كنوز نت - بقلم: الشيخ محسن عبد القادر/الطيبة


العرب في الكنيست بين وَحدة الصَّوت وتحدّيات الواقع
  • بقلم: الشيخ محسن عبد القادر/الطيبة
لم تكن علاقة العرب في إسرائيل، أو من يُعرفون بعرب 48، بالكنيست يومًا علاقة بسيطة يمكن قياسها بعدد المقاعد وحده. فهي علاقة تتداخل فيها قضايا المواطنة والهُويّة، والحقوق المدنيّة والقوميّة، والحياة اليوميّة، إلى جانب سؤال قديم متجدّد حول حدود التّأثير السّياسيّ وإمكاناته داخل المؤسّسة البرلمانيّة الإسرائيليّة.
ومع اقتراب انتخابات الكنيست السّادسة والعشرين، المقرّرة في 27 تشرين الأوّل/أكتوبر 2026، يعود هذا السّؤال بقوّة إلى الواجهة. ففي المشهد الانتخابيّ الحالي تخوض الجبهة الدّيمقراطيّة للسّلام والمساواة، والتّجمّع الوطنيّ الدّيمقراطيّ، والحركة العربيّة للتّغيير الانتخابات ضمن قائمة مشتركة ثلاثيّة، بينما تخوض القائمة العربيّة الموحّدة الانتخابات في قائمة منفصلة. وقد أُغلق باب تقديم القوائم في 8 أيلول/سبتمبر بعد تقديم 38 قائمة انتخابيّة، على أن تُستكمل إجراءات المصادقة القانونيّة عليها لاحقًا.

وهكذا يجد النّاخب العربيّ نفسه مرّة أخرى أمام مشهد يجمع بين الوحدة من جهة، والاختلاف السّياسيّ من جهة أخرى.
لكن المشكلة في الواقع أعمق من سؤال: مَن يتّحد مع مَن؟ ومَن ينفصل عن مَن؟
فالاختلاف بين القوائم العربيّة لم يعد مجرّد خلاف على ترتيب المرشّحين أو توزيع المقاعد، بل أصبح في جزء كبير منه اختلافًا حول مفهوم العمل السّياسيّ نفسه: هل يكون التّأثير من خلال المعارضة السّياسيّة الصّريحة؟ أم من خلال محاولة المشاركة في دوائر اتّخاذ القرار والحكومات والائتلافات؟ وكيف يمكن الجمع بين المطالب المدنيّة اليوميّة وبين القضايا الوطنيّة الكبرى؟
هذه الأسئلة ليست سهلة، ولكلّ اتّجاه حججه وأنصاره وانتقاداته.
لقد عرف المجتمع العربيّ تجربة القائمة المشتركة منذ عام 2015، حين اجتمعت القوى العربيّة الأساسيّة في قائمة واحدة وحصلت يومها على 13 مقعدًا، وهو ما منح التّمثيل العربيّ وزنًا برلمانيًّا لافتًا في تلك المرحلة. لكن التّجربة أظهرت أيضًا أن الوحدة الانتخابيّة، على أهميّتها، لا تلغي بالضّرورة الاختلافات الفكريّة والسّياسيّة بين الأحزاب.

فالاجتماع تحت سقف واحد قد يزيد عدد المقاعد، لكنه لا يكفي وحده لصناعة مشروع سياسيّ متماسك.
وهنا تقع إحدى أهمّ مشكلات السّياسة العربيّة في إسرائيل: الفجوة بين وَحدة الصّندوق ووَحدة الرّؤية.
فالنّاخب يريد في كثير من الأحيان أن يرى قائمة قويّة وموحّدة، لكنه يريد أيضًا أن يعرف ماذا ستفعل هذه القائمة في اليوم التّالي للانتخابات. ما موقفها من قضايا السّكن والبناء؟ ماذا ستفعل في مواجهة العنف والجريمة؟ كيف ستتعامل مع ضعف السّلطات المحليّة؟ وما برنامجها في التّعليم والعمل والصّحّة والبنية التّحتيّة؟
هذه ليست قضايا هامشيّة بالنّسبة للمواطن العربيّ، بل هي تفاصيل حياته اليوميّة.

وقد ظهر ثقل بعضها حتى في نشاط الكنيست نفسه؛ ففي تموز/يوليو 2026 قدّمت الموحّدة والجبهة–العربيّة للتّغيير اقتراح حجب ثقة تناول استمرار الإخفاق في مواجهة الجريمة والقتل في المجتمع العربيّ. وهذا يوضّح أن ملف العنف لم يعد شأنًا اجتماعيًّا داخليًّا فحسب، بل تحوّل إلى قضيّة سياسيّة مركزيّة تطالب الدّولة بمسؤوليّتها تجاه أمن المواطنين.
لكن المواطن لا يعيش بالأمن وحده.
هناك أزمة الأرض والمسكن، ومخطّطات البناء، وضائقة الشّباب، ونقص مناطق الصّناعة في عدد من البلدات، ومشكلات المواصلات، والتّعليم، والفقر، وفرص العمل، والفجوات الاقتصاديّة والاجتماعيّة. وإلى جانب كلّ ذلك تبقى القضيّة الفلسطينيّة حاضرة بما تحمله من أبعاد وطنيّة وسياسيّة وهُويّاتيّة.
ومن هنا يصبح النّائب العربيّ أمام مهمّة شديدة التّعقيد: فهو مطالب بأن يكون صوتًا لقضايا النّاس اليوميّة، وأن يحمل في الوقت نفسه الموقف السّياسيّ والوطنيّ الذي انتُخب على أساسه.
  • وهذه المعادلة ليست دائمًا سهلة.
فإذا انشغل السّياسيّ بالقضايا الوطنيّة وحدها، قد يسأله المواطن: وماذا فعلتَ لبلدتي وشارعي ومدرستي ومستقبل أبنائي؟
وإذا انشغل بالقضايا المدنيّة وحدها، قد يسأله آخرون: وماذا بقي من الموقف السّياسيّ والهُويّة والقضايا الكبرى؟
وبين السّؤالين تتحرّك القوائم العربيّة منذ سنوات.
ولعلّ الاختلاف الأوضح بينها يتمثّل في النّظرة إلى المشاركة في صناعة الحكومة الإسرائيليّة. فهناك من يرى أن الدّخول إلى مساحة التّأثير الحكوميّ يمكن أن يحقّق إنجازات مدنيّة وميزانيّات وخططًا للمجتمع العربيّ، بينما يرى آخرون أن لهذا النّهج ثمنًا سياسيًّا، وأن المشاركة لا ينبغي أن تأتي على حساب المواقف الوطنيّة أو استقلال القرار السّياسيّ العربيّ.
ولا يمكن اختصار هذا الخلاف بالقول إن طرفًا يريد «التّأثير» والآخر لا يريده؛ فكلاهما يقول إنّه يسعى إلى التّأثير، لكن الخلاف الحقيقيّ هو كيف يكون التّأثير، وما حدوده، وما الثّمن المقبول له.
وهنا يصبح النّقاش السّياسيّ أكثر نضجًا حين ينتقل من الأشخاص إلى البرامج.

فالمجتمع الذي يحاسب السّياسيّ على خطابه فقط قد يقع في أسر الشّعارات، والمجتمع الذي يحاسبه على الخدمات فقط قد يفقد البعد السّياسيّ الأشمل. أمّا المساءلة الحقيقيّة فتبحث في الاثنين معًا: ماذا قال؟ وماذا فعل؟ وما الذي استطاع تغييره؟ وما الذي أخفق فيه؟ ولماذا؟
ومن الأخطاء المتكرّرة اختصار القوّة السّياسيّة للعرب بعدد أعضاء الكنيست وحده.
فالتّمثيل البرلمانيّ مهمّ، لكنه ليس الشّكل الوحيد للقوّة. هناك السّلطات المحليّة، والمؤسّسات المدنيّة، والجامعات، والنّقابات، والهيئات المهنيّة، والاقتصاد، والإعلام، والثّقافة، والمبادرات المجتمعيّة. وكلّما كانت هذه المؤسّسات أقوى، أصبح النّائب نفسه أكثر قدرة على تمثيل مجتمع منظّم يعرف مطالبه وأولويّاته.

أمّا حين يُنتظر من أعضاء الكنيست أن يحلّوا وحدهم جميع أزمات المجتمع، فإن التّوقّعات تصبح أكبر من قدرة المؤسّسة البرلمانيّة نفسها.
وتبقى أزمة الثّقة واحدة من أخطر التّحدّيات.
فحين يشعر المواطن بأن الانتخابات تتكرّر والخلافات تتكرّر معها، بينما تبقى مشكلات حياته على حالها، يبدأ السّؤال عن جدوى السّياسة ذاتها. وحين تصل الأمور إلى هذه المرحلة، لا يكون الضّرر واقعًا على حزب واحد، بل على المجال السّياسيّ العربيّ بأسره.
فالنّاس لا تبتعد عن السّياسة دائمًا لأنها غير مهتمّة بالشّأن العام، بل أحيانًا لأنها لم تعد ترى صلة واضحة بين العمل السّياسيّ وبين نتائج ملموسة في حياتها.
لذلك فإن التّحدّي الحقيقيّ أمام القوائم العربيّة ليس فقط الحصول على مقاعد أكثر، بل إعادة بناء الثّقة بين المواطن وممثّليه.
وهذه الثّقة لا تُبنى بالخطب وحدها، وإنّما بالشّفافيّة، والمحاسبة، ووضوح البرامج، وإفساح المجال أمام جيل جديد من الكفاءات، وربط العمل البرلمانيّ بعمل مؤسّساتيّ طويل المدى.

كما أن التّمثيل الحقيقيّ لا يعني أن يتحدّث السّياسيّ باسم النّاس فحسب، بل أن يسمعهم أيضًا.
فالمجتمع العربيّ ليس كتلة واحدة متشابهة؛ فيه مدن وقرى وبلدات بدويّة، وفيه مسلمون ومسيحيّون ودروز، وفيه تيّارات قوميّة وإسلاميّة ويساريّة ومدنيّة، وفيه أجيال مختلفة لها أولويّات مختلفة. والشّباب اليوم لا ينظرون بالضّرورة إلى العمل الحزبيّ بالطّريقة نفسها التي نظر إليها جيل سابق.
ولهذا فإن أيّ مشروع سياسيّ يريد البقاء لا يستطيع الاكتفاء بالشّعارات التّاريخيّة، كما لا يستطيع أن يتخلّى عن التّاريخ والهُويّة.
إنّه مطالب بأن يجد لغة تجمع بين الذّاكرة والمستقبل.

وفي انتخابات 2026 يبدو المشهد العربيّ مرّة أخرى أمام اختبار مهمّ: قائمة مشتركة ثلاثيّة من جهة، والقائمة العربيّة الموحّدة من جهة أخرى، وكلّ منهما تطرح تصوّرًا مختلفًا لمسار العمل السّياسيّ. لكن الاختبار الأكبر ليس فقط ما ستقوله القوائم في الحملة الانتخابيّة، وإنّما ما ستفعله بعد أن تُغلق صناديق الاقتراع.
فالانتخابات تنتهي في يوم، أمّا قضايا النّاس فتبقى.
ويبقى السّؤال الذي ينبغي أن يرافق الحياة السّياسيّة العربيّة أبعد من أسماء الأحزاب والمرشّحين:
كيف يتحوّل الوجود العربيّ في الكنيست من تمثيل عدديّ إلى قوّة سياسيّة ومجتمعيّة قادرة على التّأثير؟
الإجابة لا توجد في الوحدة وحدها، ولا في الانقسام وحده، ولا في المعارضة وحدها، ولا في المشاركة وحدها.
إنّها توجد في مشروع يعرف ماذا يريد، ويعرف حدود قوّته، ويضع أولويّات واضحة، ويخاطب عقل النّاس لا عواطفهم فقط، ويقدّم الحساب عن عمله كما يطلب الثّقة في كلّ انتخابات.
  • فالمقعد في الكنيست ليس غاية في ذاته، بل أداة.
والقائمة ليست مشروعًا كاملًا لمجرّد أنها موحّدة، كما أن الاختلاف ليس خطيئة لمجرّد أنه اختلاف.
القيمة الحقيقيّة تكمن في قدرة السّياسة على أن تجعل صوت المواطن مسموعًا، وحقوقه مصونة، وحياته أكثر أمنًا وكرامة، ومستقبله أقلّ غموضًا.
وعندها فقط يصبح السّؤال أقلّ تعلّقًا بعدد المقاعد، وأكثر تعلّقًا بما تستطيع هذه المقاعد أن تصنعه.
(الطيبة/المثلث)