كيف يمكن ألاّ نحني رؤوسنا أمام الفلسطينيين؟


بقلم : جدعون ليفي هآرتس،29.11.2018 ترجمة: أمين خيرالدين 

        
حتى لليسار الراديكالي ثمّة هاجس: الاحتلال. ليس هناك هاجس أصدق من هذا الهاجس، لأن الاحتلال بنفسه ظاهرة مفروضة. عكس غيره من الهواجس، ممّا لدى اليسار الصهيوني، مثلا، هاجس الاحتلال ليس شذوذا عن القاعدة، إنما هو العمل بموجب القاعدة. عندما يتعلق بمسألة مصيريّة – ليس هناك أكثر مصيريّة منه بالنسبة لعُمْق حقيقة دولة إسرائيل -- ولذا لا يمكنه إلا أن يكون مفروضا.
      
هذا وأيضا، الحاجة للهاجس مُلْزِمة إزاء كَبْت المجتمع، الإعلام والجهاز السياسي الإسرائيلي. يتكلّمون عن كلّ شيء هنا، إلاّ عن الاحتلال. لذلك عندما يتعلق الأمر بأمر مصيريٍّ، يوشك كل المجتمع على الهروب منه كما يهرب أمام النيران، عندئذ لا بُدّ إلاّ أن يتحوّل الاحتلال إلى أمر مفروض. ككل شيء قسْرٍيّ، يتذبذب. ليس ككل ذبذبة، ذبذبة الاحتلال هي حشرجات الحياة الأخيرة تقريبا لمجتمع يحتضر أخلاقيّا، مجتمع يعيش بتنكّر شديد -- وقليلة هي المجتمعات التي تعيش بالكذب على نفسها كهذا المجتمع.
      
لكن الخطأ ممنوع: قبل كلّ شيء، الضحايا الأُوَلُ للاحتلال والأكثر إثارة للعطف هم الفلسطينيون وليس الإسرائيليين. اليسار الصهيوني لا يهتم بمصيرهم. وإذا ما دسّ يده بالنار، تكون دائما مُلطّخة بالتباكي الدائم للإسرائيليين: انظروا ماذا يسبب لنا الاحتلال، كيف يشوّهنا، يجب إنهاؤه لأننا نريد العَيْش في دولة يهوديّة، نهايته ستنفجر في وجوهما.
     

نحن، نحن ونحن. حقا إن الاحتلال يشوهنا أيضا، لكننا لسنا أوّل ضحاياه. من واجبنا التعاطف مع معاناة الفلسطينيين، ومع التضامن يجب أن نعترف بخطئ الإسرائيليين، كل الإسرائيليين. سيكتفي اليسار العالمي بإبداء التعاطف مع الضحيّة، إنها لفتة إنسانيّة هامّة، لكن على اليسار الإسرائيلي أن يتحمّل المسؤوليّة المباشرة للاحتلال، المسؤوليّة التي يحملها كلٌّ منّا على كتفيه لكونه إسرائيليّا.
      
لكن اليسار الصهيوني لا يتعامل مع ذلك. تهرّبَ من التعامل مع نكبة 48 وتهرّب من التعامل مع نكبة 67. ليس لديه أيّ إحساس بالذنب بما سببناه خلال مئة و- 50 سنة. الشعور بالذنْب من صفات الضُعفاء، وليس من صفات اليسار الصهيوني، وطبعا ليس من صفات اليمين. لكن كيف يمكن أن تكون إسرائيليا مع ضمير وألاّ تحني الرأس أمام أبناء الشعب الفلسطيني؟ كيف يمكن ألاّ تعترف بالذَنْبٍ؟ وألاّ تتحمّل المسؤوليّة؟ إنّ ما سببته إسرائيل لهم منذ فجر الصهيونيّة وحتى هذا اليوم، بدون توقّف، هو من أشدّ أنواع القهر في التاريخ. مَنْ لا يعترف بذلك – أغلبيّة الإسرائيليين— على ما يبدو لا ضمير له.
     
 لنترك عذاب الضمير. كان يجب أن يحتل التعامل مع الاحتلال المرتبة الأولى في الحوار الإسرائيلي بسبب انعكاساته اليوميّة على الحياة اليومية وعلى ملامح الدولة. ليس هناك اليوم أكثر تعريفا لإسرائيل من الاحتلال، رغم كل إنجازات التجسّس والسايبر. يحاول اليسار الصهيوني مقاومة أعراض المرض، دون مقاومة الجرثومة المسببة للمرض؛ يتعامل مع التوابع، وليس مع الورم الرئيسي. معظم التشريعات العنصريّة للحكومة من أجل تأسيس الاحتلال وترسيخه، بدءا من قانون الولاء في الثقافة وحتى قانون القوميّة، من قانون النكبة وحتى قانون الجنسيّة، الحملة الهوجاء على – BDS، وعلى شرطة الأفكار في مطار بن غوريون، وعلى محاربة المنظمات اليساريّة، وحتى على محكمة العدل العليا -- كل ذلك لترسيخ الاحتلال، ولتقويض جذور مقاومة الاحتلال وتأسيس بُنْيّة قانونيّة لهذه الاحتلال.
      
لولا الاحتلال، لما كانت ثمّة حاجة لكل هؤلاء، عمليا انتصر اليمين ميدانيّا، مع المستوطنات، ويريد الآن انتصارا شرعيّا. ويدرك اليسار الصهيوني أضرار هذه الإجراءات، ويحاول مقاومتها، وإذا فاز بالسلطة – سيتنكّر لمعظمها. لكنه يفتقر لأيّة أفكار جديّة لإنهاء الاحتلال. بدون ذلك، لا جدوى من التعامل مع التوابع، لأنك تقضي على تابعة فتظهر لك أخرى.