.png)
ألا يكفي ...؟
بقلم : أمين خير الدين
كثيرا ما أسأل نفسي، "لماذا، وإلى متى هذا الإدمان على ترجمة المقالات؟ لماذا تستيقظ كل يوم، وبعد الاغتسال تجلس للكتابة؟، وكأنّك موظف حان موعد دوامه، فلا يتأخر، كعادته، عن عمله، وكأنك تتقاضى أجرا على ذلك؟!! والحقيقة أنك تقوم بذلك بدون أجر. ولا أحد من حولك، قريبا أو بعيدا، يقرأ ما تترجم، سوى قلّة "مُدْمِنة" القراءة أو الكتابة، لأنه ليس بين أمّة إقرأ والقراءة أي عمار، وليس هذا فقط هناك كثيرون يتمنّون، أن تُشلّ يدك، أو على الأقل، أن تكفّ عن هذه "الهواية" بدوافع شتّى! لا لزوم للخوض بها، وهناك من الصحف التي تدّعي العروبة والقوميّة وحريّات الشعوب، ترفض نشر مثل هذه المقالات المترجمة والتي تتعاطف مع شعبنا الواقع تحت الاحتلال، إلآّ إذا غيّرت هذه الصحف في المقال لما يحلو لها، ويرضي غرورها، ضاربة بعرض الحائط أمانة الترجمة، والمسؤولية فيها، والمساءلة القانونيّة، وما كتبه، وما قَصَدَه صاحب المقال ألأوّل، كما أن بعض الأصدقاء المخلصين نصحوا بالتوقف عن ترجمة مقالات جدعون ليفي على الأخص، بعد ترجمة أكثر من مائة مقال له، وإصدارها بكتابَيْن، وهدفهم التنويع، ونصحوا بترجمة مقالات لغيره من الكتاب اليهود المستنيرين الذين يكشفون جرائم الاحتلال، وسياسة الإدارة المدنية، وتعسّف جيش الدفاع الإسرائيلي، وحرس الحدود، والمستوطنين في الأراضي المحتلة، سواء كان ذلك في الضفة الغربيّة المُحتلّة بمناطقها الثلاث A.B.C، أو في قطاع غزّة المحاصر منذ سنة 2006، بعد نجاح حماس في الانتخابات التشريعيّة، وذلك قبل دخول حماس إلى غزة سنة 2007، ثم شدّدَت إسرائيل هذا الحصار في حزيران 2007،
قبلت نصيحة صديقي بدأت بترجمة مقالات عميره هس، ولكني لم أتوقف عن ترجمة مقالات جدعون ليفي، لأني أرى نفسي أمام كاتب عملاق عالمي بأفكاره ومشاعره الإنسانيّة، وتفانيه من أجل المظلومين، وشجاعته، ومخاطرته في قول الحقيقة، والدفاع عن الواقعين تحت احتلال لا مثيل لغطرسته في العصر الحاضر، وترجمت لغيرهما من الكتاب المستنيرين، طبعا بعد الموافقة، فترجمت عشرات المقالات، وذلك فقط بدافع الغضب والاستنكار مما يقوم به جيش الاحتلال وحرس حدوده من أعمال لا إنسانيّة في الأراضي المحتلّة.
ألا يكفى ...؟؟
أقول لنفسي كفى! إلى هنا يكفي، لكن، على ضوء قانون القومية المُسْتّفِزّ، القديم الجديد، العنصري، ما أن أرى مقالا عن نهب اراضي الفلاحين، وعن ترحيل هادئ وهادف لتفريغ البلاد من الفلسطينيين، سكانها الأصليين، من أجل ترسيخ الاحتلال، واستقدام المستوطنين الأغراب الغاصبين المُعْتَدين، أو ما أن أرى مقالا عن: لافتة عند مذخل أي قرية عربية، كالتي وُضِعت عند مدخل كفر قاسم، بغض النظر عن الطائفة التي تنتمي إليها القرية أو المدينة، تثير المخاوف من تهجير، أو طرد، أو اعتقال، أو تثير الخوف من نكبة مُخَطَّط لها، لأن العنصريّة لن تفرق بين الطوائف غير اليهوديّة، وحتى لو كان على الأمد البعيد، أو اقتحام جنود الاحتلال لبيت آمِن في أنصاف الليالي، أو إطلاق نار على فتى، أعزل، لا يحمل سلاحا ناريا، أو آلة حادة، أو حتّى مفكا، أو حجرأ، ولا يشكّل خطرا عليهم، أو اعتداء على فتاة في ساحة بيتها كعهد التميمي، واعتقالها مع أمّها ...، أو عدم مبالاة بمقتل العربي، لأنه عربي فقط، أو تكريم لقاتل العربي كأزاريا أو العامل في السفارة الأردنيّة الذي قتل شخصَيْن أردنيين، واعتبره نتنياهو بطلا ، وغيرهما ممَن يُنْعَتون بالأبطال لأنهم قتلوا عربا، وهم كُثُر، يُنْعَتون بالأبطال ويُكرمون، ويرفّعون بالوظائف، وقد يصبحون في يوم ما أعضاء كنيست، أو وزراء أو رؤساء حكومات. الاعتدائات والاقتحامات والجرائم التي ترقى لدرجة جرائم حرب، أكثر من أن تُعَدّ، وانتهاكات حقوق الإنسان حدِّث ولا حرج، والغطرسة حدودها تبدأ من تحت الأقدام وتبلغ في وقاحتها السماء. تتحرك بتسارع مع الأحداث ومع الزمن، والكلّ من حولي، قريب أو بعيد، لا يبالي، يجري مع الزمن بروتين طبيعيّ، يزيد من الماساة، فالجأ إلى التنفيس عن طريق مقال لكاتب مستنير، أترجمه لأنه من قلب الحَدَث، فيه من الحقيقة ما يُفْحِم مَنْ لا يرى من الغربال، ويرقى أيضا لدرجة توثيق جرائم الاحتلال وجنوده وحرس حدوده والمستوطنين، ورغم ذلك ربّما هو أيضا - أي الكاتب العبري - يصرخ في وادٍ لا صدى فيه.
ومع ذلك، ومع كل ذلك، لا يكفي... .
15/01/2019 07:35 am 4,782
.jpg)
.jpg)