
إرادة الله في أنبوب المياه
إرادة الله في أنبوب المياه
مِن بين الطرق الإسرائيلية لطرد الفلسطينيين من أرضهم، سياسة التعطيش وهي الأكثر وحشيّة. وبذلك يضطرّ الفلسطينيون لشراء مياه سرقتها إسرائيل منهم أو بدلا من المياه التي تسرقها منهم
بقلم : عميره هس | هآرتس، 24.2.2019 ترجمة: أمين خيرالدين
عندما كتبت أسئلتي وطلبت من الناطقات بلسان منسّق الأعمال في الأراضي المحتلّة أن يُعقّبْن على تدمير أنابيب المياه في القرى الفلسطينية الواقعة جنوب شرق يطّا، في 13 فبراير/شباط، دغدغتني أصابعي وهي تلحّ لكتابة السؤال التالي: "قولوا، الا تخجلون؟" يمكن اعتبار ذلك دافعا تربويّا، يمكن أيجاد بقايا اعتقاد مع إمكانية التأثير أو تحطيم أملٍ بأن هناك مجهولا لا يُنفِّذ الأوامر تلقائيّا، و يظهر لديه تصدّع. لكن دغدغة الأصابع تلاشت بسرعة.
هذه ليست المرّة الأولى التي اكبت فيها الدافع التربوي في سؤالي الموجّه لممثّل المدمّرين والمعطِّشين إذا كانوا يخجلون. لأنّ قوّاتنا تقوم يوميا بأعمال تدمير وحشي، أو بمنع البناء، أو بدعم المستوطنين المُفْعَمين بالإحساس بالفوقيّة العِرْقيّة، المستوطنون الذين يطردون الرعاة والمزارعين من أراضيهم. معظم أعمال التدمير والطرْد لا يُعْلّن عنها في الإعلام الإسرائيلي. فقط من أجل الكتابة عن اعمال التدمير هذه تحتاج جريدتنا إلى توظيف مراسِلَيْن آخَرَيْن بوظيفتَيْن كاملتَيْن.
تتمّ هذه الأعمال باسم كلّ مواطن إسرائيليّ، المواطن الذي يدفع الضرائب لتمويل رواتب الموظفين والضباط ومقاولي التدمير. عندما أكتب عن عمليّة تدمير واحدة من بين عمليّات التدمير، لديّ الحقّ الكامل كمواطنة وكصحفيّة أن أسأل مَنْ يُعطي الأوامر ومَنْ ينفّذها: "كيف تستطيعون النظر إلى أنفسكم في المرآة؟"
لكنني لن أسأل. الجواب معروف: لأنهم راضون ممّا ينعكس في المرآة. لقد زال الخجل من حياتنا، إلَيْكُم بديهيّة أُخْرى نزلت علينا في جبل سيناء: الماء من نصيب اليهود، حيْثُما وُجِدوا. للفلسطينيين – لا. إذا صمّموا العيش خارج الجَيْب A، وخارج المحميّات المُكْتَظّة التي حددْناها لهم (مدينة يطّا، لمُقْتضى الأمر)، عليهم أن يتحمّلوا المسؤوليّة وأن يعتادوا الحياة بدون ماء. ألا يمكن العيْش بدون ماء؟ ماذا تقولون؟ إذن من فضْلِكم، ليدفع الفلسطينيون ثمن المياه المنقولة سبعة أضعاف سعر المياه التي في الحنفيّة.
لا يعنينا إذا كانت معظم مصروفات التجمّعات الفقيرة ثمنا للمياه. ولا يعنينا إذا كانت النَقْلِيّات خطيرة بسبب الطرق السيّئة. لا يعنينا إذا حفر بها جيش الدفاع الإسرائيلي والإدارة المدنيّة حُفَرا وكدّسوا فيها أكواما من الصخور– حتي يصبح من غير المُمكِن نقل المياه لحوالي 1500 حتّى 2000 إنسان وحوالي 40 ألف رأس من الغنم. ماذا يعنينا إذا بقيت طريق واحدة، إلتفافيّة، طويلة، تُزيد من تكاليف النقل؟ لقد كُتب في التوراة: كل ما هو لصالحنا، ممنوع عن الآخرين.
أعترفُ: إنّ الذي يقف اليوم على رأس الهرم الذي ينفّذ سياسة التعطيش ضدّ الفلسطينيين دُرْزيّ (العميد "ألّوف" كميل أبو ركُن، منسّق أعمال الحكومة في الأراضي المحتلّة) الحقيقة التي أطالت دغدغة الأصابع. ربّما لأنه عندما يعطش ابو ركن ويتقدم من الحنفيّة، يفسِّر كلمة "عطشان" بنفس اللغة التي يفسّرها الشيخ المُسنُّ علي دبابسه من قريت خلّة الضبع الذي يعيش مع حنفيّة مُعَطَّلَةٍ وانتظار التراكتور الذي سيجلب المياه في الصهريج. أو ربّما عندما كان طفلا صغيرا، أوّل شيء تعلّمه من أمّه في اللغة العربيّة كيف يقول أريد أن أشرب.
لكنها دغدغة لا إراديّة، على الأقل حسب اختبارات الواقع. الإدارة المدنيّة ووحدة منسق الأعمال في الأراضي المحتلّة تغصّ بالجنود والضباط الدروز، ولغة الأمّ عندهم اللغة العربيّة، وينفّذون أوامر سياسة الاستيطان الإسرائيليّة، كطرد فلسطينيين والاستيلاء على أكثر ما يُمْكِن من الأرض من أجل يهود بنفس الكفاءة وبلا تردّد مثل أصدقائهم الذين لغة أمهاتهم عبريّة، أو روسيّة أو إسبانيّة.
من بين الطرق الإسرائيلية لطرد فلسطينيين من أراضيهم لصالح يهود من إسرائيل أو من ألشَتات، طريقة التعطيش وهي الأكثر وحشيّة، وفيما يلي مبادئ هذه السياسة: إسرائيل لا تعترف بحق مساواة الوصول لكل الذين يعيشون تحت سيطرتها وبحقهم بالكميّات المتساوية. وبناءا عليه. تؤمن بأنه يحقّ للأسياد من اليهود كميّات أكبر بكثير ممّا يحقّ للفلسطينيين. وهي تسيطر على مصادر المياه في كلّ البلاد، بما في ذلك الضفة الغربيّة. وتقوم بحفريات في الضفة الغربيّة وبضخّ مياه من الأراضي المحتلّة. وتنقل معظم هذه المياه إلى إسرائيل وإلى المستوطنات.
يوجد لدى الفلسطينيين آبار مياه من فترة الحكم الأردني، بعضها جفّ، وبعض الآبار جديدة من العشرين سنة الأخيرة، لكنّها أقلّ عمقا من الآبار الإسرائيليّة، ولا تعطي كميات مياه كافية. لذلك يضطر الفلسطينيون للشراء من شركة "مكوروت" مياها سرقتها إسرائيل منهم، أو بدلا من المياه التي تسرقها منهم. لأن إسرائيل تسيطر سيطرة إداريّة كاملة على 60% من الضفة الغربيّة ( ومن بين ما تسيطر عليه المخططات الهيكليّة ومنح رُخص البناء)، وتمنع من الفلسطينيين الارتباط بشبكة المياه، وحجّة المنع : ليس لديهم خطط مفصلة للبناء، أو أن المنطقة منطقة لإطلاق النار. وكأن منطقة إطلاق النار أُنْزِلَت على جبل سيناء، وعدم وجود خطط بناء مفصّلة ليس تخاذل بشري إنما هو عمل ربّانيٌّ.
25/02/2019 09:02 pm 3,117
.jpg)
.jpg)