كنوز نت - علي هيبي


بأجواء روح وطنيّة وبمناخ غمر اللّقاء بهجة ومتعة:

حوالي خمسين من أعضاء الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين وأصدقائه يشاركون في جولة سياحيّة في قرى وطننا العامرة والمهجّرة في الجليل الأعلى

من إعداد الشّاعر علي هيبي، الأمين العامّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين 

  • توطئة:

يا للمشاعر والأحاسيس عندما يمتزج الفرح بالحزن واللّهفة بالحسرة، والألم من الفقدان بالأمل في العودة، حيث يكون الغياب المظلم هو الشّاهد على الوجود المقبل السّاطع ويكون اللّيل الشّاحب الطّويل شاهدًا على النّهار الّذي سيشرق حتمًا، حيث يكون الموت الأسود شاهدًا على الحياة البيضاء، حيث تكون القبور الدّارسة شاهدًا على البيوت العامرة الّتي ستعجّ حيويّة وحركة في الغد.  
بهذه الأجواء الخريفيّة البهاء، الرّبيعيّة الجمال وتحت ظلال مناخ جليليّ أخضر، غمر اللّقاء الجميل ببهجة محبّة الوطن ومتعة العيش في أحضانه، شارك يوم السّبت الفائت، الموافق لِ 26/9/2026 وعلى مدى نهار طويل، قصّرت طوله المتعة الرّوحيّة والفائدة العلميّة، شارك حوالي خمسين عضوًا من أعضاء الاتّحاد القطري وأصدقائه في جولة سياحيّة شملت عددًا من قرى وطننا العامرة والمهجّرة، في منطقة "الجليل الأعلى"، ترسيخًا للانتماء للأرض وتعزيزًا لأواصر العلاقة بيننا وبين هذا التّراب الّذي لا تراب لنا سواه. وتأتي هذه الجولة سادسة ضمن برنامج سياحيّ وطنيّ أقرّته وأعدّته إدارة الاتّحاد القطريّ، ليشمل سائر ربوع الوطن وقراه ومدنه ومناطقه من الشّمال إلى الوسط وإلى الجنوب. فقد كان الاتّحاد القطريّ قد نفّذ جولة أولى في مدينة "بئر السّبع"، في الجنوب وثانية في قرية "أبو غوش" العامرة في منطقة "القدس"، وثالثة في القرية الشّركسيّة العامرة "كفر كما"، في منطقة "المرج"، ورابعة في قرية "كفر برعم" المهجّرة، في "الجليل الأعلى"، وخامسة في قرى الجليل الغربيّ العامرة: "كابول" و "شعب" والمهجّرة: "الرّويس" و "الدّامون" و "ميعار".

  • موجز الجولة:

أمّا هذه الجولة فقد شملت قرية "الغابسيّة" وقرية "الكابري" المهجّرتيْن، ومن ثمّ إطلالة من منتزه "تل الجرن" (تل غورن) الّذي يقع فوق نهر "الزّيب" وهو مغطّى بأشجار البلوط والبطم، وقد أقيم المنتزه سنة 1963 ليشكّل إطلالة رائعة على وادي "القرن" وعلى قلعة "المونفورت" الصّليبيّة الشّهيرة والواقعة تحت قرية "معلّيا" العامرة، وشملت الجولة أيضًا قرية "إقرث" المهجّرة، وإطلالة ساحرة من قمّة جبل "عداثر" (هار أدير) على قرى الجنوب اللّبنانيّ، وزيارة إلى قرية "سحماتا" مرورًا بالقريتيْن: "فسّوطة" و "ترشيحا" العامرتيْن، ومن ثمّ الاستقرار في القرية العامرة "معلّيا".   
    
  • الغابسيّة: 

بمحاذاة موقع القرية على الشّارع الرّئيسيّ شاهد المشاركون معالم القرية الباقية، والّتي تشهد على انتمائها العربيّ بوجود مبني الجامع الّذي ما زال قائمًا، والغابسيّة رغم تهجيرها عام 1948 ما زالت تمتلك قرارًا من محكمة العدل العليا بحقّ العودة منذ سنة 1951، كقريتيْ: "كفر برعم" و "إقرث"، وهي قرية قريبة من ساحل البحر المتوسّط، تقع شمال شرق مدينة "عكّا"، ومن جيرانها قرية "الشّيخ دنّون" العامرة وقرى مهجّرة وكثيرة، منها قرى: "الشّيخ داود"، "النّهر"، "أمّ الفرج"، "الكابري"، "عمقا"، "كويكات" و "التّلّ". يمرّ بجانبها وادي "أبو طبيخ" الّذي يندمج مع وادي "جعتون"، وكذلك يمرّ في جنوبها وادي "المجنونة"، ويقال أنّ أصل التّسمية يعود إلى الغبس وهو لون الرّماد. كان عدد سكّانها في عام 1945 690 نسمة، يعيشون اليوم في قريتيْ "دنّون" و "المزرعة" والمنافي. أقيم قرب موقعها مستعمرة "نتيف هشيراه".

  • الكابري: 


على بعد لا يزيد عن كيلومتريْن عن "الغابسيّة" تقع قرية "الكابري"، السّاحليّة، والّتي تمّ تهجير أهلها في النّكبة الفلسطينيّة، رغم أنّها كانت قرية كبيرة، إذ بلغ عدد سكّانها سنة 1948 أكثر من 1750 نسمة، وقد أقيم على أنقاضها مستعمرة تحمل نفس الاسم، وهي قريبة إلى الشّرق من مستعمرة "نهاريا" الّتي أقيمت هي الأخرى على أنقاض قرية "النّهر"، كانت "الكابري" كثيرة الينابيع لأنّها تقع بين السّاحل والسّفوح السّفلى لجبال "الجليل"، ولكثرة مياهها وعيونها: "الباشا" و "الفوّار" ، "العسل"، وعين "الكابري"، كان ثمّة من يعتبرها من أهمّ مصادر مياه الشّرب في فلسطين، وقد بنيت قناتان لضخّ المياه ونقلها إلى "عكّا"، بنى واحدة منهما أحمد باشا الجزّار، سنة 1800 والأخرى سليمان باشا، سنة 1841.

  • وادي القرن: 

وكانت للمشاركين إطلالة من "تلّ الجرن" على وادي "القرن" والّذي يعتبر من أكبر أودية فلسطين في منطقة "الجليل الأعلى الغربيّ"، يبلغ طوله 43 كم ومساحة حوضه تبلغ 137 كم مربع. ينبع النّهر من سفوح جبل "الجرمق" الشّماليّة ويصبّ في منطقة "الزّيب" شمالي "عكّا"، عند قرية "الزّيب" المهجّرة هي الأخرى، والّتي أقيمت على أنقاضها مستعمرة "أخزيب"، عندما يقترب الوادي من قرية "بيت جن" العامرة يسمّى وادي "بيت جن" ومن ثمّ يجري شمالًا فيعرف هناك بوادي "حبيس" لضيقه وعمقه. من أهمّ معالمه قلعة "المونفورت" أو قلعة "القرين"، وكان فيه مطاحن تخدم سكّان القرى: "ترشيحا"، "معلّيا" و "فسّوطة". كان الوادي غزير المياه، ولكن في سنوات الخمسين استولت السّلطات الإسرائيليّة على المياه وسحبتها لتغذية المستوطنات اليهوديّة، ولم يبق من العيون إلّا عين "أمّ طمرون" لوجود نباتات طبيعيّة فريدة، فاعتبرت تحت ما يسمّى "حمى الطّبيعة".
  • قلعة "المونفورت" أو "القرين":
ويقال إنّ الاسم يعني القلعة أو الحصن في السّريانيّة، وفي الفرنسيّة الجبل القويّ، أو القلعة الملكيّة الجديدة. وقد بنيت على ارتفاع 300 م عن سطح البحر، على جرف وادي القرن العميق، تعود إلى الفترة الصّليبيّة، وقد استولى عليها صلاح الدّين الأيوبيّ سنة 1187، واستعادها الصّليبيّون بعد خمس سنوات، ومن ثمّ أعاد الاستيلاء عليها الظّاهر بيبرس سنة 1266، وسمح للفرسان الّذين دافعوا عنها بعد أن سلّموها بالخروج مع أموالهم وأرشيفهم بأمان إلى "عكّا".  
  • جبل عداثر: (هار أدير)          
وقد زار المشاركون جبل "عداثر" الواقع ضمن سلسلة جبال الجليل الأعلى القريبة من جبل "الجرمق"، وهو ثاني أعلى جبال بلادنا، إذ يبلغ ارتفاعه 1006م مغطًى بغابة كثيفة من أشجار البلوط والبطم والفستق، فيه منطقة عسكريّة لا يُسمع بالدّخول إليها، وهو يشكّل منطقة توتّر أمنيّ خاصّة بعد "طوفان الأقصى" والعدوان على الجنوب اللّبنانيّ، ومع ذلك في قمّة الجبل منطقة فيها إطلالة على قرى الجنوب اللّبنانيّ وسهوله، وقد لاقت هذه الإطلالة إعجابًا هائلًا عند المشاركين، لعلوّها وطيب نسيمها وجمال طبيعتها. 
  • إقرث:  
ومن أجمل ما شاهده المشاركون كنيسة القرية، والدّخول إليها والتّجوّل في أرجائها، ومن ثمّ مشاهدة المعالم الأثريّة والمقبرة وبقايا المعصرة الّتي ما زالت تشهد على الانتماء العربيّ الأصيل، وبعد جولة قصيرة استمع المشاركون لنبذة قصيرة عن القرية عبر العصور، قدّمها لهم السّيّد حنّا ناصر، فقد استقبل الضّيوف هو وأخوه المرشد السّياحيّ، فوزي ناصر، وهما من أبناء "إقرث"، والكنيسة هي المبنى الوحيد القائم في القرية حتّى الآن، و"إقرث" قرية فلسطينيّة مسيحيّة، ترتفع عن سطح البحر 550 م ومحاطة بقرًى كثيرة ولا تبعد عن الحدود اللّبنانيّة إلّا عدّة كيلومترات، وعدد سكّانها سنة 1945 كان 490 نسمة، ورغم كلّ التّهجير والتّنكيل والتّدمير لم يتنازل أهل "إقرث" عن حقّهم بالعودة، كما أهل "كفر برعم" يكافحون كي يعودوا بالمظاهرات وبرفع قضيّتهم في المحاكم، ويقومون بإقامة مخيّمات للأطفال وأبناء القرية عمومًا كلّ سنة لتنمية الانتماء في نفوسهم وتعويدهم على الصّمود وعدم التّخلّي عن حقوقهم.
  • سحماتا: 
آخر القرى المهجّرة الّتي زارها المشاركون، وهي قرية كانت كبيرة، إذ بلغ عدد سكّانها سنة 1948 أكثر من 1300 نسمة من المسيحيّين والمسلمين، وقد كانت صورة حيّة للتآخي بين الطّائفتيْن، وكان قيصر سمعان مختارًا، وله سمعته الطّيّبة بين جميع الأهالي لأنّه سهر على خدمتهم بتفانٍ وإخلاص، فكنت كما يقال إنّ المسلم إذا سألته عن دينه أجابك: "أنا على دين قيصر". و"سحماتا" قرية تقع بين شمال شرق "عكّا" وغربيّ مدينة "صفد"، وتحدّها "معلّيا" من الغرب وقرية "كفر سميع" و"البقيعة" من الجنوب، وقرية "حرفيش" و"سبلان" من الشّرق، ومن الشّمال قرية "دير القاسي" المهجّرة" وقرية "فسّوطة" العامرة، فيها كنيسة ومسجد وفيها آثار لقلعة صليبيّة، وساحة كبيرة تتوسّطها بركة "الرّحبة"، معظم سكّانها المهجّرين يعيشون اليوم في القرة المجاورة وفي المدن القريبة، ومنهم من هُجّر للمنافي في لبنان وسوريا، وعاشوا في المخيّمات الفلسطينيّة في تلك الدّول.
  • معلّيا:
وكانت "معلّيا" العامرة آخر فقرات هذه الجولة السّياحيّة والوطنيّة، وفيها استقبلنا الكاتب عصام خوري، ابْن "معلّيا" وهو نائب رئيس الاتّحاد القطري، وكذلك استقبلنا صاحب "العزبة" المضيف إلياس أبو عقصة، ولكنّ المشاركين مرّوا على "فسّوطة" و"ترشيحا" العامرتيْن قبل الوصول إلى "معلّيا"، وهي قرية مسيحيّة سكّانها من الطّائفة الكاثوليكيّة، فيها قلعة صليبيّة تسمّى قلعة "الملك"، في الفترة العثمانيّة سكنها 15 عائلة من المسلمين، وبعد تبادل سكّاني زمن ظاهر العمر بقيت القرية مسيحيّة فقط بعد نقل المسلمون منها إلى "ترشيحا"، والقرية قريبة جدًّا من وادي "القرن" ومن قلعة "المونفورت"، يبلغ عدد سكّانها اليوم 3267 نسمة، وفيها مجلس محلّيّ، ومدرستان: إعداديّة وثانويّة.  
وفي نهاية اليوم تجمّع المشاركون على وجبة غداء في عزبة السّيّد إلياس أبو عقصة، وفي أثناء الطّعام وبعده تحوّل اللّقاء إلى ندوة أدبيّة قصيرة، تحدّث فيها الشّاعر نظمات خمايسي والأديب د. محمّد حبيب الله وألقى الشّاعر د. أسامة مصاروة قصيدة وطنيّة، ويشار إلى أنّه في هذه الجولة شارك الأمين العامّ علي هيبي ونائبه أسامة مصاروة ورئيس الاتّحاد محمّد حبيب الله ونائبه عصام خوري، ومعهم عدد كبير من أعضاء الإدارة وأعضاء الاتّحاد وأصدقائه، ويجدر الذّكر إلى أنّ الإعلاميّ حسام إدريس، صاحب موقع "العين السّاهرة" رافق المشاركين في الجولة وغطّاها إعلاميًّا بالكلمة والصّورة، ويشار إلى أنّ الموادّ السّياحيّة عن فقرات الجولة قدّمها كلّ من النّاشط والكاتب صبحي سرحان والشّاعر علي هيبي. ومن ثمّ قفل المشاركون راجعين على أمل وطنيّ وانتظار بشوق للجولة القادمة في منطقة جديدة من مناطق وطننا الّذي لا وطن لنا سواه.