كنوز نت - بقلم رانية مرجية


حين لا يكون الصمت غياباً… مرام حاج يحيى وسؤال الإنسان الذي يريد أن يُسمَع

  • بقلم رانية مرجية

ليس كلُّ صمتٍ فراغاً، ولا كلُّ صوتٍ دليلاً على أن الإنسان استطاع أن يقول ما يريد. ففي المسافة الغامضة بين ما تعيشه الروح وما تقدر اللغة على الإفصاح عنه، تختبئ واحدة من أعمق التجارب الإنسانية: أن يحمل المرء عالماً كاملاً في داخله، لكنه لا يجد دائماً الطريق الذي يعبر به إلى الآخرين.

نحن الذين نستخدم الكلمات بعفوية، لا ننتبه غالباً إلى امتياز اللغة إلا حين تتعثر. نطلب، ونجيب، ونعترض، ونبوح، ونصوغ ذواتنا بالكلام، حتى يبدو الصوت أمراً بديهياً لا يستحق التأمل. لكن ماذا يحدث حين لا تسعف الكلمات صاحبها؟ حين تسبق الفكرةُ اللسان، أو تعجز أدوات التعبير عن ملاحقة رغبة الإنسان في أن يُفهَم؟ عندئذ لا تعود المسألة شأناً لغوياً فحسب، بل تصبح متصلة بعلاقة الإنسان بذاته وأسرته ومجتمعه، وبحقه في أن يكون حاضراً ومفهوماً.

من هذا السؤال الإنساني يمكن الاقتراب من تجربة مرام حاج يحيى، أخصائية النطق واللغة، وابنة طيبة المثلث. فمجال اختصاصها يضعها عند نقطة التقاء العلم بإحدى أكثر الحاجات الإنسانية جوهرية: حاجة الإنسان إلى التواصل، وإلى إيجاد طريق يعبّر من خلاله عن ذاته ويصل به إلى الآخرين. وليس المقصود هنا تقديم سيرة مهنية أو إطلاق أحكام جاهزة، بل اتخاذ هذا المجال نافذة للتأمل في معنى أن نساعد الإنسان على أن يجد طريقه إلى الآخرين، وأن نعيد النظر في الطريقة التي نصغي بها إليه.

فاختصاص النطق واللغة، في جوهره، أوسع من التدريب على إخراج الأصوات أو ترتيب الكلمات. إنه معرفة بكيفية تشكّل التواصل، وبالفروق الفردية التي تجعل لكل إنسان مساره الخاص في التعبير والفهم والتفاعل. والعمل مع اللغة يقتضي أن نرى ما وراءها؛ أن ندرك أن الطفل الذي لا يجيب ليس بالضرورة طفلاً لا يفهم، وأن من يتعثر في الكلام لا تختصره عثرته، وأن اختلاف وسيلة التواصل لا يعني غياب الرغبة فيه.

ثمة عوالم لا تظهر للعين سريعاً، وطاقات لا يجوز الحكم عليها من خلال ما تستطيع الشفاه قوله في لحظة بعينها. ولهذا لا يحتاج العمل المتخصص إلى المعرفة العلمية وحدها، بل إلى الإصغاء وملاحظة التفاصيل واحترام إيقاع التطور، والتمييز بين ما يحتاج إلى تدخل مهني وما يحتاج إلى وقت ومساندة وبيئة آمنة. فالتقدم لا يُقاس دائماً بما يبدو كبيراً في أعين الآخرين؛ قد تكون كلمة واحدة، أو مبادرة تواصل، أو قدرة على التعبير عن حاجة، تحولاً عميقاً في حياة إنسان ظلّ يبحث عن طريقه إلى المشاركة.

والمفارقة اللافتة في هذا الاختصاص أنه يعمل مع الصوت، لكنه يبدأ بالإصغاء؛ ويعنى باللغة، لكنه يستدعي فهماً يتجاوز الكلمات. فالتواصل ليس مجرد تبادل للمعلومات، بل علاقة اعتراف متبادل: أن أراك، وأن أفسح لك مكاناً، وأن أقبل أن طريقتك في الوصول إليّ قد لا تشبه طريقتي في الوصول إليك.

ومن هنا، لا يمكن فصل قضية النطق واللغة عن سؤال الكرامة الإنسانية. فالإنسان لا يصبح أقل اكتمالاً لأنه لا يتحدث بطلاقة، ولا تقل قيمة أفكاره لأن التعبير عنها يحتاج إلى وسيلة مختلفة. وليست اللغة السائدة مقياساً وحيداً للذكاء أو الوعي أو الاستحقاق. إن حصر التواصل في الكلام المألوف يضع كثيرين خارج المجال الذي ينبغي أن يكون مفتوحاً للجميع، ويحوّل الاختلاف من حقيقة إنسانية إلى حاجز اجتماعي.


إن الحق في التواصل أوسع من القدرة على النطق؛ إنه حق الإنسان في أن يجد وسيلته للتعبير، وأن يُمنح الوقت والوسائل والبيئة التي تتيح له المشاركة. وهو ليس امتيازاً تمنحه المؤسسات أو الأفراد، بل أحد وجوه الاعتراف بالإنسان، وبحقه في الحضور والاستقلال وصناعة علاقاته وقراراته.

وفي هذا المعنى، يكتسب الحديث عن مرام حاج يحيى دلالته الأعمق؛ فمجال اختصاصها يضعها عند نقطة التقاء العلم بحياة الناس اليومية، حيث لا تبقى المفاهيم النظرية بعيدة عن الواقع، بل تتصل بعلاقة طفل بأسرته، وبقدرة شخص على التعبير عن احتياجه، وباتساع مساحة المشاركة داخل البيت والمدرسة والمجتمع. وهكذا تتجاوز أهمية هذا الاختصاص حدود الجلسة المهنية، لتلامس تفاصيل الحياة التي يصبح فيها التواصل أكثر إمكاناً، والعالم أقل غموضاً، والعلاقات أكثر قدرة على الاحتواء.

لكن هذه المسؤولية لا تقع على عاتق الأخصائي وحده؛ إنها مسؤولية المجتمع أيضاً. فليس كافياً أن نطالب الإنسان بأن يجد صوته، بل علينا أن نسأل أنفسنا إن كنا قد تعلّمنا الإصغاء إليه. وليس كافياً أن نحتفي بالتواصل، بل علينا أن نوسّع مفهومه كي لا نقصي من لا يتحدثون بالطريقة التي اعتدناها. فالمدرسة والأسرة والمؤسسة والمجتمع جميعها مطالبة بمراجعة تصوراتها، وتهيئة مساحات تستوعب اختلاف طرق التعبير، بدلاً من مطالبة الجميع بالتكيف مع نموذج واحد.

نحن نعيش زمناً تضاعفت فيه وسائل الكلام، حتى بات الصوت حاضراً في كل مكان، فيما تراجعت قيمة الإصغاء في كثير من الأحيان. نتحدث بسرعة، ونحكم بسرعة، وننتظر من الآخرين استجابات فورية، كأن البشر نسخ متشابهة من إيقاع واحد. وفي خضم هذا الضجيج، تبدو الحاجة إلى الإصغاء العميق أكثر إلحاحاً من الحاجة إلى مزيد من الكلام.

لذلك لا تكمن قيمة العمل في مجال النطق واللغة في جعل الأصوات متشابهة، بل في توسيع إمكانات التواصل، ومساعدة كل إنسان على بلوغ أفضل ما تسمح به قدراته واحتياجاته، من دون أن يفقد حقه في الاختلاف. هنا يلتقي العلم بالأخلاق: أن نعمل على تطوير القدرة، من غير أن نجعلها شرطاً لاستحقاق الاحترام.

إن الكتابة عن مرام حاج يحيى، ابنة طيبة المثلث وأخصائية النطق واللغة، ليست محاولة لوضع المهنة في إطار مثالي، ولا لإغراق التجربة في عبارات المديح. إنها مناسبة للتفكير في قيمة اختصاص يذكّرنا بأن الإنسان أوسع من أدائه، وأن صعوبة التعبير لا تعني فقر الداخل، وأن ما لا نستطيع سماعه ليس بالضرورة غير موجود.

فقد لا تكون أعظم لحظات التواصل تلك التي تُقال فيها الجمل الطويلة، بل تلك التي ينجح فيها إنسان، للمرة الأولى، في إيصال ما يريد. وقد لا يكون الإنجاز الأعمق أن يصبح الصوت أكثر طلاقة، بل أن يصبح صاحبه أكثر قدرة على المشاركة، وأكثر اطمئناناً إلى أن له مكاناً بين الآخرين.

إن المقياس الأصدق لإنسانية العالم ليس مقدار ما يتكلم فيه الناس، بل مقدار ما يتيحه لكل إنسان كي يُسمَع.

ولعلّ هذا هو المعنى الأبعد الذي يفتح عليه اختصاص مرام حاج يحيى: أن الإصغاء ليس انتظاراً للصوت، بل اعترافٌ بالإنسان قبل أن يتكلم؛ وأن اللغة، في جوهرها، ليست ما نقوله فحسب، بل ما نبنيه معاً كي لا يبقى أحدٌ خارج المعنى.