ماذا يحدث عندما يزور فرويد الإدارة المدنيّة

 
ماذا يكْمُن في العبارة "تقع الأرض في منطقة يهودا والسامرة"، أيّة خبايا تكشف المحادثات مع وبين الجنود ومحققي الاستيطان وكيف تكشف هذه المحادثات نوايا الإدارة السياسيّة

بقلم : عميره هس | هآرتس، 13.1.2019 ترجمة: أمين خير الدين 

   
ماذا تفهمون من القرار"تقع الأرض في منطقة يهودا والسامرة"؟ قبل أن نجيب معا، ثمّة ملاحظة أوليّة: الحديث مع وبين الجنود يكشف خبايا فرويديانيّة لمحققي الاستيطان في إسرائيل. خبايا بريئة من كلّ معاني الدعاية، يكشف الجنود بدون أيّ كبت الخرائط التي تضعها القيادات بمختلف مستوياتها في الغرف السريّة. لكن هذه القيادات تعرف كيف تُخفي، وتعتّم، وتموّه نواياها ونوايا أسيادها السياسيّن .
   
في حياتي لن أنسى كلمات الضابطة الجديدة في مكتب منسق الأعمال في الأراضي المحتلّة، حين شرحت لي سنة 1995 أنهم لن يعطوا النساء والأولاد من غزّة تصاريح سفر سنويّة للضفة الغربيّة، لأنه "لا يوجد سبب للسفر". بجواب واحد بريء كشفت نوايا الإدارة السياسيّة، هذه النوايا التي تُنفّذ اليوم بكاملها: فصل السكان في قطاع غزّة عن السكان في الضفة الغربيّة. كذلك عبّرت عن مستوى عقليّة السجان الإسرائيلي (إن أولاد العرب، بعكس أولاد اليهود لديهم حُبّ استطلاع وتعطُّش للمغامرات وثروة ثقافيّة، لا يحتاجون للسفر بدون سبب وفقط من أجل الكَيْف). ويُحْسَب لصالح الجندي الذي منع نشيطي منظمة تعايش من ترميم الشارع الموصل إلى قرية جِنبا جنوبي جبل الخليل. "هنا دولة إسرائيل"، وأشار على "منطقة سي" الأرض التي نقف عليها بأقدامنا، ومن خلال تفسيره لمنع إدْخال تراب أو حجارة صغيرة إلى مَطَبّاتٍ ( يعرف العمال أنهم إن أحضروا معهم أدوات عمل يصادرها الجنود). عن بعْد عشرات الأمتار تألّق شارع الإسْفِلْت الواصل إلى البؤرة الاستيطانيّة متصبي يئير. بكل سذاجة، طرح الجندي أمامنا الواقع كما هو: في دولة إسرائيل ما يُعْمَل لليهود (بناء بُنْيَة تحتيّة) يُمْنَع عن الفلسطينيين.
     
 نعود الآن للقرار"تقع الأرض في منطقة يهودا والسامرة". أولا، يتضح من صيغة العبارة أن المتكلم يؤيّد الاحتلال. وإلاّ لكان يمكن أن تكون "الضفة الغربيّة" تعريف موضوعي تحوّل مفهومه لتآمري. ثانيا، المقصود هو ال – 5860 كيلومتر مربع التي كانت جزءاً من المملكة الأردنيّة لغاية حزيران 1967، ومنذ ذلك التاريخ هي تحت سيطرتنا. في 5 فبراير/شباط 1968 قدم عضو الكنيست اليعيزر شوستاك، عضو "المركز الحر"، استجوابا- احتجاجيّا في الكنيست، كُتِب فيه: "أعضاء الحكومة، والناطقين باسمها، ومن بعدهم الصحافة، يستعملون اصطلاح ,الضفة الغربية’ كتعريف للمناطق المُحرّرَة في الحرب من الاحتلال الأردني". كتبه بأسلوب احتجاجي،وقد طلب شوستاك من رئيس الحكومة في حينه ليفي أشكول، تغيير المصطلح. هذا هو المدوّن في أرشيف الدولة، وفي رسالة من يناير/ كانون الثاني 2016. وهنا ، في 28 يوليو/تموز 1968 نشرت جريدة "معاريب" باختصار، أن " لجنة الأسماء الحكوميّة التي بجانب ديوان رئيس الحكومة تعود وتعلن ... أنها أطْلَقت الاسم يهودا والسامرة على ما كان يُسمّى بالخطأ ’الضفة الغربيّة’".

  
 يتضح أن هذه الأراضي المُحرّرة في يهودا والسامرة قد قُلِّصَت بحوالي 140 ألف دونمٍ، وخاصّة في الآلات الكاتبة التابعة لضباط الإدارة المدنية. وفي رد على توجّه "مركز الدفاع عن الفرد" ، بموجب قانون حرية المعلومات، صرّح ممثل الإدارة المدنيّة أنه، من سنة 2014 لغاية 2018، صودق على عدد من طلبات التصاريح لدخول الأراضي اللفلسطينيّة الواقعة خلف جدار الفصل ورُفِض عدد آخر. وعن قَصْد أعود لهذه الوثيقة المُذْهِلة، لأنها توضح حجج الرفض. على سبيل المثال: لعدم وجود إثبات أو توقيع، الأراضي تافهة لا تحتاج لزراعة. وتذكر من بين ما يُذْكر الحجّة الغريبة، "تقع الأرض في منطقة يهودا والسامرة" (أي شرقي جدار الفصل). بما معناه، لأنهم يتمتعون كثيرا بإضاعة الوقت والمال على التوثيق الإسرائيلي، ثمّة فلاّحون طلبوا من إسرائيل تصاريح دخول إلى مناطق لا تحتاج تصريحا. وبعد تدخّل "المركز" اتضح خطأ الإدارة المدنيّة.
     
لكن ما يهمّنا الآن التسمية الداخليّة. يمكن ألآن فهم أن منطقة يهودا والسامرة هي المنطقة التي كانت تحت سيطرة الأردن لغاية حزيران 1967، ناقص المنطقة التي كانت بين جدار الفصل الفاشل وبين الخط الأخضر، إذا لم تكن هذه منطقة يهودا والسامرة – إذن هذه دولة إسرائيل، كجَيْب الليترون بقراه الثلاث التي هدمناها، وضُمّتْ فعليّا منذ زمن بعيد. مجموعة، "وتمتد غربا وشرفا وشمالا وجنوبا" من المؤكد أنها لن تحتجّ على تقليص كتل التراب المقدّسة في غربي منطقة يهودا والسامرة من أجل مواطنين عمليا هم في إسرائيل. المهم ألاّ يستطيع الفلاّح الفلسطيني من زراعة أرضه على مدى شهور وسنين، حتى ينساها.
      
نعود ونكرّر: إن الحُجّة في الصياغة الفرويديانيّة تؤكّد ما كنّا نعرفه وما استُنْكِر: منذ البداية، مَن أقام جدار الفصل داخل الضفة الغربيّة سعى ليجعل الاراضي الواقعة غربي الجدار أراضٍ إسرائيليّة. وحسب نظام الترخيص المُنْهِك الذي ابتكرته الإدارة المدنية، الموضوع موضوع نظام فصل عنصريّ وأكثر.
     
 الأراضي الواقعة غربي جدار الفصل هي أراضٍ فلسطينيّة خاصة أو مشاع عام، لكن الفلسطينيين يُمْنَعون عن الدخول إليها إلّا بتصريح خاص، يعطي لفئة قليلة ونادرا (نعود ونكرّر: إنّ 72%من أصحاب الأراضي الذين طلبوا تصاريح دخول لأراضيهم سنة 2018 - رُفِضت طلباتهم). لمّن معه تصريح دخول إلى إسرائيل ولمَن عمره أكثر من 55 سنة مثلا، وغير مُلْزَمين بتصاريح – ممنوعين من التجوّل هناك - في الأحراش الطبيعية وفي كروم الأشجار التي زرعها آباؤهم وجدودهم خلال عشرات السنين. إذا ضُبِطوا هناك، يُعاقَبون. إذن مَن يمكنه أن يتمتتّع من الأرض الخضراء هذه، بدون انتظار لتواقيع مُذِلَّةٍ؟ الإسرائيليّون فقط، والسائحون ايضاً. انظروا كيف يمرّ هذا علينا بهدوء.