، كان شخص مدنيّ وضابط مكشوفي الوجهين. تروي خلود عن فوضى كبيرة ومُخيفة سادت في الخيمة المُظْلِمة. هي فتاة فصيحة درست حتى الصف التاسع، تروي تفاصيل تلك الليلة الرهيبة التي لن تنساها أبدا. الأولاد يصرخون ويبكون من الخوف، والوالدان يحاولان حمايتهم. قبض رجال الشرطة على الأب، زياد. تقول خلود إنهم لم يُمكِّنوه من ارتداء ملابسه فبقي في الملابس الداخليّة وجلبية النوم. دفعوه إلى زاوية الخيمة وأمروا الباقين بالانتقال إلى الخيمة القريبة، كان البرد في الخيمة الأخرى قارصا، لا يوجد فيها مدفأة بالفحم (وجاق – المترجم) كما في الخيمة المسكونة، مصطبتها مستنقع من مياه امطار، اضطروا إلى حمل نجود على أيديهم، لأن رجال الشرطة لم يوافقوا على بقائها في فراشها.
قيّدوا يديّ زياد خلف ظهره وبدأوا بالتحقيق معه. سمعت خلود صراخا. تقول إنها رأتهم يضربونه على وجهه وعلى جسمه، باللكمات والرفس. لم تتمكّن من سماع ما يسألونه. توسّل الأبناء الكبار ليسمحوا لهم بالدخول إلى الخيمة، ليدافعوا عن أبيهم. "توسّلوا من أجل أبينا"، تقول خلود، "كنا نرتجف من البرد ومن الخوف". استمروا في ضرب أبيها وبالتحقيق معه وعندما حاولتْ خلود الدخول إلى الخيمة، إلى أبيها، ضربها أحد رجال الشرطة بِقبضته على وجهها، وحسب أقوالها، بعد ذلك ضربها على كتفيها من الخلف فوقعت على مصطبة الخيمة. وتقول لقد استمر الألم بكتفيها ثلاثة أيّام. وتقول إنها سمعتهم ينعتون أباها ب"شيخ حماس"، لم يُعْتَقَل ابوها في الماضي أبدا، عدا 11 يوما في صباه.
لن تنسى خلود منظر الجنود وهم يفرّقون الطعام على بعضهم ويتناولونه أمام أعينهم. "كان هذا صعبا جدّا"، كما تقول. "الأولاد يصرخون، والأبُ يصرخ، الجميع يشعرون بالبرد، والخوف وهم يأكلون في الخيمة كأنها بيتهم، هذا أثار عندنا غضبا شديدا".
بعد أكثر من نصف ساعة من التحقيق والضرب، أخذوا الأب إلى الخارج ونقلوه إلى بناية قريبة لا أحد فيها. روى زياد لمحاميه إنهم استمرّوا بضربه في البناية القريبة لوقت طويل - ألْقوه على الأرض، قفزوا على جسمه، رفسوه وجلدوه في الحزام. حاول أن يمسك الحزام، دفاعا عن نفسه، لكن بلا جدوى. وحسب أقوال خلود، استمرّ هذا ساعة تقريبا، وأخيرا أخذوا الأب في سيارة جيب عسكرية وانصرفوا من هناك، وكان الصبح قد أشرق.
بعد وقت قصير عاد حوالي 20 شرطيّا إلى الخيمة المركزيّة، حيث عاد حاليّا ابناء العائلة مذهولين. سأل رجال الشرطة أين محمود وادّعوا أن الأب يريد أن ينظمّ إليه. قيدوا يديّ محمود، وربطوا عينيه وأخذوه إلى الخارج. وعندئذ دفعوهما إلى سيارة الجيب التي كان فيها جنود "نيتصح يهودا"، وهنا بدأت مسيرة التعذيب، وقد نُشِر عنها جزء صغير جدا في شريط الفيديو. كان التعذيب قاسيا، ممّا أدى إلى إدخالهما إلى المستشفى، وبعد ذلك اعتُقِلا ولا زالا حتى اليوم رهن الاعتقال.
قال بعد ذلك قائد كتيبة "نيتصح يهودا" ، المقدّم (סא"ל): "لم يكن يراودني الشك بأن السريّة المساندة كان عليها أن تقوم بعمليّات لإغلاق الدائرة مع المخرّب الذي قتل جنديَّيْن من السريّة، من أجل بَعْثِ شعور بالنجاح بين أوساط الجنود"، لم يفكّر أحد بإقالة هذا المقدّم بسبب أقواله غيرا لمعقولة، التفسير أن الجنود قد حُرِّضوا بقصد على تعذيب ضحاياهم العاجزين من أجل "خلق إحساس بالنجاح" لديهم. الأكثر أخلاقا، لا يمكن قول شيء.
حالتهم سيّئة
أكياس من الطحين وفراش في إحدى زوايا الخيمة. الغنمة في الخارج تلفظ أنفاسها الأخيرة. في الأيّام العشرين التي تلت تلك الليلة لم يسمعوا شيئا عن مصير أحبّائهم. بعد مرور 20 يوما التقى محام من قِبل "نادي ا لأسير الفلسطيني" مع محمود فقط - الأب زياد، كان لا يزال ممنوعا من الالتقاء مع محام - وقد اتّصل مع عائلته وقال لهم أن حالة محمود سيئة جدّا.
محمود لم يكن قادرا على الوقوف على رجليه: هذا ما قاله المحامي، ولم يكن قادرا على الإجابة على أيّ سؤال من أسئلة المحامي. كان وجهه متورّما من اللكَمَات التي تلقّاها، وشوهدت بُقَع زرقاء على جسمه. بعد ذلك بعِدّة أيّام قال الفتى للمحامي إن الجنود (من "نيتصح يهودا") أزالوا الغطاء عن عينيه وهو في سيّارة الجيب وقالوا له: سترى الآن ما سنفعله مع أبيكَ. وعندئذ بدأوا بضرب أبيه على رأسه، المرة بعد الأخرى، أمام ابنه المقيّد. وقد وردت تفاصيل التعذيب في الشكوى المُقَدمة ضدّ الجنود، الشكوى التي بلغلت - 300 صفحة.
رنّ التلفون المحمول والخاص بخلود: أمها، خديجة، على الخطّ من المحكمة. لم تنجح في رؤية زوجها وابنها. وتحاول الآن أن تدفع ثمن الطعام الذي تناولاه وهما في المعتقل. المحامي، مأمون الحشيم، روى أن زياد يعاني من نزيف داخلي في بطنه نتيجة الضرب الذي تلقّاه. هو مريض كلًى مُزْمِن وعانى أيضا من ألم في ظهره.
عقدت المحكمة جلسة في 15 شباط، ولأوّل مرة تمكنت خلود من رؤية أبيها وأخيها، كانت ممنوعة من أن تتكلّم معهما، حتى من الإشارات باليد، وإلاّ تُطْرَد من قاعة المحكمة. تقول خلود، "لا أعرف كيف أقول ذلك". "كان ذلك مُحْزِنا جدّا، أبي تحوّل فجأة إلى إنسان هَرِم جدا، ومتْعَب جدّا. وأيضا أخي". وقبل ذلك بأسبوع شاهدتهما أمّها لأوّل مرّة في المحكمة. وقالت لخلود أن حالتهما سيّئة جدا. كان وجه زياد لا يزال مُتورّما وأزرقا من الضرب وبدا محمود هزيلا جدّا. لم يتمكّن زياد من الوقوف على رجلّيه في قاعة المحكمة. في المرّة التالية التي رأَوْهما بها، كان وضعهما قد تحسّن. انتهى التحقيق معهما من قِبَل الشاباك في المسكوبيّة في القدس ونُقِلا إلىى سِجْن عوفر، حتى انتهاء محاكمتهما.
صرحت شرطة إسرائيل كردٍّ : "إنهما مُتهمان بمساعدة المُخرّب الذي نفّذ العمليّة في غبعات أساف واعتُقِلا بواسطة قوّة خاصّة (ימ"מ) بدون مقاومة وتبادل عنف. وبعد اعتقالهما حُوِّلا لقوات جيش الدفاع الإسرائيلي لمتابعة التحقيق. إن الادّعاء بأنهما ضُرِبا قبل أن يُحوَّلا إلى قوات جيش الدفاع الإسرائيلي، ادِّعاء غير مُسْنَد وبعد إجراء تحقيق بالموضوع من قبل الجهات المسؤولة عن ذلك تقرر أنه لم تكن مُبالغة في تصرّف جنود ال (ימ"מ).
تقول خلود إن أخاها مُتّهم بأنه التقى برغوثي الهارب في المرعى وبطلب منه، أخذه إلى الخيمة، وهناك خبّأه الأب. وتدّعي أنهم لم يعرفوا برغوثي وأنها ام تره في خيمتهم. وسمعت عن محاكمة الجنود الذين عذّبوا أباها وأخاها وعن الحكم الصادر عليهم، إن هذا لا يعنيها بشكل خاص. لكنها تسأل لماذا لم يُقدَّم المسؤولون للمُحاكمة. خلود مُقْتَنِعة بحقيقة أن الجنود قد حوّلوا اباه وأخاها لمُعاقَيْن، بدنيّا ونفسانيّا، وهذه الحقيقة هي عقاب شديد لهما وأن على جيش الدفاع الإسرائيلي أن يُطْلق سراحهما فورا.
لقد شاهدت شريط تعذيبهما. " كان مُرْعِبا. ليتني لم أره. أن ترى أباك يُعذّب بقسْوَة كهذه ولا حِيلة له. وأن أرى جنودا مع بنادق ثقيلة يضربون أبي وأخي على رأسيهما ولا يستطيعان الدفاع عن نفسيهما. هذا شيء فظيع". وقد شاهد الشريط أيضا ابناء العائلة فانهاروا. وقد صرخ عمر ابن الثالثة قائلا: "لماذا يضربون أبي؟" وبعد الذي رآه لا يستطيع النوم.
27/03/2019 04:04 pm 4,542
.jpg)
.jpg)