.png)
كنوز نت - إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
مشكلات الزنوجة بين محمد الفيتوري وإيميه سيزير
- إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
ليست الزنوجة كلمةً بريئة تمامًا. وراء هذه الكلمة تاريخٌ طويل مِن الإذلال، والاستعمار، والاقتلاع، وتجارة البشر، وتحويل الإنسان الأسود إلى جسدٍ يُباع ويُشترَى، ولونٍ يُختزَل فيه العقلُ والثقافة والوجود. لذلك حين ظهرت الزنوجة في الأدب الأفريقي والكاريبي لم تكن مُجرَّد اتجاه شِعري أو نزعة جمالية تبحث عن إيقاع خاص، وإنما كانت محاولة لاستعادة شيء سُلِبَ مِن الإنسان قبل أن يُسلَب منه الوطن: اسمه، وصوته، وحقه في أن يرى نفسه بعينيه لا بِعَيْنَي المُستعمِر.
لكن المشكلة تبدأ في اللحظة التي يتحوَّل فيها الرفضُ إلى تعريف، ويتحوَّل الدفاعُ عن الإنسان الأسود إلى بناء هُوية مغلقة حول السواد. هُنا تصبح الزنوجة التي جاءت في الأصل لمقاومة التصنيف العنصري مُعرَّضةً لأن تُنتج تصنيفًا مضادًّا، ولوْ من موقع احتجاجي. وهذه واحدة من أهم المآزق التي يمكن قراءتها في تجربة الشاعر السوداني محمد الفيتوري ( 1936_ 2015)والشاعر المارتينيكي إيميه سيزير ( 1913_ 2008)، كيف يمكن للشاعر أن يستعيد كرامة الأسود من غير أن يُحوِّل السوادَ إلى حتمية نهائية؟، وكيف يمكن أن يحتفي بالهُوية الأفريقية من غير أن يسقط في أسطورة أفريقيا الخالصة البِكْر النقيَّة، التي لم توجد في الواقع بهذه الصورة أصلًا؟. مِن هُنا تبدو المقارنة بين الفيتوري وسيزير ضرورية، ليس لأنهما متشابهان، بلْ لأن الاختلاف بينهما يكشف شيئًا من أزمة الزنوجة نفسها.
ظهرت الزنوجة في سياق تاريخي كانت فيه صورة أفريقيا والإنسان الأسود قد صُنعت في جزء كبير منها بواسطة خطاب أوروبي استعماري. كان الأفريقي يُقَدَّم باعتباره همجيًّا متخلفًا بدائيًّا بلا تاريخ، ومحتاجًا إلى أن يأتيه الآخر بالحضارة. لذلك كان لا بُد من قلب المعادلة، إذا كان المُستعمِر يقول إن أفريقيا بلا ثقافة، فليكن الرد هو البحث عن الثقافة الأفريقية، وإذا كان يقول إنَّ الأسود بلا تاريخ، فليكن الشعر وسيلةً لإعادة كتابة هذا التاريخ. لكن هذا الرد حمل معه مشكلة فلسفية عميقة، هل نستطيع أن نُحرِّر الإنسانَ من العنصرية بتثبيت هُويته على أساس اللون نفسه الذي اسْتُعْمِلَ لقمعه؟.
هذه المُفارَقة تظلُّ كامنة في الزنوجة، فهي تنطلق من واقع عنصري مفروض من الخارج، ثم تضطر إلى استعمال اللغة نفسها، أي لغة العِرْق واللون، لكي تقاوم ذلك الواقع. الأسودُ هُنا لا يصبح إنسانًا تعرَّض للاضطهاد فَحَسْب، بلْ أيضًا يصبح حاملًا لِهُوية ثقافية كاملة، لها قِيَمها وذاكرتها وموسيقاها وروحانيتها الخاصَّة. وفي هذه النقطة تحديدًا يصبح الخط الفاصل بين استعادة الهُوية وصناعةِ الأسطورة شديد الدقة. فالزنوجةُ تحتاج إلى الأسود لكي تكون خطابًا احتجاجيًّا، لكنَّها تصير مُهدَّدةً حين تجعل من الأسود تعريفًا نهائيًّا للإنسان.
الفيتوري شاعر عربي وأفريقي، تتقاطع في تجربته العروبةُ وأفريقيا، والمنفى والانتماء، والهُوية الشخصية والذاكرة الجماعية. يتعامل معَ أفريقيا باعتبارها أصلًا بعيدًا عن الذات، أفريقيا عنده أقرب وأكثر التصاقًا بالجسدِ والذاكرة واللغة، لكن هذا القُرب لا يلغي المشكلة، بلْ يضاعفها.
وهو يجد نَفْسَه أمام سؤال الهُوية المُركَّبة، أين يقف الشاعرُ الأسود الذي ينتمي في الوقت نَفْسِه إلى المجال العربي؟، هل عليه أن يختار أفريقيا ضد العروبة أم العروبة ضد أفريقيا؟، وهل يمكن أصلًا بناء هُوية إنسانية على هذه الثنائية؟.
في بعض القراءات المتعجلة لتجربة الفيتوري قد يبدو أنَّ الزنوجة عنده مُجرَّد إعلان عن الأفريقية، لكن المسألة أعقد من ذلك. الشاعرُ لا يعيش في أفريقيا وحدها، ولا في العروبة وحدها، بلْ في منطقة ملتبسة بينهما، وهذا الالتباس ليس نقصًا ينبغي التخلُّص منه، وإنما هو جوهر التجربة ذاتها. ومعَ ذلك، فإنَّ الفيتوري يقع أحيانًا تحت ضغط الرمز الكبير، أفريقيا بوصفها الأم، والأسود بوصفه حامل الوجع، والبياض بوصفه رمزًا للقهر، وهذه الرموز على الرغم من قدرتها الشعرية، تصبح مشكلة عندما تتحوَّل إلى قوالب ثابتة.
والسؤالُ الذي ينبغي أن نطرحه على شعر الفيتوري ليس: هل أَحَبَّ أفريقيا؟، فهذا سؤال ساذج لا قيمة نقدية له. السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث لأفريقيا حين تدخل القصيدة؟. هل تبقى أفريقيا واقعًا تاريخيًّا وجغرافيًّا متناقضًا أمْ تتحوَّل إلى رمز جاهز؟.
حين تصبح أفريقيا أمًّا أبدية، يصبح من الصعب رؤيتها خارج الأمومة. وحين تصبح موطنًا للبراءة، يصبح من الصعب رؤية العنف الذي عرفته المجتمعاتُ الأفريقية. وحين يصبح الأسودُ ضحيةً مُطْلقة، يصبح من الصعب الحديث عن مسؤوليات القوى المحلية التي شاركتْ في بعض مراحل التاريخ في استغلال الإنسان الأسود أو المتاجرة به.
وليس من حق القصيدة أن تطلب إعفاءها من المُساءلة لِمُجرَّد أنها تنتمي إلى قضية عادلة. والقضيةُ العادلة لا تجعل كُلَّ صورة شعرية عادلة، ولا تجعل كُلَّ موقف فكري صحيحًا. وهذا ما ينبغي أن ننتبه إليه عند قراءة الفيتوري. القيمةُ الاحتجاجية في شِعره لا تعني أنَّ تصوُّره للهُوية الأفريقية يخلو من الاختزال، فكلما ارتفع صوت الهُوية في القصيدة، وجب أن نسأل عن الأشياء التي أسكتها هذا الصوت.
عند سيزير تبدو الزنوجة مرتبطة ارتباطًا شديدًا بالتمرد على الاستعمار. لم يكن سيزير يكتب عن أفريقيا باعتبارها مكانًا جغرافيًّا فَحَسْب، وإنما باعتبارها ذاكرة مفقودة، ومَصدرًا للهُوية سُلبتْ مِن الإنسان الأسود في العالَم الجديد. وهُنا تكمن قوة التوتر في شِعره، وهُنا أيضًا تكمن مشكلته.
الشاعرُ الذي يرفض الصورةَ الاستعمارية لأفريقيا يجد نفسه مضطرًّا إلى البحث عن صورة بديلة لها، غَير أنَّ الصورة البديلة قد تتحوَّل بسهولة إلى صورة مثالية لا تقلُّ اختزالًا عن الصورة التي تحاربها.
المُستعمِرُ يرى أفريقيا من الخارج فيُحوِّلها إلى أرض بدائية، والشاعرُ الغاضب من هذا التصوُّر قد يذهب إلى الطرف الآخَر فيُحوِّلها إلى أصلٍ صافٍ، وفضاءٍ روحي مفقود، ووطنٍ أول لا تشوبه تناقضات التاريخ.
لكن أفريقيا الواقعية ليست قصيدةً واحدة. أفريقيا فيها الحضارة والانهيار، والسُّلطة والعبودية، والقبيلة والدولة، والحكمة والعنف،والأسطورة والسياسة، والتعدد اللغوي والديني والثقافي والعِرْقي، لذلك فإنَّ اختزالها في وظيفة واحدة، أي باعتبارها موطنًا أصليًّا للروح السوداء، يظلُّ اختزالًا احتجاجيًّا مهما كان الدافع إليه.
في شعر سيزير تتكثف الرغبة في استرداد الذات إلى درجة يصبح معها الأفريقي رمزًا للإنسان الذي قاومَ المَحْوَ. وهذا يمنح القصيدةَ طاقةً احتجاجية، لكنَّه يضعها أمام سؤال صعب: ماذا نفعل عندما تتحوَّل الهُوية من وسيلة لمقاومة الظلم إلى معيار للحقيقة؟.
هُنا لا يعود الإنسانُ مهمًّا لأنه إنسان، بلْ لأنه أسود. ولا تعود أفريقيا مهمة بما هي تاريخ متعدد ومعقد، بلْ بما هي أصل رمزي تستمد منه الذات شرعيتها. وهذا أحد أكثر جوانب الزنوجة إشكالًا، إنها تحاول تفكيكَ مركزية الرجل الأبيض، لكنَّها قد تجد نَفْسَها مضطرة إلى إقامة مركزية مقابلة حول الرجل الأسود.
لغة سيزير ليست هادئة تبحث عن المصالحة، إنها لغة مشحونة، وعنيفة، ومتوترة، ومليئة بالصور التي ترفض الترويضَ. وهذه اللغة مفهومة إذا وضعناها في سياقها التاريخي، لكنَّها لا تصبح بسبب ذلك مُحَصَّنَةً ضد النقد. والغضبُ الشعري قد يكون ضروريًّا في لحظة تاريخية مُعيَّنة، لكنَّه ليس بالضرورة موقفًا فكريًّا مكتملًا. والقصيدةُ حين تتحوَّل إلى صرخة احتجاج تحتاج، لكي تبقى شعرًا، إلى ما هو أكثر من الموقف السياسي. تحتاج إلى مُساءلة الذات التي تحتج، وليس مُساءلة خصمها فقط. أمَّا إذا بقي الشر كُلُّه خارج الذات، وبقيت الذاتُ في موقع الضحيَّة النقيَّة، فإن القصيدة تصير مُهدَّدةً بالتحوُّل إلى خطاب ثنائي بسيط، نحن في جهة، وهُمْ في الجهة الأُخرى. وهذا التبسيط هو أحد أوجه أزمة الزنوجة.
والتاريخُ الاستعماري لَم يكن مُجرَّد مواجهة بين أبيض وأسود، وإنما شبكة هائلة من المصالح والطبقات والهُويات والتحالفات.كما أنَّ الإنسان الأسود ليس كُتلةً واحدة، هُناك اختلافات الطبقة والجُغرافيا واللغة والدين والثقافة والجنس والتجربة التاريخية. وحين تُختزَل كل هذه التناقضات في ثنائية الأبيض والأسود، تخسر الزنوجة شيئًا من الواقع الذي جاءت أصلًا للدفاع عنه.
والفرقُ بين الفيتوري وسيزير لا يكمن فقط في اللغة أو المكان أو السياق التاريخي، وإنما في طبيعة الجُرح الذي ينطلق منه كُلُّ واحد منهما.
الفيتوري يكتب من داخل عالَم أفريقي عربي، حيث لا تكون المشكلة مُجرَّد فقدان أفريقيا، بل التوتر بين انتماءات متعددة، أفريقيا عنده ليست شيئًا بعيدًا يبحث عنه في الذاكرة بِقَدْرِ ما هي حضور يفاوض به الذات والآخَر.
أمَّا سيزير فيكتب من تجربة إنسان اقْتُلِعَ مِن أفريقيا، وأصبحَ يعيش في فضاء استعماري يعيد تعريفَه باستمرار من الخارج، لذلك يصبح الرجوع إلى أفريقيا نوعًا من استعادة الأصل.
ومعَ ذلك، فإنَّهما يلتقيان عند نقطة أساسيَّة، الحاجة إلى مقاومة الصورة التي صنعها الآخر. لكن هُنا تظهر المفارقة. فالشاعرُ يبدأ بمحاربة صورة مفروضة عليه، ثم يصنع صورةً خاصَّة به.
ولا توجد ثقافة إنسانية حيَّة بقيت نقيَّة من التفاعل. أفريقيا لَم تكن جزيرة معزولة عن التاريخ. كانت هُناك هجرات، وتجارة، وحروب، وديانات، ولغات، وتأثيرات عربية وأوروبية وآسيوية، وتحوُّلات سياسيَّة واجتماعيَّة لا تسمح ببناء صورة واحدة ثابتة لِمَا يُسمَّى " الروح الأفريقية".
وإذا كان الفيتوري وسيزير قد جعلا من الشعر مساحةً لاستعادة الصوت الأسود، فإنَّ القراءة النقدية اليوم مُطالَبة بأن تستعيد المسافةَ بين الصوت والحقيقة.
والزنوجةُ تعيش في جُزء كبير من خطابها على ثنائية " نحن" و"هُم"، نحن السود، وهُم البيض. نحن المُستعمَرون، وهُم المُستعمِرون، نحن أصحاب الأرض، وهُم الغرب. هذه الثنائية مفهومة تاريخيًّا، لكنها فقيرة إنسانيًّا، فالحياةُ لا تجري بهذه البساطة.
هُناك أسود مُستعمِر لأسود آخَر، وأسود مستفيد من النظام الاستعماري، وأبيض مقاوم للاستعمار، وأبيض فقير لا يملك من القوة شيئًا، ومثقف يعيش بين ثقافتين، وإنسان لا يستطيع أصلًا أن يضع نَفْسَه داخل ثنائية جاهزة.
وإذا كانت الزنوجة قد نشأتْ في مواجهة عالَم حاولَ أن يجعل الأسودَ أقل مِن إنسان، فإنَّ اختبارها الحقيقي يبدأ حين تتخلص من الحاجة إلى تعريف الإنسان مِن خِلال العِرْق.
الفيتوري يُواجه تعقيدَ الهُوية الأفريقية داخل المجال العربي، وسيزير يُواجه جُرْحَ الاقتلاعِ والاستعمار، وكلاهما يكشف، بطريقة مختلفة، أنَّ العودة إلى الأصل ليست عملية بسيطة، وأنَّ استعادة الهُوية لا تعني استعادةَ شيء جاهز ينتظرنا في الماضي.
04/09/2026 09:51 pm 12
.jpg)
.jpg)