العدالة الزائفة بين الواقع ومنظور الأخلاق.



بقلم : غدير ابراهيم


الكارثة الكبرى التي تقف عائقا خطيرا في وجه التقدم البشري على المستوى الإنساني والأخلاقي، تكمن في الفجوة الهائلة بين تناقل الأخلاقيات وأشكال التضامن المتعددة من خلال المؤسسات الاجتماعية بدءاً من الأسرة والمدرسة ووصولا إلى المنظمات الحقوقية، وبين إيدلوجيات تطبيق هذه الأخلاقيات ودوافعها.


العالم زاخر بجماعات وأفراد ومنظمات يهتفون بضرورة تطبيق عدالة شاملة وتحسين مستوى الحياة للمجتمعات الفقيرة والمضطهدة بتسليط إعلامي رنان وملفت على هذه النشاطات، لكن دون وصول حقيقي للغاية بشكل فعلي، ولو كان حقا الهدف وراء هذه النشاطات إنساني بحت لجاءت المطالبات تنادي بإزالة كافة الفوارق الحياتية المادية بين الطبقات المرفهة والطبقات الكادحة، فكل مانراه من أعمال خيرية سواء كانت فردية أو رسمية، غالبا -وربما دائما- ما تأتي كجانب تكميلي للأعمال الأكثر أهمية لأولئك المحسنين، المشكلة لا تعالج على أنها أمر خطير ينبغي معالجتها بكامل الطاقات المتاحة مطلقا، بل مجرد حالة فرضتها الحياة يتم التعامل معها باجراءات لا تضر بالطبقات البرجوازية،فبالواقع لا تأتي المساعدات الإنسانية إلا بعد أن يعيش البرجوازي كامل رفاهيته وبذخه على حساب الأغلبية الساحقة، و أكثر ماهو مثير للسخرية أن أولئك المطبلين للإنسانية والبكاءين على حالات الفقر والبؤس هم نفسهم أولئك الراكضين وراء أسلوب الحياة الأرستقراطي، وهنا يمكننا أن نجد العقدة الحقيقية لهذه الكارثة التي لم تسويها الحضارات الإنسانية المتتابعة، وحجم التناقض الهائل بين الخطابات والفعاليات الرنانة وأسلوب الحياة الباذخ الذي أصلا هو التجسيد الأول للاعدالة!

رغم هذا التقدم التكنولوجي والصناعي الهائل الذي وصل إليه الإنسان المعاصر إلا أنه لازال في حالة انحطاط أخلاقي وإنساني مدقع.


بحكم تجربتي الحالية بالتنقل والاحتكاك بالناس بطرق مباشرة وغير مباشرة لم أر بالإنسان المعاصر رغم هذا المستوى الحضاري الخيالي الواصل إليه سوى آلات متحركة تبرمجت عقولها بطريقة مخزية على أنماط حياتية بعيدة كل البعد عن الحضارة بجوهرها الإنساني.

مابين بائس ومتنعم، فقير وغني، مريض وسوي، قوي وضعيف، هناك فقر فكري خطير يهدد العالم بحرب حاسمة تهلك هذا الكوكب البشري.

العالم ليس بحاجة لمزيد من الاختراعات والصناعات وتطوير سبل الراحة لفئات معينة بهذا التسارع الهستيري، بقدر ماهو بحاجة لإعادة خلق إنسان حقيقي لايركض هائما خلف غرائزه البراقة وأنانيته المسخة، كل هذه المنظومة العالمية (الاقتصادية، والسياسية) كذبة كبيرة اخترعها البرجوازيون والمجتمعات الرأسمالية والصناعية لملء بطون الجشعين على حساب البقية، أو بمنظور آخر على حساب الشعوب.

من الجدير أن ينظر للحياة المعاصرة بالعين الإنسانية العميقة بعيدا عن كل هذه البهرجة الزائفة للحال القائم، حتى لو بدا الأمر مضحكا وأقرب جدا للمستحيل.. كل ثورة بدأت بفكرة.