في بيت عضوة البرلمان الفلسطيني 


في بيت عضوة البرلمان الفلسطيني يتوقّعون أن يُطْلَق سراحها من المُعْتَقَل أخيرا

20 شهرا وخالده جرار مُعْتقَلَة في سجن إسرائيلي بدون محاكمة وبدون تهمة. وستنتهي في آخر هذا الشهر مُدّة اعتقال إداريّ أخرى، وفي بيتها يتوقّعون أن يُطْلَق سراحها هذه المرّة

جدعون ليفي و أليكس ليبك هآرتس، 15.2.2019 ترجمة: أمين خيرالدين 

غسان جرار في مصنع الألعاب الذي يملكه، هذا الأسبوع، سيقام في الكنيسة الكاثوليكية في رام الله احتفال بإطلاق السراح، هذا إذا أُطْلِق سراحها تصوير: أليكس ليبك

  
 يقول غسّان جرار إنه لا معنى لحياته بدون خالده. في غرفته في مصنع دمى الفرو ولُعَبِ الأولاد التابع له في بيت فوريك، حيث كراسيه المكتبيّة منجّدة بفروٍ مُصنّع أحمر، يتألّق وجه هذا الأرمل مؤقّتا طالما يتحدّث عن زوجته. منذ 20 شهرا وهي تقبع في سجن إسرائيلي، بدون محاكمة، وبدون لائحة اتّهام، وبدون أدلّة، وربّما في آخر هذا الشهر قد يُطْلَق سراحها آخيرا. غسان مشغول في التحضيرات. ويدرك أنه قد يخيب أمله مرّة أخرى، للمرّة الرابعة على التوالي.
    
 هي المُعْتقَلَة السياسية رقم 1، زعيمة المعتقَلات في سجن الدامون والمرأة الأرفع منزلة التي اعتقلتها إسرائيل، بدون أن تُدان بأيّة تهمة. النضال من أجل إطلاق سراحها طويل ومُعقَّد، ويثر ضجّة كبيرة خارج البلاد أكثر مما يثير داخل البلاد. اصطدم اعتقالها هنا بجدران صمّاء من الاحتلال، وبلا مبالاة لا تُصدّق من جانب الرأي العام في إسرائيل، حيث لا يهتم هذا الرأي العام بأنه يعيش في ظلّ نظام فيه معتقلون سياسيّون، وفي ظل صمت من جانب أعضاء كنيست وصمت منظمات نسائيّة. لا يقلّ عن خمس مقالات لهيئة تحرير جريدة "هآرتس" طالبت فيها الجريدة تقديم أدلّة أو إطلاق سراحها، بدون نتيجة – لا زالت خالده جرّار مُعْتَقَلة، بدون تهمة.
   
 أربع مرات متوالية أُرْسِلَت لمعتقل إداريّ، مرتان لنصف سنة ومرتان لأربعة أشهر. سينتهي التمديد الروتيني لاعتقالها في 28 من هذا الشهر. كالعادة، حتى ذلك التاريخ لن يعرف أحد إن كان سيُطْلَق سراحها، أو أنهم سيمدّدونه بدون تفسير. وبالرغم من أن المدّعي العام العسكري أكّد عند التمديد الأخير أن هذا التمديد هو الأخير، لكن مَنْ يعرف. الأمر يتعلّق باحتلال وباستبداده. على كل حال، غسّان سيدهن بيته من جديد، وسغيّر المكيّفات، والحمام الساخن، ويُركِّب ستائر جديدة، ويغرس ورودا في الأُصُص، ويطلب مأكولات وحلويات بكميّات كبيرة وسينظم لها استقبالا في حاجز واحد وعددا من السيارات عند حاجِزين آخرَيْن - لا أحد يعلم أبدا أيْن سيُطْلَق سراحها. في الكنيسة الكاثوليكيّة في رام الله، والتي استأجرها لمدّة ثلاثة أيّام من نهاية الأسبوع من آخر هذا الشهر، سيُقام احتفال بإطلاق سراحها، إن كان سيحدث.
    
تذكير: بتاريخ 2 أبريل/نيسان اقتحمت قوّات جيش الدفاع الإسرائيلي بيت عائلة خالده جرّار في مدينة البيرة، خطفوها واقتادوها لاعتقال إداريّ. وعلى خلفيّة احتجاجات دوليّة ضدّ إسرائيل تعتقل إسرائيل بدون محاكمة مُشرِّعة انتُخِبَت في انتخابات ديمقراطيّة، وقررت سلطات الاحتلال تقديمها للمحاكمة. وقد قُدَمَت ضدّ خالده جرّار لائحة اتهام تضمّنت ما لا يقلّ عن 12 بندا، جميعها مضحكة ومخيفة، منها تهمة بزيارة بيوت أسرى، وتهمة بزيارة معرض كُتُب وشكوك بالمطالبة بإطلاق سراح زعيم منظمتها، الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، أحمد سعدات المسجون منذ سنين. لائحة الاتهام ضدّ خالده جرّار، المناضلة ضد الاحتلال، المؤيّدة الحازمة للحركات النسائيّة وعضوة اللجنة التنفيذيّة لمنظمة التحرير الفلسطينيّة، ستُسْتخدم هذه اللائحة يوما ما كالدليل ألأكثر إثباتا لعدم وجود أيّ علاقة بين المبرمج "جهاز القضاء العسكري" وبين القانون والعدل.
    
رأيناها في المحكمة في عوفر في صيف 2015، شامخة ومؤثرة، في الوقت الذي كانت بنتاها، يافا وسهى، تتعلّمان في كندا، توشكان مع أبيهما على البكاء وهم على المقاعد الخلفية في قاعة المحكمة. لم يبق أحد غير مبال عندما سمح السجّانون لابنتيها بالاقتراب من أمهمها واحتضانها. في لحظة نادرة من الرحمة والإنسانيّة، بقي الأب يجهش بالبكاء في الخلف، كان منظرا من الصعب أن يُنْسى.
    
 بعد أن أنهت العقوبة المفروضة عليها، 15 شهرا من الحبس، عادت سلطات الاحتلال واعتقلتها ثانية، وبعد مرور سنة ونصف على إطلاق سراحها. في ال – 3 من يوليو/تموز 2017 اعتُقِلَت إداريا لمدة نصف سنة ولا زالت في السجن منذ ذلك التاريخ، لمدّة 20 شهرا متتالية. قبل ثلاثة أشهر نُقِلَت مع 65 أسيرة فلسطينية من سجن هشارون إلى سجن الدامون. حيث الظروف هناك أكثر صعوبة، سلطة هذا السجن تفتقر للخبرة في معاملة النساء، هذا ما يقوله غسّان. الحمامات مفصولة عن غرف المساجين، وعندما يحين موعد الدورة الشهريّة للسجينة، تغمر المياه الحمراء ساحة السجن مما يؤدي إلى إحْراج النساء. ومع ذلك، تتعامل سلطات السجن مع النساء بمعاملة جيّدة، ويقول، بالنسبة للحالة الصحيّة لخالده. إنها تُعاني من تختّر في الدم وتحتاج إلى أدوية وفحوصات طبيّة أسبوعيّة. تتلقاها بشكل مُنْتظَم في السجن.

    
      
يافا (من اليمين) وسهى في المحكمة سنة 2015 تصوير أليكس ليبك

عيد ميلاد في السجن


You are my sweetheart أنت حبيبتي، هذا ما هو مكتوب على بعض لُعَبِ الفرو الاصطناعيّة في قاعة الإنتاج في بيت فوريك، شرقي نابلس. حيث يُنْتِجون لُعَب ميكي ماوس ودُمى أخرى من عالم الأفلام المصوّرة، مراجيح منجّدة وفوانيس لغُرف الأطفال. يصممها غسان، تعبّر عن براءة حلوة وإبداعيّة. منذ اعتقال زوجته، يكرّس زوجها قليلا من الوقت لمصنعه. فبقي من أل – 19 عاملا سبعة فقط. واحدة منهم صمّاء، عاملته المتميّزة. مَنْجَرة، مَنْجَدَة، ومَخْيَطة جميعها تحت سقف واحد. يبيع معظم إنتاجه إلى إسرائيل، ويمنع من الدخول إليها منذ سنين. عقله وأفكاره مشغولة بإطلاق سراح زوجته، زارها آخر مرّة قبل شهر، تكلّم معها بواسطة الهاتف من خلف الزجاج المسلّح لمُدّة 45 دقيقة. خلال تواجدها في السجن تحوّلت خالده جرار لمُمْتَحِنَة رسميّة في امتحانات البغروت من قِبل وزارة المعارف الفلسطينيّة، تنقل منظمة الصليب الأحمر الدوليّة الامتحانات إليهن في السجن. ومن بين الذين امتحنتهم خالده كانت عهد التميمي وإيما ناريمان. اتصلت عهد بغسان هذا الأسبوع وسألته عن موعد إطلاق سراح خالده. "عمّتي" ، كما تسميها.
    
 الساعة المعلّقة على حائط مكتب غسّان لا تتحرك. "كلّ شيء يفقد معناه بدون خالده. لا معنى للحياة بدون خالده. توقّف الزمان مع اعتقال خالده . خالده ليست فقط زوجتي. هي أبي، وأمّي، وأختي وصديقتي. أنا أتنفس خالده، بدلا من الهواء. عشرون شهرا بلا معنى. وعملي أيضا لا معنى له". محادثة هاتفيّة قطعت قصيدة الحب هذه، القصيدة التي تبدو صادقة ومؤلمة، ماذا سيحدث إذا أتضح ثانية عدم إطلاق سراحها؟ "عندئذ سأنتظر أربعة أشهر أخرى. لن يكسرني شيء. لن أدع شيئا ينتصر عليّ. هذه فلسفتي في الحياة. وقد ساعدتني دائما" أمضى غسّان حوالي عشر سنين من عمره في السجون الإسرائيليّة. مثل زوجته، هو أيضا اتُّهِم بنشاط في الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين.
   
 حاليّا ابنتهم الكُبْرى، يافا، ابنة ال-33 سنة، حصلت على الدكتوراة في الحقوق في أوتوا، وتتمرّن الآن في مكتب محامين كنديّين. سُهى، ابنة أل – 28 سنة، عادت من كندا، بعد أن أكملت هناك وفي بريطانيا اللقب الأول والثاني في موضوع البيئة. وهي تعمل في مؤسسة حقوق الإنسان الحق في رام الله وتعيش مع أبيها. البنتان ملتزمتان بالمعركة الشعبية لتحرير أمهما. خاصة على شبكات التواصل الاجتماعيّ عندما اقترنت يافا بزوجها الكندي في كندا، وهو محامٍ مثلها، كانت خالده في السجن فدعا غسّان كلّ الأقارب والأصدقاء لمشاهدة حفل القران ببث مباشر على شاشة تلفزيون كبير في بيتهم. غسان ممنوع من مغادر البلاد.
قِطّ خالده جرار تصوير: أليكس ليبك
      
تذكّر غسّان آخر اعتقال لخالده، كيف اقتحم الجنود ورجال المخابرات (الشاباك - المترجم) البيت بالقوّة في منتصف الليل، كيف دخلوا غرفة سُهى وأيقظوها بالتهديد بالبنادق وكيف بدأت تصرخ مذعورة، أمام البنادق المُصوَّبَة بايدي أشخاص غرباء في غرفة نومها، مقنّعين بأقنعة سوداء حين استيقظت كانت في سريرها بملاس النوم، حتى قيّد الجنود يديها من الخلف. عندما يتذكّر صراخ ابنته يثور كأن الأمر حدث من أسبوع. يقول إنه حاول أن يسارع لنجدة ابنته، وأنه كاد أن يُقْتَل لأنه حاول دخول غرفتها بالقوّة. حتى هذا اليوم، عندما يتذكّر صراخها، يقشعر بدنُه. يقول إنه خاف من أن يكونوا قد آذوها بأذًى مخيف. بعد أن أخذ الجنود خالده، وبعد أن منعوه من وداعها بقبلة، كما طلب، وجد ابنته مُقيّدة. فكها من القيود البلاستيكيّة أرادت أن تخرج إلى الشارع في اثر الجنود وأمها معهم. منعها من ذلك فخرجت إلى الشرفة وبدأت بالصراخ عليهم بشكل هستيري، ناتج عن غضب بدون انضباط.
   
 امضت خالده يوم السبت الأخير عيد ميلادها أل- 56. لم يكن عيد ميلادها الوحيد الذي تمضيه في السجن، ربما سيكون الأخير. يسطع وجه غسّان عندما يتكلّم عن عيد ميلاد زوجته. في مجموعة الووتسأب المسمّاة " أفضل الأصدقاء" أظهروا الصورة التي يحبها لخالده، وهي تلبس قميصا بنفسجيّا، تلوّح بيديها عاليا في قاعة المحكمة في عوفر. كتب أعضاء المجموعة تهنئاتهم . كتب عمر قصيدة عن أسير يجلس في عتمة زنزانته في السجن ولا يرى حتى ظلّه. كتبت هداية شيئا عن الحريّة. أمّا ناديا فقد كتبت "اليوم عيد ميلاد وغدا سيُطْلَق سراحك. كلنا بانتظار الاحتفال معك". وكتب خميس تهنئة عيد ميلادك عادة وتقليد وختم غسّان: "أنت عروس فلسطين، تتجددين كلّ سنة، أنت التاج الذي يزيّن رأسي، الخالدة، الأبديّة".
16.2.2019