انعكاسات الانتخابات القادمة على الناخب العربي في السلطات المحلية


بقلم لطفي حجيرات


في الآونة الاخيرة نسمع عن ترشيح مواطنين لأنفسهم لانتخابات السلطات المحلية القادمة بعدة بلدات وقرى في الوسط العربي بشكل عام والوسط البدوي بشكل خاص , وذلك لا بأس به من الناحية القانونية لأنه يحق لكل مواطن بالترشح ما دام يشعر بانه اهل لذلك , لكن الواقع غير ذلك تماما خصوصا في القرى العربية التي تسودها الحمائلية والعشائرية , اضف الى ذلك ان السلطات المحلية العربية عامة لا تُدار وفقَ معايير سليمة ونزيهة على كلّ من الصعيد: المهنيّ، الإداريّ والتنظيميّ.


مما لا شك فيه ان هذا هو الاطار الوحيد الذي يعطي للمواطن العربي الشرعية بأختيار المرشح الافضل الذي يقود البلاد الى مستقبل افضل , ولكن هل الواقع العربي يعكس ذلك ام ان هذه الانتخابات فقط شكلية ولا تتماشى مع آمال المواطنين في تطوير البلاد الى مستوى افضل وخاصة في قضية التربية والتعليم , وبالتالي يكون الرئيس المنتخب مجرد موظف لوزارة الداخلية وظيفته جباية الضرائب من المواطن .


هناك عدة اسباب لهذه الظاهرة


1.يعود السبب الأساس إلى تخصيص الموارد بشكل غير عادل، وبشكل خاصّ فيما يتعلّق بالميزانيّات المباشرة وتوسيع مناطق نفوذ السلطات.

2.الإدارة المختلّة التي تعمل بموجب معايير عائلية على مدى عشرات الأعوام، والّتي لبّها جهاز سلطويّ متكّئ ومستند على النفوذ الانتخابيّ الذي يتمتّع به رؤوس "الحمائل" (العائلات الموسّعة)، وليس على المهنيّة، النزاهة والإدارة السّليمة.

3.المجتمعات العربية القروية بشكل عام مجتمعات ذكورية أي ان القرار والسيطرة على الاغلب للأب وهي بجوهرها منظومة ترتكز على الأبوية والقوة، ، حيث أن رؤساء السلطات المحلية هم من الرجال، دون استثناء، معظمهم في سنّ متقدمة نسبيّا .

4.كذلك، يبلور النظام الحمائلي طابع الانتخاب لعضوية السّلطات المحلّيّة، لصالح الرّجال ذوي "مخزون الأصوات"، على حساب النّساء، الشبّاب والأكاديميّين.

5.عدم وجود قرار مستقل لاي شخص بالترشح , له ابعاد سلبية وذلك لان صانعي القرار حسب المنظومة الحمائلية لهم نفوذ وقوة اكبر على تصعيد النعرات العائلية ما يسمى بالضغط الاجتماعي على أي مرشح من اجل تحقيق مصالح واهداف شخصية ضيقة .


إلا أنّ قوة وتأثير "الحمائلية " لا يقتصران على يوم الإنتخابات فقط ، فنتائج الإقتراع ما هي إلّا تمهيد للإنتقال للمرحلة الثانية من السّيرورة، ألا وهي- مرحلة تنفيذ الوعود الانتخابية وهنا الطامة الكبرى . لذلك نجاح هذه المرحلة، منذ سنوات طوال، هو الذي عزّز "نفوذ الحمائلية " على الحلبة المحلّيّة ومكّن رؤساء "الحمائل" من أن يستمرّوا في السّيطرة على الجمهور الناخب، عن طريق شتّى أنواع الهبات السياسية والعائلية : تخفيضات بجباية ضريبة رسوم الأملاك (الأرنونا)، عقود غير قانونيّة، غضّ النّظر عن التّعدّي على المناطق العامّة، وفي أحيانٍ شائعة، توظيف الأقرباء في السّلطة.

 الحقيقة أنّ جزءًا لا يستهان به من السلطات المحلّية نشأت على أنّها شبكة عائليّة من الموظّفين، أدّت إلى أضرار وخيمة في المجتمع العربيّ في إسرائيل، على كلٍّ من الصّعيد المهنيّ (توظيف أقرباء بلا جدارة للوظائف)، صعيد الرّقابة والنّقد المطلوبَين في المؤسّسات العامّة ( حصول أقرباء على أجور عالية بغير حقّ) وعلى صعيد ثقة الجمهور وشرعيّة عمل السّلطة (الّتي صُوّرت كخادِمة "للحمائل" الفائزة فقط.

وبالفعل، يبدو أنّ تطوّرات إيجابيّة قد حلّت ضمن هذا المجال في السّنوات الأخيرة. فالوعي حول توظيف الأقرباء في ازدياد ملحوظ (كما حول قِيَم الإدارة السّليمة بشكلٍ عام)، تبلورَ جدل جمهوريّ يقِظ حول الموضوع، أُلغيَت العشرات من تعيينات الأقارب ، وبدأت السّلطات بترسيخ القواعد المتعلّقة بهذا المجال.

على أثر ما ذكرَ، من اللافت للنّظر الادعاء الزّاعم أنّ مكافحة الحمائلية في السّلطات المحلّيّة تمسّ بحقوق العمّال. اولا ، إنّ الأسلوب المتّبع على مدى سنوات بخصوص تعيين المقرّبين، مس مباشرة بحقّ عامّة العمّال والموظفين بالتنافس على الوظائف تنافسّا نزيهًا، موضوعيًا ومهنيّا. ثانيًا، إنَّ الهيكلة الحمائلية الواسعة والعلاقات الأهلية والاجتماعية الوطيدة، بالذات في المجتمع العربيّ، تستوجب قواعد حازمة وصارمة لتفادي قضايا توظيف أقرباء بشكلٍ غير قانونيّ، والذي من شأنه أن يلحق الأذى بالمجتمع كلّه. ثالثًا، الإدّعاء مستهجن خاصة حين يعلو من السّلطات المحلّية ذاتها التي هي، وفقًا للقانون، المسؤولة عن منع هذا النّوع من التّوظيف. 

فلتتكرّم السلطات المحلية العربية وتتممَ واجبها القانونيّ، الاجتماعي والأخلاقي.

إنّ الإدارة السّليمة وكبح الحمائلية هي قيم عالميّة، تظهر في كل الحضارات. أيّ محاولة، مكشوفة أو ضمنيّة، في تشريع معايير مرفوضة عبر منظور "تعدّد الحضارات" يهدف إلى تقويض أي وسيلة نقد موضوعيّة، وبالتّالي تسعى لتخليد الفساد. 

علاوة على ذلك، إنّ إستخدام آليّة الدّفاع العاطفيّة والتفاوت بين الحضارات لتشريع الحمائلية، لا أصل له من الصّحة، بل هو مهين. حصّة كبيرة من المجتمع العربيّ (في البلاد وخارجها) يمقت العائليّة والعشائريّة، وتشهد على ذلك الكتب، الأبحاث، المسلسلات والأفلام التي هاجمت هذه الآفة. 


المجتمع العربيّ ليس قطيعًا كما يحاول البعض تصويره، فهو يضمّ نخبة بارزة ممّن يبغضون الحمائلية والفساد ويطمحون للإدارة السّليمة والنزاهة في الأداء.

للأسف، في حلبة الفساد والإدارة السّليمة في السّلطات المحلّيّة العربيّة (وبخلاف موضوع توزيع الموارد، كما ذكر)، ينقصنا نقد ذاتي واعٍ وصريح. آن أوان البلوغ، آن أوان الالتفات للمرآة والتمعّن بانعكاس صورة الواقع والعمل بكل جهد على تحسينه.