بقلم : الاعلامي عمري حسنين

من القارة الأسترالية الى باقة الغربية سيعود جثمان الطالبة المتفوقة "آية مصاروة" محملا بحطام الأمنيات..

صدمة هزت كيان الانسانية، وكأن المرأة العربية كتب على جبينها أن تكون ضحية للعنف أينما كانت..

الطالبة المتفوقة المرحومة "آية سعيد مصاروة" 21 ربيعا من عمرها اغتالتها يد الاجرام لتنهى حياتها بطريقة غادرة بشعة، قتلت "آية" في غربتها، ولطخ دمها "العفيف" معالم الحرية لتبقى ذكرى للانسانية أن آية حلمت، وتمنت، وسعت، وتغربت ..وبنت قصرا لأحلامها بين الغيوم .. ففاضت روحها الى أعلى السماء ..وها هو جثمانها في طريق العودة الى البلاد بين تلك الغيوم الحزينة، لتقطع جذور أمنياتها وتضعها في ذلك التابوت مع كفنها الأبيض الملطخ باللون الأحمر، والمحبوك بخيوط آمالها المحطمة.. لتذهب بها الى دار الخلود حيث لا خوف، لا عنف، لا قتل.. حيث يرقد الجثمان مع حطام الأحلام والامنيات بسلام.

آية التي عرفت بتفوقها الأكاديمي، كانت تتواجد في مدينة "ملبورن" الاسترالية لإكمال دراستها ضمن منحة دراسية في جامعة "لاتروب" والتي حصلت عليها من جامعة "شنغهاي" الصينية حيث كانت تتعلم وتقيم هناك مع والدها رجل الأعمال "سعيد مصاروة".

في مساء يوم الأربعاء الماضي 16/1/2019 تعرضت الضحية لأعتداء اجرامي همجي في ضاحية "بندورا" قرب محطة الترام شمال ملبورن، أثناء اجرائها مكالمة هاتفية مع شقيقتها في باقة الغربية، حيث هاجمها المجرم بعد وقت قصير من نزولها من الترام الذي كانت قد استقلته في طريق عودتها الى البيت بعد أن كانت في دورة تدريبية لتعليم اللغة الانجليزية وتلاها حضورها عرض كوميدي مع أصدقائها، حيث قالت شقيقتها نور أنها سمعت صوت الهاتف وهو يسقط على الأرض خلال المكالمة وسمعت أصوات أخرى، من بعدها انقطع الأتصال بآية... فاتصلت على والدها الذي بدوره اتصل على صديق له مقيم في مالبورن ليتابع الموضوع هناك... وللأسف تلقوا الصدمة من الصحافة الاسترالية التي أعلنت أنه قد تم العثور على جثة فتاة على بعد 50 متر من محطة الترام، وعثر على قبعة سوداء مكتوب عليها 1986 وقميص رمادي اللون بالقرب من مسرح الجريمة.

ومن الحري ذكره هنا أن الشرطه الاسترالية استطاعت خلال أقل من 48 ساعة من العثور على المجرم، في مهنية عالية وجدية تامة بغض النظر عن جنسية الضحية وبعيدا عن أي نظرة عنصرية، وبحنكة ودهاء لم نعتاد عليها من أجهزة الأمن والشرطة المحلية، التي يبرز دورها المتقاعس غالبا عندما تكون الضحية من الوسط العربي.


وربما لأن آية قتلت بعيدا عن وطنها، لم تحظى قصتها الأليمة بذلك الاهتمام والتضامن من مجتمعنا العربي والحكومة الغافلة، على عكس ما حدث في المجتمع الاسترالي الذي أحدث انتفاضة عارمة احتجاجا على انتهاك حقها في العيش بأمان في بلدهم، وسلب حياتها على يد مجرم متطرف..

ردود الأفعال التي لاقتها الجريمة هزت كيان قارة استراليا بأكملها، وأحدثت ضجة كبيرة في وسائل الاعلام والصحف الاسترالية، بالاضافة الى سياسيين وناشطين اجتماعيين واطر طلابية ومؤسسات حقوقية كلها استنكرت الجريمة واعلنت تضامنها مع والد الضحية الذي طار الى استراليا فور وصول الخبر للتعرف على جثة ابنته..

كل هذه الضجة والتضامن والاستنكار كان اكبر واعمق من ذلك الذي حدثت في موطن "آية مصاروة"!!
هل انعدمت لدينا الانسانية؟؟ أم اننا اعتدنا على رائحة الدم؟؟ ام أن جرائم القتل اصبحت جزء من اسلوب حياتنا وماعادت تحرك فينا ساكنا؟؟
ودع الاستراليون جثمان آية ووالدها المكلوم.. "آية" الغائبة عن احضان والدها وعائلتها منذ أشهر باحثة عن العلم، و" والدها" الذي سيرافق نعش ابنته في رحلة سفر هي الأطول والأقسى والأصعب في تاريخ حياته ..

وباقة الغربية توشحت بالأسود، تنتظر وصول جثمان آية ليتم تشييعها الى مثواها الأخير..

وعائلتها المكلومة سترافقها الحسرة مدى الحياة على فقدان فتاة في عمر الزهور كانت عنوانا للنجاح والأدب والتفوق، قتلت أحلامها الوردية على يد حماقة عديم الانسانية الذي انهى حياتها بهمجية ووحشية.