أوّلا اقتل العربيّ، وبعد ذلك فكّر


أوّلا اقتل العربيّ، وبعد ذلك فكّر


عميره هس | هآرتس، 5.3.2019 ترجمة: أمين خيرالدين 



استحكام للجنود في حاجز بيت إيل تصوير: عميره هس



لا أحد يعرف كم من السائقين الفلسطينيين الذين يمرّون في معبر بيت إيل، عند المَخْرج الشرقي من رام الله، قد انتبه للكلمتين اللتَيْن خربشهما مجهول بالعبريّة، على جدار استِحْكام الجنود. ولا أحد يعرف كم من الجنود الذي انتبهوا للكلمتَيْن، استطاع أن يقرأهما ويستوعب معناهما: "الموت للعرب"

    
خربشات كهذه – بأشكالها المختلفة، مثل "صدق كهانا" – مكتوبة هنا وهناك على حيطان محطات الباصات في إسرائيل، أو على كُتَل الإسمنت في شوارع الضفة الغربيّة. من الصعب أن لا تراها. العبارة مكتوبة على حائط موقع التفتيش التابع لجيش الدفاع الإسرائيلي – تحت الشُبّاك، حيث كانت علبة حمّص قرويّ من نوع أحلى موضوعة على حافة ذلك الشبّاك – تكاد تتستّر بين الأدوات. حروفها لا تلمع بلون أحمرا ولا تُنار برسم بيانيّ، يوضّح المعنى لمَنْ لا يعرف اللغة العبرية. ذلك الذي كتب هناك "الموت للعرب"، بحروف طباعة صغيرة جدّا، لم يقصد استفزاز العابرين ذهابا وإيابا. قَصَد بكلّ بساطة أن يُعبِّر عن موقفه الشخصيّ، افتراض عمل أو شَهْوة غير مكبوتة وليست مُحرّمة. وهذا المجهول هو جندي مسلّح في جيش الدفاع الإسرائيلي. جندي، يقف ساعات طويلة في اليوم، مع بندقيّة مشحونة ومُصَوَّبة، مقابل آلاف من البشر، يخرجون من قفص رام الله ويدخلون إليه.
  
 ليس هناك مَن يمحوَ هذه الخربشات الشيطانيّة المكتوبة باللغة العبرية في محطّات الترمبيادات للمستوطنين. ليس هناك من يبحث عن متّهَمين بكتابتها. كي يتّهم بالتحريض العنصري – كي نلمِّح للشعب بانه ثمّة عبارات ليست مقبولة. إذا كان مقبولا على الإدارة المدنيّة منع الاشتراك بشبكة االمياه وإذا كان مقبولا العمل على هدم قُرًى، وإذا كان مقبولا طرد أُناسٍ من بيوتهم ومن أراضيهم وإعطاؤها لجمعيّات مستوطنين غنيّة، إذن أيّ معنى يظلّ للصدمة من كلمات قليلة مكتوبة على كتل الباطون؟
     
 الكتابات الشيطانيّة لا تُعْتَبَر من أيّ نوعيّات من الأعمال اللا ساميّة والتي ينبغي أن نحذِّر منها، وممّا يصل وجودها إلى العناوين الرئيسيّة في الصحُف العالميّة. لقد تعوّدت العيون عليها، كما تعوّدت على بَكرات الأسلاك على جدار الفصل العنصري، ولإعلانات القرصنة للمصانع في المستوطنات وللعمّال المصْطفّين في طوابير عند الحواجز في الساعة الخامسة صباحا. لهذا الحدّ تتعوّد العَيْن، كان الإغراء قويّا لتجاهل كلمتَيْن كُتِبَتا على حائط استحكام عسكريٍّ، بربكم، هل سييّأس فتى مراهق ابن 18 سنة من كلمتَيْن، ونحن نضخِّم حكايتهما.
    
 ومع ذلك، ثمّة عنوان لما هو مكتوب على الاستحكام العسكري – الجيش. يمكن إرسال استجواب. طلبت جريدة "هآرتس" يوم الأحد صباحا معرفة صاحب ما كُتِب هناك. ويوم الأحد مساء ردّ الناطق بلسان جيش الدفاع الإسرائيلي: "الأمر لا يتلاءم مع قِيَمِ جيش الدفاع الإسرائيلي. وأُزيلت العبارة المكتوبة"
   
لا يُمْكِن معرفة إن كان كاتب هذه العبارة قد اشترك في عملية اقتحام قرية كفر نعمة غرب رام الله . ولا أحد يعرف إن كان بين الجنود الذين وقفوا على جانب الشارع بسبب عُطْل في سيارة الجيب العسكريّة، وذلك بعد اقتحامهم للبيوت، وبعد إيقاظهم لأصحابها بواسطة الصراخ والقرع المخيف على الأبواب، وبعد سَحْبِهم من أسرّتِهم واعتقال الكثيرين، حسب التقارير الفلسطينية.
   
 لكن ثمّة علاقة بين الدافع الذي كُتِبَت به هذه العبارة على حائط الاستحكام في الحاجز، وبين ردّ فعل الجنود التلقائيّ، عندما صدمتهم مَرْكَبة فلسطينيّة، حسب أقوال الجيش: هذا عمل إرهابي، عقاب السائق والركّاب الذين كانوا بالمركبة االفلسطينية واحد - المَوْت. كان رد الناطق العسكري تلقائيّا: عمل إرهابي، وتلقائيّا رددت جوقة الإعلام الإسرائيلية: مخرّبون.
      
إمكانيّة، أن السائق والركّاب الذين كانوا معه لم يعرفوا أن سيارة جيب عسكريّة قد تعطّلت في جانب الطريق وفي مكان غير مُتوقَّع ، وأمكانية أن يكون السائق قد فقد السيطرة على السيّارة في مُنْعَطف حاد - وكما يقول سكان قرية كفر نعمه، كثيرا ما تحدث فيه حوادث طرق، وأن الضباب يجعل الرؤية صعبة - هذه الأمكانيّات غير قائمة فس ملفّ السناريوهات ، السيناريو الذي يُدرّبون الجنود والإعلاميين عليه. وفيه تكمن قِيّم جيش الدفاع الإسرائيلي. الدولة والمُجْتَمَع الإسرائيلي يقولون بكل صراحة ووضوح، أوّلا اقتل العربي.

ملاحظة: يذكّرني هذا المقال بمسلسل كان يذيعه صوت العرب بعد مقتل جون كنيدي، يعكس المسلسل الرأي العام الأمريكي الذي اتهم عربيّا، كان المسلسل يبدأ بعبارة تنطلق بصوت جهوريّ "اقتل عربيّا تأخذ دولارا" اليوم نعيش هذا الجوّ - المترجم