كنوز نت - سقط جندي شهيدا


سقط جندي شهيدا


جدعون ليفي | هآرتس، 21.3.2019 ترجمة: أمين خيرالدين 


سقط جنديّ شهيدا، وجه طفل مع نظارات، الماضي الموسيقيّ، المندولينا*، الولدان القادمان من الاتحاد السوفييتي، العضو في الكليّة الموسيقيّة التي عزفت لذكراه. جنديّ سقط شهيدا. كان يحرس على ساحة مستوطنين. طعنه بالسكّين فلسطيني بالضبط بنفس العمر فقتله، ثمّ خطف سلاحه. كان جنديا في "لواء النار"، سلاح المدفعيّة الذي تحوّل لحرّاس على ساحات المستوطنين، جندي سقط شهيدا في حراسة مناطق مُحْتلّة، ليس هناك دولة على سطح المعمورة تعترف باحتلاله، جندي سقط شهيدا في الدفاع عن مستوطنين، يعتقدون أنهم أسياد الأرض وأنهم يسكنون وسط البلاد، أريئيل، "سُرّة الدولة" كما قال رون نحمان، رئيس البلدية المرحوم. سقط جندي شهيدا، فكتبوا في الصحف: "سقط وهو يقوم بواجبه".

    
كان كايدان برتبة رقيب أوّل، قُتِل هذا الأسبوع عند مُفْتَرق أريئيل، قُتل وهو يحرس الظلم، لهذا قُتِل سدًى. ليس فقط "ايها الفتى الوسيم – لا تستحقّ ذلك"، يُفْهم من العناوين في "يديعوت حرونوت"، وكأنه لو لم يكن وسيما، لكان يستحق أن يموت وهو بعمر 19 سنة. وأيضا لقاتله، عمر أبو ليلى، كان وجها طفوليّا، ربما كان وسيما، وايضا لا يستحق أن يموت بعمر 19 سنة.
       
لكن كايدان كان يجب الأّ يموت، لأن كايدان كان يجب ألا يكون في أريئيل. وجيش الدفاع الإسرائيلي كان يجب الاّ يكون هناك، والمستوطنون كان يجب الاّ يكونوا هناك، والجامعة، والفندق، والمنطقة الصناعيّة، والشارع السريع، وميدان الرماية الخاصّ، جميعهم كان يجب الاّ يكونوا هناك. كل هذه المظاهر الكاذبة، الشرعيّة، سكانها الشرعيّون، الإجماع، وأنها في كُتَل استيطانيّة، وأنها لن تُخلى، وذلك كله من أجل إعطائها صفة الطبيعيّة، ومن تحت الستار، ينمو الاحتلال. فقط فتى فلسطينيّ عنيفٌ، شجاعُ، يمكن أن يذكّر أنه موجود.

     
لا شيء طبيعيا في الساحة التي قُتِل فيها الجندي. مدفعي ينبغي الاّ يحرس على محطّة مسافرين. ليس هناك في العالم كله جنود مسلّحين يحرسون مسافرين مجانا. ليس من الضروري أن يعرّض فتى ابن سنة 19 حياته للخطر كي يقف مستوطنون على أرض ليست أرضهم. هذا ليس من مهامّ شاب تجنّد في جيش الدفاع الإسرائيلي يطمح لأن يكون مِدْفعيّاً. إسرائيل تريد المستوطنات؟ عليها أن تجد أناسا يعرّضون حياتهم للخطر باختيارهم من أجل المستوطنين. لتُقِم فَيْلقا أجنبيّا لحراسة المستوطنات. وألّا تكذب على جنودها، والاّ تقول لهم ان جنديا في أريئيل سقط شهيدا في الدفاع عن الدولة، هو لم يسقط في الدفاع عن الدولة، هو عرّضها للخطر.
       
لا شيء طبيعيّا في ساحة مكتوب على كتل الأسمنت فيها الشعار "شعب إسرائيل حيٌّ"، في منطقة مُعْظم سكانها فلسطينيّون، ولا أحد يريد بشعب إسرائيل حيّا على أرضه. لا شيء طبيعيّا في ساحة بها هذا الكمّ الكبير من البنادق، الساحة المسلّحة في العالم. لا شيء طبيعيّا في مدينة الدخول إليها لليهود فقط، أو لمَن يخدمهم ويسمح لهم بالدخول سيرا على الأقدام وبتصريح فقط. لا شيء طبيعيّا في محطة لمسافرين لليهود فقط. لا شيء طبيعيّا في منطقة صناعيّة أسيادها يهود ومُعْظم عمّالها فلسطينيون. لا شيء طبيعيّا في فُنْدُق ومركز تجاريّ يشرفون على هذا البطش.
        
أُمِر الرقيب الأول كاديان أن يحرس على كل هذا. أُمِر بالحراسة على سراب الأوهام العاديّة وعلى استحواذ الاستيطان. أُمِر بالحراسة على واقع غير مضمون أبدا، حتى لو تمركزت به ستُّ كتائب عسكريّة مسلّحة. من الصعب معرفة بماذا كان يفكّر عندما وقف هناك، ليلا ونهارا، في البرد وفي الحرّ، مُدجّجا بالسلاح. ربما عذّبه ضميره، وربّما لا. شطف الأدمغة كافٍ لإقناع كل فتًى تقريبا كي يؤمن أن حراسة محطات السفر المجّاني (ترمبيادا) في أريئيل هي عمل وطنيّ سامٍ وشجاعة قُصْوى، وأن مقاومة الاحتلال في نفس المحطّة هو قتل وإرهاب. وأن الجندي الذي يحرس الاحتلال هو بطل، وقاتله، ممَن يقاوم الاحتلال، مخرّب. وأن الجندي هو الأكثر أخلاقا، ومقاومه قاتل.
   
 سقط جنديّ شهيدا. قُتِل عبثا، لم يكن ينبغي له أن يموت، لم يكن ينبغي له أن يكون هناك.

-----
*المندولينا – آلة موسيقيّة تشبه العود - المترجم