.jpg)
يتّهِم تقريرُ "بتسيلم" قضاة محكمة العدل العليا بدعم هدم بيوت في الضفة الغربيّة ويدعي أن هؤلاء القضاة مسؤولون عن جرائم حرب. في خربة طانا، هدم جيش الدفاع الإسرائيلي حوالي مائة بيت خلال سنتين، ويوجِّهون أصابع الاتهام نحو السلطة الفلسطينيّة
جدعون ليفي هآرتس، 8.2.2019 ترجمة: أمين خيرالدين
.jpg)
خربة طانا، في 2016، لا يمكن للسكان أن يعيشوا هنا بأمن وبهدوء. هم أبناء الأرض التي تنهبها إسرائيل تصوير: أليكس ليبك
كل صباح، في الساعة الخامسة، يستيقظ يوسف حناني في بيته المُرتّب في مغارة، تقع في الجبال بين مدينة نابلس وغور الأردن. أول سؤال يجول بخاطره: هل سيهدم جيش الدفاع الإسرائيلي بيته للمرّة أل- 13. راعي أغنام، يعيش مع جموع رعاة خربة طانا شرقي نابلس. في يناير 2017 هدمت الإدارة المدنيّة بيوت 14 عائلة. وقبل ذلك بسنة هدمت السلطات 79 مبنًى سكنيّا، وفي 2015 هدموا بيوت 7 عائلات. هذه الذكريات ليست تحية صباح ليوسف حناني.
بعد أن يقوم من فِراشه، يرفع ناظريه إلى الجبال ليرى إن كانت قوّات الهدم في طريقها إليهم، في منتصف موسم الرعي، الممتد من نوفمبر/تشرين الثاني لغاية مايو/ أيّار. عندما زرنا المكان هذا الأسبوع رأينا الأرض مكسوّة بزَغَب ربيعيّ أخضر. يعيش في خربة طانا 27 عائلة، منهم عائلة حناني، وقد وُلِد هنا ومثله أبوه وجدّه. لا توجد إمكانية ليعيش هو وجيرانه هنا بأمان وبهدوء، هم أبناء البلاد التي تريد إسرائيل سلبها. أنها خطّو ممنهجة ومُتَعمّدة. خطّة تبدأ بالأكثر ضعفا – جموع الرعاة وسكان الكهوف — في منطقة أرادتها إسرائيل لنفسها منذ الأبد: في جنوب جبال الخليل، في ظهر الجبل وفي غَوْر الأردن. هذه الخُطّة، غير العادلة، أخلاقبا وقانونيّا، حظيَت طوال سنين الاحتلال بدعم، ومساندة وتأييد مطلق، أوتوماتيكيّ تقريبا، من جانب قضاة محكمة العدل العليا.
في تقرير جديد لمظمة :بتسيلم"، التقرير الذي نُشِر هذا الأسبوع تحت عنوان "عدل سطحيّ: مسؤوليّة قضاة محكمة العدل العليا عن هدم بيوت الفلسطينيين ونهبها، يُدين التقريرُ قُضاة محكمة العدل العليا، المعروفين في العالم بما يشبه الرقيّ، بتعاونهم مع المجرمين. "يمتاز تجاهلهم المُعلَن عن سياسة خَرْق المنع المطلق عن ترحيل قَسريّ، ينطبق هذا الترحيل على حالات يترك بها الأشخاص بيوتهم بدون إرادة منهم، مثل خلق ظروف معيشيّة غير مُحْتَمَلة تخلقها لهم السلطات. يُعْتَبر خرْق كهذا للمنع جريمة حرب"، وقد كتبت المحامية ياعيل شتاين، مديرة قسم البحوث في منظمة "بتسيلم" والتي أعدّت التقرير، وبناء عليه، أضافت "قضاة محكمة العدل العليا أيضا – بالإضافة لرئيس الحكومة، ووزراءٍ كبار، وقائد الأركان العامة، وأصحاب رُتَب عالية أخرى في الجيش – يتحملون مسؤوليّة عن ارتكاب هذه الجرائم".
يورد التقرير معطيات الإدارة المدنيّة، وبموجب هذه المعطيات صادقت السلطات في السنوات 2016 - 2000 على 4% فقط من طلبات البناء التي قدّمها الفلسطينيون. ومن مجموع 5475 طلبِ بناء قُدّمَت، صودق على 226. بكلمات أخرى: لا مكان للبناء للفلسطينيين، ولا مكان للحياة لهم. ولهذا اخْتُصِرَت الطريق إلى "البناء غير القانوني"، ومنها إلى الهدم والسلب الجماعي بمساندة حُماة القانون. في سنة 2017 – 1988 أصْدَرَت السلطات 16796 أمر هدم ضدّ بيوت الفلسطينيين، بمعدل ألف أمر هدم في السنة منذ 2009. نُفِّذ 20% منها، والباقي في انتظار التنفيذ. بموجب "بتسيلم" هَدمت إسرائيل من سنة 2006 لغاية 2018 على الأقلّ 1401 وحدة سكنيّة تابعة للفلسطينيين. وبقي 6200 إنسان، نصفهم أطفال، بلا مأوى.
.jpg)
خربة طانا، تشير بتسيلم إلى أنه منذ 67، لم يُقْبَل ايّ التماس قدّمه الفلسطينيون لمحكمة العدل العليا ضد هدم بيوتهم تصوير: أليكس ليبك
ينوّهون في "بتسيلم" إلى أنه بناء على معلوماتهم، منذ 67 لم يُقْبَل أيّ التماس قدّمه فلسطينيون إلى محكمة العدل العليا ضدّ هدم بيوتهم. وحسب معلومات موظفي هذه المنظمة، الأمر يدلّ على سياسة تتبعها المحكمة، وأنه وراء مظهر حماية القانون وسياسة التنظيم يكمن تجاهلٌ لحقيقة هي أنه لا توجد أيّة طريقة ليحصل بواسطتها الفلسطينيون على مصادقة بناء. بينما، يبني المستوطنون بوحشيّة، المحكمة غسيل لجرائم الاحتلال وتعاون معه.
كوبي لا يسمح
يُمْكِن رؤية الهوّة في أنّه خلال 50 سنة أقامت إسرائيل ما يُقارب 250 مستوطنة، جميعها مُخالِفة للقانون الدولي، وفي هذه المُدّة أقامت مستوطنة فلسطينية واحدة فقط، هي جبل المغرب، نُقِل إليها بدوٌ من منطقة أعَدّتها الدولة لتوسيع معاليه أدوميم. وفي المُقابل أقامت إسرائيل جهازا لا يمكّن الفلسطينيين من الحصول على تراخيص بناء، وتوظّف الدولة جهودا جبّارة لفرض قيود متطرِّفَة على كل بناء للسكان الفلسطينيين وعلى تطبيق هذه القيود. إذا لم يكن هذا أبرتهايد ، إذن ما هو الأبرتهايد؟
الفرق بين"طهارة الأيدي" و"استيفاء الإجراءات" التي يكتب عنها القضاة، وبين قراراتهم بقبول ادِّعاءات الدولة بالنسبة لتنظيم الجماهير الفلسطينيّة، وسماحهم للدولة بهدم بيوت المُلْتَمسين وبفرض واقع مُخْجِل عليهم – هو فرق غير مفهوم"، وقد ورد في التقرير، "إنّ المحكمة لا تسنّ القوانين، ولا تقرر السياسة ولا تنفِّذها. لكن من صلاحيّات ومن واجب القضاة أن يقرروا أن سياسة إسرائيل هي سياسة غير قانونيّة وعليهم أن يمنعوا هدم البيوت". وحسب أقوال "بتسيلم"، "بدلا من أن يقوموا بمسؤوليّاتهم، يختار القضاة منح هذه السياسة طابعا وصلاحيّة قانونيّة وشعبيّة. بهذا هم لا يخونون واجباتهم فقط، إنّما يقومون بدور اساسيّ في ترسيخ مشروع الاحتلال والمستوطنات وبتعميق عمليّة سلب أراضي الفلسطينيين".
العدل الإسرائيلي، على طريقة محكمة العدل العليا، يُدْرَك بجلال قدره في خربة طانا. حيث يُمْنَع السكان من رعي أغنامهم على الجبال جنوبي تجمعات الرُعاة. لماذا؟ لأن كوبي لا يسمح. كوبي هو كابوس رُعْب للرعاة. هو مستوطن من مستوطنة إيتمار، خلف الجبل، يرعى بقطيعه حيثما يشاء ولا يسمح للفلسطينيين بالاقتراب. وفي كلّ مرّة يقومون بذلك يقوم هو باستدعاء جيش الدفاع الإسرائيلي – والجيش، ينفّذ ما يطلبه، يطردهم بالقوّة. والوضع ليس أفضل إذا تقدمنا نحو شمال المنطقة: الإدارة المدنيّة هدمت بركة الماء التي بناها السكان قرب نبع الماء وهدمت المدرسة الصغيرة. عاد السكان وبَنَوْا المدرسة، لكن البركة بقية بأنقاضها.
وكذلك الطريق إلى خربة طانا يحكي حكايته: السلطة الفلسطينيّة هي التي شقّته ورمّمته في الآونة الأخيرة، لكن في القسم الأخير منه -- قبل خربة طانا بعدد من الكيلومترات -- أوقِف العمل في الطريق بأمر من إسرائيل. من هنا يجب الاكتفاء بالسفر في طريق وَعِرة إلى القرية التي لا تعترف إسرائيل بها وبحقوق سكانها. القرية التي وُجِدَت هنا قبل إيتمار التي على الجبل بكثير من الزمن.
ما يشبه المغارة
عند مدخل مغارة يوسف حناني يوجد باب سماويّ اللون، وخلف الباب تجلس أمّه يُسْرى، وزوجته صُقور وابنهما الصغير، محمد، ابن نصف سنة. صقور ويوسف يُخرجان ابنهما في سريره إلى خارج المغارة، كي يعرضانه ببهجة على الضيوف. الألواح الشمسية علامات التقدّم في هذا المكان، ولا يمكن عدم الإعجاب من جمالها ومن اندماجها مع المنظر رغم قُبْحِ إيتمار ووقاحتها.
داخل المغارة مدهون باللون الأبيض. عدد من الفِراش مُبعثرة على الأرض، صقور تشطف الأواني بالمياه المنسالة من صهريج المياه البلاستيكي. قدّم الزوجان وجبة فطورفاخرة تمحو الشفقة على مصيرهما: من أفضل ما يقدمه مطبخ فلسطيني قروي، مع أوراق الخردل الخضراء، مطبوخة وطازجة، إلى جانب الحمّص مع اللحمة، وفول وأبوكادو الذي دخل مطابخهم في الآونة الأخيرة، جبنة الغنم واللبنة من صنعهما، من غِلّة الماعز والأغنام الموجودة في المرعى الآن. بقيت الجديان الصغار فقط في الحظيرة. جلسنا على سطح المغارة، على كراسٍ مكتبيّة بالية. كانت الشمس في كبد السماء، ومرّت أرتال طويلة من سيارات جيب لجيش الدفاع الإسرائيلي على سلسلة الجبال من الشرق وأثارت سحابا من الغبار خلفها، حيث تجري الآن تدريبات عسكريّة كبيرة، وسيارات الجيب تعدو ذهابا وإيابا.
طير جارح أسود يحلّق فوق السهل.مسْجد حجري في وسطه، مسجد خربة طانا. فصل الربيع موسم سعادة الراعي، هذا ما يقولونه هنا، هذه هي أيام المرعى في الطبيعة، بالقرب من أنقاض البركة القريبة من نبع الماء، تحت ظلال الكينا الباسقة، يجتمع أبناء عائلة من بيت فوريك القريبة لوجبة في أحضان الطبيعة، يأكلون ورق العنب المحشي. يسارعون بدعوة الضيوف الإسرائيليين. تمر الطريق إلى نبع الماء بالقرب من مغارة منصور نصاصره، عندما مررنا بالقرب منه كان يصلّي صلاة الظهر على سطح المغارة. في سنة 2009 صادروا له التراكتور. وفي 2010 صادروا له تراكتورا آخر وأعادوه بعد مضي سنَتَيْن ونصف السنة. في 2016 صادروا له سيارة لأنها بدون ترخيص. وفي نفس السنة، خلال 45 يوما، هدموا باب المغارة التي تحتمي أغنامه في ظلّها ثلاث مرّات. وكباقي أبناء العشيرة بنى كلّ ما هدموه من جديد.
منظر سيارات الجيب على الجبال، دفع منصور ليسأل إن كانت إسرائيل تخطّط لحرب أخرى. منصور يدخن بغليون خشبي، لديه 200 رأس ماعز واغنام وابنه يرعى بها في الجبال. هو مقتنع بأن مشاكله قد بدأت مع ظهور السلطة الفلسطينيّة. حسب رأيه، محمود عباس مذنب بكل شيء. " خذوه إلى تل أبيب؟" اقتراح على شكل سؤال. تقرير منظمة بتسيلم يشير بأنه حتى سنة 1995، السنة التي تمّ بها التوقيع على الاتفاق المرحلي، أصدرت إسرائيل حوالي 100 أمر هدم في السنة، وبعد التوقيع على اتفاقيّات أوسلو بدأت بزيادة أوامر الهدم، حتى بلغت حوالي 1000 أمر هدم في السنة.
بعد كلّ التقارير، وبعد الأوامر الصادرة والالتماسات المرفوضة، لم يبقَ إلا النظر من على شرفة مغارة منصور نصاصرة على الجبال والسهل بينها. مَن يدمّر كهوفا يستخدمها الرعاة منذ عشرات وربّما مئات السنين، ومن يصادق على أعمال الهدم هذه ومَن يسمح لمستوطنة إيتمار ويمنع خربة طانا – هو من يقيم دولة الأبرتهايد، بمساندة محكمة العدل العليا.
09/02/2019 11:17 am 4,871
.jpg)
.jpg)