.png)
كنوز نت - علي هيبي*
كوّة نور على الشّاعر الجزائريّ مالك حدّاد* وقصيدته "إلى جميلة"
- علي هيبي*
غدًا سيكونُ المطرُ لكِ
والحصائدُ لكِ
وغدًا سنذهبُ لتحيّةِ الجزائرِ
كُنتِ هناكَ ضمانةَ العصافيرِ
المطرُ سيكُون لكِ
غدًا سنبني نصبَ الماضي
غدًا سيكونُ النّهارُ لكِ
وأيّ حليبٍ سيشربُهُ
الطّفلُ الذي ستُنجبينَه
هذا الطّفلُ جميلةُ
هلْ يكونُ أميرًا أمْ نصبًا تذكاريًا
غدًا سيكونُ المطرُ لكِ
في الجزائرِ الصّفحةُ البيضاءُ
بحُروفٍ بارزةٍ
سأصرخُ: جميلة!
ثُمّ إذا توجّبَ الأمرُ سأحسنُ الموهبةَ
أتأمّلُ اسْمَكِ يتطلّبُ قافيةً
منَ الخريفِ إلى الرّبيعِ
هو زمنُ السّوسنِ
بالعربيّةِ الجميلةِ
لها قامةُ الجُرمِ
وفي نَواحينا الشّرفُ يُدعى جميلة
*مالك حدّاد شاعر وكاتب وروائيّ جزائريّ، ولد في مدينة "قسنطينة" شرقيّ الجزائر، سنة 1927 وفيها عاش طفولته وتلقّى تعليمه باللّغة الفرنسية. ومن ثمّ سافر إلى فرنسا ونال الإجازة في الحقوق، ولمّا عاد أصدر مجلة «التّقدّم» وشارك في الثّورة الجزائريّة. كان يرى بينه وبين المدرسة الفرنسيّة حاجزًا بين ماضيه وتاريخه أكبر من البحر الأبيض المتوسط الذي يفصل بين الجزائر وفرنسا. ولكنّه كان يُؤرّخ بشكل خاصّ لميلاده قائلًا: " لقد ولدت في صباح 8 أيّار، سنة 1945"، هذا اليوم الذي سيبقى "العار الفرنسيّ" وعار الضمير العالميّ، ففيه أقدم الاستعمار الفرنسيّ على قتل أكثر من خمسة وأربعين ألف جزائريّ خرجوا متظاهرين، يطالبون بالحريّة عبر شوارع بعض المدن الجزائريّة، اختار مالك أن يكون يوم "مجازر مايو" هو يوم ميلاده.
انتقل مالك حدّاد كما تذكر حلقة "تأمّلات" في تاريخ 20/5/2025 إلى فرنسا والتحق بكلية الحقوق بمدينة "آكس أون بروفانس"، وعاد بعد استقلال بلاده إلى قسنطينة، وأشرف على الصّفحة الثّقافيّة لصحيفة "النّصر" اليوميّة، كما عمل في مجلة "آمال"، لينتقل بعدها إلى إدارة الحياة الثّقافيّة في العاصمة بعد تعيينه مديرًا للآداب والفنون في وزارة الإعلام والثّقافة، وتولّى بعدها أمانة "اتّحاد الكتّاب الجزائريين"، في الفترة ما بين 1974 و1978، في ظلّ رئاسة هواري بو مدين للجزائر. وقد عمل مالك حدّاد معلّمًا لفترة قصيرة، وتنقّل بعدها بين مدن وبلدان عدّة منها: باريس، القاهرة، لوزان، تونس، موسكو، نيودلهي وغيرها.
تميّز إنتاجه بنفحة فلسفيّة، هادئة، لكنّها تنطوي على ثورة داخله وتعبّر عن ثورة الغضب الجزائريّ، الوطنيّ والثّائر المكافح ضدّ الاستعمار الفرنسيّ، الّذي أراد فرنسة الجزائر حتّى بإلغاء اللّغة العربيّة واستبدالها بالفرنسيّة، وقد ألّف حدّاد معظم إنتاجه الأدبيّ والثّقافيّ بالفرنسيّة، بعد أن حرمته فرنسا من لغته الأمّ، وقد اعتبره البعض "شهيد العربيّة"، عاش الروائيّ الجزائريّ حالة اغتراب لغويّ، وشكّلت اللغة الفرنسيّة سجنًا له، ووقفت حاجزًا بينه وبين أبناء جلدته الذين لا يتقنونها، واعتبرها منفاه واعتزلها غداة الاستقلال. وكانت أهمّ مقولة تؤكّد اعتزازه بقوميّته قوله "نحن نكتب بلغة فرنسيّة، لا بجنسيّة فرنسيّة"، وظلّ يذكر في كلّ أعماله بأنّه ليس فرنسيًّا وأنّه جزائريّ عربيّ. ولذلك لم تكن شخصيّات رواياته أجنبيّة فقط بل عربيّة، كما وظّف ألفاظًا وكلمات تبيّن للقارئ عامّة، وللجزائريّ خاصّة، أنّه يحمل القضيّة الجزائريّة وأنّ هويّته عربيّة جزائريّة.
ولم يغب الوطن والإنسان والحلم بالحرّية عن قصائد حدّاد الّتي نشرها، إذ يقول:
"لي صباحٌ منْ أجلِ الشّمسْ
أهديكِ نهارًا
أتوسّلُ الموجةَ كيْ لا تغرقَ
كيْ تذهبَ صوبَ وطني
وتروي لهُ حبّي الكبيرْ"
وكان يردّد: "من السّهل جدًّا أن أكون رجلًا مثل سائر الرّجال ولكن أن أكون إنسانًا، فهذا هو الأمر الصعب، وهذا هو الأمر المهمّ".
له مجموعة من المؤلّفات الرّوائيّة: "الانطباع غزالة" 1958، "سأهديك غزالة" 1959 "أنا المعلّم والتلميذ" 1960، "رصيف الورود لم يعد يجيب" 1961، وله ثلاثة دواوين شعريّة "الشّقاء في خطر" 1956، "أنصت وأناديك" 1961، وله دراسة بعنوان "الأصفار التي تدور في الفراغ" 1961. توقّف الرّوائيّ الجزائريّ عن الكتابة وهو في الـ 35، ولكنّه تحوّل إلى مدرسة أدبيّة في الرّواية والشّعر، ورحل في الذّكرى الـ 16 لاستقلال الجزائر التي ناضل لأجلها بقلمه وفكره.
كان يقول حدّاد: "أنا أكتب باللغة الفرنسيّة حتّى أقول للفرنسيّين: "أنا جزائريّ". وربّما تمنّى أن يكتب باللّغة العربيّة ليقول للجزائريّين: "أنا أكتب بلغتي لأقول لأبناء وطني كونوا جزائريّين، وافخروا بجزائريّتكم وبثورتكم وبهويّتكم وبلغتكم".
مالك حدّاد هو ابْن الجزائر الأصيل، التي عانت من الاستعمار الفرنسيّ قرنًا 132 عامًا، حاول الفرنسيّون خلال تلك الفترة طمس الهوية العربية وجعل الثّقافة الفرنسيّة هي المصدر في كلّ شيء فكان نتيجة ذلك أن تخرّج جيل وهو لا يعرف من لغته العربيّة سوى أقلّ القليل، منهم كان مالك حدّاد الذي قال ذات يوم أثناء محاضرة له بالفرنسيّة في دمشق عن الثّورة الجزائريّة التي كانت في عنفوانها: "إنّ مأساتي تتجلّى الآن بشكل أعمق، إنّي أقف أمامكم، لا أعرف كيف نتفاهم". كان يحلم بغد أفضل، بجزائر حرّة، لم يقوقعه حزنه على الوطن المستباح، بل انطلق مخاطبًا الفرنسيّين بلغتهم عبر شعره وثقافتهم الّتي استمدّها منهم فكانت معولَه لهدم القهر والعبودية. هو من جيل الأبطال الّذين لم يرضَوا بالهوان ولم يتقاعسوا عن خدمة وطنهم ولو بحرف.
بعد استقلال الجزائر قرّر أن يتوقّف عن الكتابة مصرّحًا بجملته الشّهيرة: "اللّغة الفرنسيّة منفاي، ولذا قرّرت أن أصمت". وهكذا مات مالك حدّاد بسرطان صمته، ليكون أوّل شهيد يموت عشقًا للّغة العربيّة. ومع ذلك ترجمت معظم أعماله إلى العربيّة علي يد المثقّفين والباحثين المهتمّين بإنتاجه من العلماء والهيئات الثّقافيّة في الجزائر خاصّة والعالم العربيّ عامّة. ومن أشهر هؤلاء: سليم بوفنداسة، نادية قمراويّ، شرف الدّين شكري، السّوريّة ملك أبيض، حنفي بن عيسى وجمال الدّين طالب. وهناك من اعتبر أنّ مالك حدّاد لم يعد منفيًّا في الفرنسيّة بعد أن ترجم إلى العربيّة.
توفّي حدّاد سنة 1978، وبعد أكثر من عقد على وفاته أنشأت الكاتبة الجزائريّة أحلام مستغانمي جائزة تحمل اسْم "مالك حدّاد الأدبيّة"، تخليدًا لذكرى شهيدها وتكريمًا للعربيّة الّتي أحبّها، فهل يجود لنا الزّمان بمثل مالك؟
في الذّكرى الثّامنة والثّلاثين لرحيله، لعلّ أجمل احتفاء وأسمى تحيّة يمكن رفعها لروح الفقيد الكبير، أنْ "نقوله" باللّغة العربيّة، الّتي تمنّى أن يغرّد بها، وهو الّذي صرخ ذات يوم: "الفرنسيّة منفاي"، بعد استقلال الجزائر، وتوقّف عن الكتابة بها معبّرًا عن مرارة التّعسّف الاستعماريّ، الّذي جعله لا يقدر على التّعبير بالعربيّة. ومن ديوانه الثّاني "انصت وسأناديك" الّذي ترجمه جمال الدّين طالب اخترت هاتيْن القصيدتيْن والقصيدة الأولى "إلى جميلة".
"شعرٌ ينهضُ
أقدّمُ ابتسامتي
أمدُّ نحوكِ
المولودَ الجديدَ
ونحوَ الآخرينَ
هذا التوازنَ التّقريبيَّ
بينَ الاحتقارِ الواجبِ
وموهبةِ الخارجينَ على القانونِ"
* * *
"ينبغي منْ كلِّ شيءٍ
لصناعةِ حُلمٍ
ليمونٌ ومحاراتٌ
لؤلؤةٌ
ورجالْ"
تعتبر قصيدة "إلى جميلة" تعبيرًا ثوريًّا ناضجًا لشاعر جزائريّ، من خلال اختزال الجزائر العربيّة المكافحة من أجل التّحرّر بشخصيّة المناضلة "جميلة بوحيرد"، وهي المرأة الّتي تجسّدت فيها الثّورة فكانت رمزًا لها ونموذجًا صادقًا، إنّها اختزال التّاريخ المشرّف بماضيه الكفاحيّ وغده الوطنيّ المشرق، لقد كرّر الشّاعر "غدًا" خمس مرّات كي يؤكّد جمال المستقبل الجزائريّ المستقلّ والنّقي من كلّ دنس استعماريّ فرنسيّ، هذه الدّولة الاستعماريّة الّتي كانت تجبر الأطفال العرب الجزائريّين أن ينشدوا كلّ صباح نشيد "فرنسا أمّنا"، ومن بين الأصوات والنّشيد النّشاز انطلق صوتها الحنون الرّخيم، صوت الطّفلة الجميلة جميلة بوحيرد "الجزائر أمّنا"، وطردت من المدرسة، ولم تأبه، جميلة هذه تمثّل للشّاعر مالك حدّاد النّداء الرّقيق، صرخة الشّرف، صرخة الجزائر، "في نَواحينا الشّرفُ يُدعى جميلة"، هكذا ختم الشّاعر قصيدته، الّتي أحبّ أن تكون بالعربيّة ككلّ إنتاجه الأدبيّ والثّقافيّ، ولكن فرنسا حرمته من لغته، من وطنه.
يستهلّ الشّاعر قصيدته باستشراف الغد الوطنيّ، المتحرّر، الغد الّذي يسقيه المطر ويروي ربوعه لنجني خيرات الحصائد، هذا الغد الكبير الوفير بالعطاء هو ضمانة الحياة الهانئة للعصافير، بهذه الكرامة والحرّيّة سترفل الجزائر مزدانة بالمطر والحبّ، ولكنّها لن تنسى الماضي القاتم الفرنسيّ وستبني النّصب لتذكّره حتّى لا ننسى الجريمة النّكراء الماضية، فلا معنى للنّهار المشرق ولا للغد القادم، كما لا معنى للأمل إذا نسينا الألم. غدًا سيشرب الطّفل حليبًا ناصعًا من ثدي الوطن الّذي حُرم منه، ذلك الطّفل الجميل هو جميلة الجميلات، هو الجزائر المتحرّرة، القادمة، ذات الصّفحات البيضاء النّاصعة، بعد أن كانت صفحاتها تكتب بحبر لغة فرنسيّة أسود، قاتم وعدوانيّ، ستغدو الجزائر عربيّة بلغتها، بروحها، بحضورها القوميّ، بكلّ حروف لغتها البيضاء البارزة، "بالعربيّةِ الجميلةِ لها قامةُ الجُرمِ".
يبدو الشّاعر في هذه القصيدة الّتي يحبّها حاديًا، ينادي ويغنّي هذا النّداء/ الغناء ويقدّمه تحيّة للجزائر الحرّة المستقلّة، الّتي ستكون أميرة على نفسها وعرش كرامتها الوطنيّة، ولن تكون في حاضرها ولا في مستقبلها نصبًا تذكاريًّا، بل الماضي المستعمر الفرنسيّ الوحشيّ هو الّذي سيقيم له الجزائريّون نصبًا تذكاريًّا كي لا ينسَوا جريمته، وسيصبح الشّاعر أعمق موهبة وأجمل شعرًا وقافية وغناء في "زمن السّوسن" الجزائريّ وسيمضي الحلم من خريف كالح وأصفر إلى ربيع يانع وأخضر.
02/10/2026 07:17 pm 16
.jpg)
.jpg)