كنوز نت - إعداد: الشيخ أمير نفار-عضو حركة الدعوة والإصلاح 


تربويات (5)
النبي القائد صلى الله عليه وسلم 
  • إعداد: الشيخ أمير نفار-عضو حركة الدعوة والإصلاح 

لم تكن الأزمات في مسيرة النبي القائد ﷺ عوارض تُفضي إلى الانكسار أو تُملي التراجع إلى الوراء، بل كانت محطاتٍ استراتيجيةً يُعاد فيها تنظيم الصفوف وتوسيع الميادين، وتُتخذ فيها المحن درجاتٍ في معراج التمكين. لقد أرسى النبي ﷺ منهجًا حركيًا فريدًا يقوم على التقدم الدائم مع الثبات المُطلق، بحيث يُقابَل كل ضغط بتوسيع رقعة التأثير، وتُقابَل كل محاولة للاستئصال بميلاد مرحلة أرقى وأشمل، دون أدنى تبديل في الخطاب أو تنازل عن وضوح الرؤية والهدف.

ومن المعلوم أن سنّة الابتلاء ليست عقابًا، بل هي الطريق المحتوم للرفعة، حيث اقتضت حكمة الله سبحانه أن جعل للنفوس سبيلًا إلى كمالها وسعادتها بالابتلاء والامتحان، فالابتلاء كيرُ النفوس ومحكّ الإيمان، وما رُفع أحدٌ إلا بعد أن يُبتلى فيثبت.

* من كتمان البناء إلى صدع المواجهة
بدأت الرسالة المحمدية بدعوة سرية مقصودة، لتشييد النواة الصلبة وتربية الجيل الأول في دار الأرقم، فلما بدأ المشركون بالتوجس والتربص، لم ينكفئ النبي ﷺ على نفسه، بل امتثل لأمر ربه: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}(94،سورة الحجر)، فانتقل بالدعوة من السرية إلى الجهر العلني. وحين عجزت قريش عن كسر هذا الامتداد بالعنف، لجأت إلى دهاء التفاوض وعرضت أنصاف الحلول ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق، وهنا نزل الحسم الرباني في سورة الكافرون قاطعًا دابر المساومة: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ}، ليؤكد المنهج القرآني والنبوي أن العقائد لا تقبل التجزئة، وأن المبادئ لا تخضع لمنطق البازارات السياسية.


* توسيع الساحات وكسر الحصار
كلما زاد طوق الحصار المكي إحكامًا، قابله النبي القائد ﷺ بتوسيع جغرافي متسارع لكسر الجمود:
تعدد الميادين الداخلية: حين أغلقت مكة أبوابها، يمّم النبي ﷺ وجهه شطر الطائف بحثًا عن نصرة جديدة وأرض خصبة، محوّلًا الصراع من معركة في ساحة واحدة إلى حركة تبحث عن عمق استراتيجي يحفظ لها خطابها ومكوناتها دون تغيير أو تبديل.

الانطلاق إلى الأفق الخارجي: وجّه أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، لتتحول القضية من أزمة محلية تحاصرها بطحاء مكة إلى قضية إقليمية عابرة للحدود تجد لها قدمًا راسخةً، مما وفّر عمقًا آمنًا للدعوة تحفظ به مقوماتها وخصائصها وخطابها، مما أربك حسابات الخصوم.

وخلال أحلك لحظات التضييق والمساومة، لم يلجأ النبي ﷺ إلى إخفاء شمولية دينه أو تلطيف طبيعته الحاكمة، لا أمام الضغط المكي الهائل، ولا في الساحات والميادين المتجددة، بل صرّح صلى الله عليه وسلم بملء فمه أمام وجهاء قريش حين ساوموه: «قولوا كلمة واحدة: لا إله إلا الله، تدين لكم بها العرب وتؤدي لكم بها العجم الجزية»، معلنًا بذلك أن هذا الوحي مشروع حضاري متكامل يجمع بين الدين والدولة، والعقيدة والسيادة، والعبادة والأخلاق والقضاء والقانون...

* من بناء الدولة إلى فتح الآفاق

حين بلغ الأذى مداه بالمؤامرة على قتله صلى الله عليه وسلم، كانت خطوة الهجرة إلى المدينة نقلة نوعية من مرحلة الدعوة المضطهدة إلى مرحلة تأسيس الدولة وإرساء دعائم الحكم والسيادة. وفي المدينة تجلّت عظمة المنهج النبوي، إذ لم يكد يستقر البناء حتى أطبقت قوى الشرك في غزوة الأحزاب في حصار خانق وصفه القرآن: {وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ}(10،سورة الأحزاب). وفي قلب ذلك الظلام الحالك، ضرب النبي ﷺ الصخرة مبشرًا بكنوز كسرى وقيصر، وما إن انقشعت ريح الأحزاب حتى انطلق النبي القائد صلى الله عليه وسلم نحو معادلته الاستراتيجية الخالدة: " الآنَ نَغزوهم ولا يَغزونَنا "، فكانت من تجلياتها الكبرى، الفتح المبين (صلح الحديبية)، ودخول مكة المكرمة بعد حين فاتحًا منتصرًا. 

إنّ الثبات على المبادئ مذهبٌ
طول المدى من سالِف الأزمانِ
وعقيدةٌ أَلِفَ الرجالُ رسوخَها
لا خير في متقلّب الألوانِ
حيث الرياحُ تميلُ مال بِصفّها
أو حيثُ ترجحُ كفّةُ الميزانِ
إنّ الحياة مبادئٌ وعقيدةٌ
تغدو بهِنّ قويَّةُ الأركانِ
فاربأ بنفسك عن متاهات الردى
فالعمرُ يمضي والحياة ثواني

تؤكد هذه المسيرة النبوية أن إدارة الأزمات لا ينبغي أن تكون عبر استسلامٍ للأمر الواقع أو تغييرٍ للخطاب إرضاءً للضغوط، وأن التفكير الاستراتيجي الإسلامي ينبغي أن يكون في إيجاد ساحات ومساحات تحفظ للكيان الإسلامي خصائصه ومقوماته وخطابه، وتحافظ على وضوح أهدافه ورؤيته، فليست كل المصالح يُجرى خلفها، فالثبات على المبادئ رأس المصالح. كما ويؤكد هذا المنهج النبوي أن الأزمات هي فن تحويل العقبات إلى رافعات، وأن الارتقاء فوق المحن يُصعد إليه بثبات وعزم ويقين، ليبقى الحق عزيزًا متقدمًا مهما تكالبت عليه التحديات.

وأخيرًا: لا يعرف المتاعب من تلذذ بمناجاة ربه، ولا يشعر بثقل الخطى من أيقن أن غايته رضا الله. ولم تكن هذه المنهجية النبوية لتثمر لولا فضل الله أولًا وآخرًا، ولولا هذه الثلة المؤمنة التي تربت على قوله تعالى : { كَلَّا لَا تُطِعۡهُ وَٱسۡجُدۡۤ وَٱقۡتَرِب۩ (19) }، و { يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ (1) قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا (2) } ، و{ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُدَّثِّرُ (1) قُمۡ فَأَنذِرۡ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرۡ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرۡ (4) وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ (5) وَلَا تَمۡنُن تَسۡتَكۡثِرُ(6) وَلِرَبِّكَ فَٱصۡبِرۡ (7) }، وقوله تعالى: { فَلَا تُطِعِ ٱلۡمُكَذِّبِينَ (8) وَدُّواْ لَوۡ تُدۡهِنُ فَيُدۡهِنُونَ (9) }. 

فتشكلت نفوس هذا الجيل القرآني الفريد وهي ترى النبي القائد صلى الله عليه وسلم إمامها وأمامها في الميادين، وكأنها تقول لمن بعدها:
عجبتُ لمن يشكو الأذى في طريقنا وفي القلب نورٌ من جلال محمدِ
ألم ترَ أن الحب يغسلُ همّنا ويجعل صعب الممكنات بمقصدِ
فإن هبّت الرياح واشتدّ العنا وجدنا جنان الخلد أقرب موعد 

والحمد لله رب العالمين.