كنوز نت - حمودولد سليمان/غيم الصحراء


الطريق إلي عيون الساقية الحمراء/يوميات/حمودولد سليمان/غيم الصحراء. 

 #الجزء الرابع والعشرون/والأخير. الآن أتذكر كل شيء 
.كل شيء
 تتزاحم الصور في خيالي وتتوارد . كأنها حدثت اليوم وليس في الماضي البعيد .علي وقعها الآن .وعلي قيدها .أغرق في التفاصيل. كيف أنسي ماحدث!يا للهول! .كيف أنسي يوم غامرت صوب النهر في الزمن المستحيل والصعب والقاسي.كيف انسي النهر في المساء الازرق .كيف أنسي الألم في تلك الليلة .التي 
بكيت فيها حتي مطلع الفجر.تلك الليلة التي لم أجد فيها الدواء .وتداويت بدهن الماعز .وقد أوشكت ان اموت 
كم كانت رحلة تمبكتو قاسية ومؤلمة .كيف نجوت من خطط ومؤامرات كهنة الصحراء؟
كيف نجوت من حادث تمبكتو !
كل ما حدث يبدو خياليا .غير معقول .مؤلما إلي حد فظيع .يصعب نسيانه ويصعب كتابته .لا استطيع وكيف لي أن كتب كل تفاصيل المحنة القاسية التي مررت بها .في زمن تكالب علي فيه الكهنة الأوغاد والوثنيين
والمتواطئين ضد الله 
كيف لي أن أكتب كل الحرب التي خضتها ضد قوي الظلام وكهنة العصر أتباع راسبوتين اللعين 
  
تمبكتو الفجيعة و البكاء الطويل .المسارات المكبدة بالخسارات والدم تحضرالان .شاهدة علي المحنة . في الزمن الصعب المكمم والمقيد بالسلاسل .في الزمن المقموع .المذبوح في هامش الوقت .
تمبكتو سفرالخروج الثاني ..الهرب من الوحوش والنجاة من الموت 
..الآن استعيد شريط الذكري . تمر حياتي أمامي حلقات متواصلة متقطعة ..مرتان .أوشكت علي الموت .قالت لي أمي طيب الله ثراها 
في صغري .مرضت مرضا شديدا .تعرضت لضربة شمس قوية في البادية..صرعت ..قضيت أياما بلا حراك امي ظنت اني لن اعيش ..داووني بالطب التقليدي ..كووني.تركت الكية ندبة علي جمجمتي ..نجوت من الشمس القاتلة ..
كيف نجوت ؟ لست أدري .
مرة اخري نجوت في تمبكتو من موت محقق .قفزت بي 
السيارة في منحدر سحيق 
كيف نجوت .لست أدري ؟ 
مرة اخري ها انا انجو بأعجوبة !
يا للقدر .سر الله الخالق العظيم . الذي يحرم السؤال عنه كما 
 قال الشيخ ابن عربي في فتوحاته /في حديث ينسبه للرسول الكريم .انه سأل الملاك جبريل عن القدر .فقال له "لئن سألتني عنه مرة أخري لأمحون اسمك من ديوان النبوءة "
القدر السر . من يحاول ان يعرفه مآله المحو والسحق .من ديوان النبوءة وكتاب الوجود 
ما حولي الآن يدور 
العالم كله يدور 
الأفق يبدو كالحا . البحر كئيا .صامتا .


كلب سائب يعدو في البرية /

الريح تعوي من حولي .البرد الشديد يهاجمني ..والذكريات تذبحني. كل شيء .يذكي جرحي .
المحجوب الآن .يندب قدره .خسر كل شيء 
السيارة التي كان يعلق عليها آماله .تحطمت وتهشمت .وانتهت ...مازال غارقا في هول الصدمة وهو يمشي ويجي .ينظر في حطام سيارته .غير مصدق لما حدث !
مشيت قليلا عنه تركته في حزنه .دموعه بدأت تنزل من عينيه.احيانا كثيرة نكون ونحن نكفكف الدمع سعداء ..عندما نتخلص من الحمل الثقيل ونفرغ شحنات الحزن والالم . 
أمامي فراغ .لاشيء هنا .الصحراء تمتد في الأفق.  
البحر من الجهة الاخري . السيارة .مهشمة . 
.كل شيء محطم .المحجوب يمسك رأسه حائرا كمن يقف علي الهاوية .يسأل كيف تحطمت سيارته الجديدة .في لحظة واحدة أصبحت خردة 
لاشيء .غير الفراغ 
قريبا مني تبدو شجيرة وحيدة نابتة في عزلة عن العالم
سرت في اتجاهها وبينما أنا اخطو اذا بكلب سائب يعدو نحوي .لا أدري من اين قدم .جهة البحر ام من الصحراء ..كلب أبيض يعدو اتجاهي وهو يلهث .وقفت ..اقترب مني أكثر .جلست اتامل فيه .ظل ينظر في .وفي عينيه الدمع.وعلي فمه بقع دم جديد .لست أدري .لعله منذ دقائق انتهي من فريسته .ظل كلانا ينظر في الاخر .بصبص وأقعي .ورجع إلي الوراء .يقينا لم اري مثل نظرات هذا المخلوق . كلما حاولت أن اقترب منه كان يتراجع إلي الوراء . من أرسل هذا الكلب إلي .في هذا الخلاء .السماء وحدها تعلم .من أين جاء من جهة البحر ام من الصحراء .لست أدري ؟
كلما تحركت تراجع إلي الوراء ..
ماذا لو كنت ميتا الآن. ربما كان سيفترس جثتي في الخلاء .مثلما تفعل الصقور والوحوش. 
اي كلب هذا الذي يحدق بنظرات تشبه نظرات الأدمي الذي يقرأ الدوا خل .يا للعجب !!
نزعت قبعتي ومسحت عني التراب .وهو ينظر في . ولما التفت جهة البحر التفت نحوي .وعيناه الحمراوان المتقدتان مثل الشهاب .تنظران بحدة وقوة في ..
اي كلب هذا ؟اي مخلوق غريب ينضم لمشهدية الخوف والكآبة والنجاة من الموت والفراغ !
نظرات قوية غريبة ..جسدت لي نداء البرية وقصة الكلب باك في نداء البرية لجاك لندن ..كلبي خارج عن القطيع او ربما كان قائدا له .يحرس هذه البرية 
بصبص .مد لسانه إلي الأمام .أقعي مرة اخري .التفت جهة البحر. انطلق يعدو نحوه ثم رجع إلي . طردته فرجع .أخرجت هاتفي لأصوره .فابتعد أكثر. وبدأ يعرج قليلا ..لست أدري هل تلقي ضربة في الخلاء .او تعارك مع حيوان مفترس ..بدأ يعرج وينظر في حزن خلفه .هل اتبعه .لم استطيع ان أصوره .كان يلتفت .تبعته ثم رجعت .ظل يعدو جهة البحر حتي اختفي عني وراء الرمال .



عيون الساقية الحمراء/
نواكشوط/8/اوت/2026

إشارة اخيرة/
وصلت إلي نواكشوط التاسعة ليلا 2026/4/27
_
الصورة .التقطتها في مكان الحادث جهة البحر من مسافة بعيدة قليلا.حاولت فيها التعبيرعن التفاعل بين إحساسي الداخلي ومشهدية المكان..المائل / كما تصورته