كنوز نت - حسن عبادي| حيفا


متنفَّس عبرَ القضبان (206)
حسن عبادي| حيفا


بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛ 
أصدرت كتاباً بعنوان "زهرات في قلب الجحيم" (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع)، وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024.
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بالأهالي محاولاً أن أكون جسراً بينهم وبين بناتهم عبر القضبان؛  
حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي المقيت؛
  • وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
ملاحظة لا بدّ منها؛ زياراتي منذ بداية مبادرتي التواصليّة مع الأسرى والأسيرات بشكل دوري، بناءً على طلب الأهالي و/أو الأسير/ة، لكلّ من يتوجّه لي، بشكل شخصيّ، بعيداً عن المؤسّساتيّة، (وحين أنهيت في حينه جولة زيارات لكلّ الأسيرات بدأت بجولة ثانية وثالثة)، ولفت انتباهي أن بعض الأسيرات لم يحظين بأيّة زيارة مؤسساتيّة لشهور، بينما زميلات الزنزانة "المقرّبات" حظين بزيارات متكرّرة، (أو زيارة محامي خاص من قبل بعض الأهالي المقتدرين) ممّا يحز في نفوسهن ويتضايقن ويتذمرن ويتساءلن: ليش؟ كلّنا بنات تسعة شهور.
عقّبت الأسيرة المحرّرة دارين أم أحمد طبيل/ غزّة: "بارك الله فيك وجزاك الله كل خير على مجهودك الرائع وإصرارك على إيصال صوت الأسيرات ومعاناتهم والتذكير بهن دائما. فك الله قيد جميع الأسرى والأسيرات وربط على قلوبهم ودمر كيد كل من أراد بهم أذى وسوءاً".
وعقّب الروائي نافذ الرفاعي: "هذه المثابرة على حمل الكلمات والمشاعر والحكايا من خلف القضبان إلى فضاء الحرية، وهكذا تعانق زياراتك والتي تسردها بكل أناقة وروعة وإبداع تميزا وسبيلا آخر للبحث عن الضوء في ظلام السجن صديقي الباهي عالي التكريم".
وعقّبت رنا داوود: "عندما نتحدث عن الإخلاص في العمل، وعن العطاء اللامحدود، فإننا بكل اعتزاز بنتذكر اسمك الفلسطيني الذي شكّل على مدار هذه السنوات نموذجًا يتحلى بالمسؤولية والوطنية الصادقة. كنت وما زلت بصمة مميزة في مسيرة الحركة الأسيرة، ومثالًا يُحتذى للمرأة الفلسطينية القوية التي لا تعرف المستحيل، وأتمنى يبقى عطاؤكِ حاضرًا ومُلهمًا في كل مكان تخطّي فيه خطواتك القادمة. دمتِ رمزًا للفخر والعطاء، وتاريخًا يُروى للأجيال ولأسيراتنا الماجدات".

  •  "تفتيشات كل ليلة!"
التقيت ظهر الثلاثاء 01.09.2026 في سجن الدامون بأعالي الكرمل السليب بالأسيرة بسملة شادي أحمد سعد (مواليد 30.06.2006 من قرية إرطاس/ بيت لحم، طالبة تصميم داخلي في جامعة أبو ديس (عيّدت عيد ميلادي العشرين بالسجن وكنت لازم أتخرّج يوم 23.06.2026). 
لم أؤجل اللقاء رغم وفاة أخي محمد ومشاركتي ببيت العزاء، لأهميّة لقاءاتي بالأسيرات ومتابعة ظروف اعتقالهن. 
أوصلتها سلامات العائلة وأخبارها (سيدار مبلّشة تدريب بمستشفى بيت جالا الحكومي، براء بتأمل تكوني معه بعمليّته الجاي، ووتين تعلمّت تعمل كيك). دمعتها سخيّة.
 اعتقلت ليلة 12.03.2026، بحدود وقت آذان الفجر، أخذوني لمركز تحقيق معاليه أدوميم، وبعدها للمسكوبية (17 يوم كلها جحيم وكابوس، برفقة شيماء حلايقة، سعاد الخواجا، فاطمة بعيوات، لمى خاطر ودعاء بطاط)، ووصلت الدامون.
بسملة بغرفة 9؛ برفقة هناء طحاينة، لمى خاطر، منى أبو حسين، مها الرفاعي، نداء قطامش، نهلة منى، يمامة الهرينات، رغد الفني، وسلوى غوادرة/ جديدة/ 83 عاما!). 4 أسيرات بناموا ع الأرض – بسملة ورغد واليمامة وسلوى.
الوضع في الدامون كثير صعب، لين مسك بالعزل 32 يوم، وكمان بالعزل شيماء خازم، ياسمين شعبان وفاطمة جسراوي (الصبايا قلقات على بشرى الطويل وخبّرتها أنها بعزل الرملة)، القمعات مستمرّة، سحبوا كل الأواعي بأسبوع قمعة (بن غفير)، 3 أيام بدون حمام وبدون غيار، تفتيشات كل ليلة، العزل بدون توقّف والكلّ معرّض للعزل بدون سبب. جمعة وسبت ممنوع الغسيل.

  • الحساسيّة منتشرة بالقسم وبدون علاج.
طلبت إيصال سلاماتها للجميع ومعايدات بأعياد الميلاد: وتين وسيدار وعلي وإلهام (وتين/ آخر العنقود: كثير متحمسة أروّح وأوكل من كعكاتك، شوية شوية ع تلفوني)، تبارك لحسام بالزواج، وقالت دامعة: كلّ مرّة بتوجّع أو بزعل بتيجيني أمي وبتواسيني.
دمعتي نزلت كثير بس صرت أقوى.
أملَت عليّ رسائل الصبايا لأهاليهن (منى أبو حسين، هناء حماد، أسيل، ياسمين، مياس، شاتيلا، شيماء، سجى، دعاء، سلام، براءة وفداء).
في الدامون 84 أسيرة.
وصلت مبارح أسيرة جديدة-براءة أبو خديجة/ طولكرم/ حامل بالشهر الرابع.
حين انتهى اللقاء أخبرتني أنّ الكلبشات مشدودة كثير فطلبت من السجّان تخفيفها.

  • " الصبايا بدهن مواعيد الصلاة"
مباشرة بعد لقائي بالأسيرة بسملة، أطلّت الأسيرة نتالي سامر فختر أبو دية مبتسمة (مواليد 09.01.2005 من بيت جالا، طالبة إعلام/ سنة ثالثة/ جامعة بير زيت). 
أوصلتها أخبار العائلة وسلاماتها، وتنهّدت حين علمت أن (اللابتوب وكل أغراضك عنا) وضحكت حين أخبرتها برسالة والدها (إذا صار في قمع وتصوير عندك بالغرفة وقفي قدام الكاميرا عشان نشوفك ههه استغلي الوضع)، وفرحت حين أعلمتها بأنّ غادة بنت خالها جابت بنت وسمّتها يانا (تبارك لها). ابتسمت ابتسامة عريضة حين أخبرتها: (ديري بالك على حالك واشتقنا لك وما بدنا منسف قبل ما تطلعي بالسلامة يسوع دايما معك وحاميك، منحبك وما بدنا لا تعوضينا ولا بطيخ، بس اطلعي بالسلامة).
نتالي بغرفة 7؛ برفقة هناء بيدق، غادة وريدات، سماح صوف (شو صار بالعليا؟)، جولان أبو عواد وسما صافي. 3 أسيرات بناموا ع الأرض.
اعتقلت ليلة 02.06.2026، ليلة في معسكر تحقيق، وبعدها للمسكوبية (أسبوعين كابوسيّة برفقة سما وليلى وجولان)، ووصلت الدامون.
الوضع في الدامون سيئ جداً، حساسيّة قاتلة بسبب الرطوبة، القمعات والوضع من سيئ إلى أسوأ، القمعة الكبيرة ليلة زيارة (بن غفير)، كلّ ليلة تفتيشات، 4 صبايا معزولات. شحّ بالملابس الداخليّة.
في الدامون 84 أسيرة. سلوى ثمانينيّة ومش مهديّين لها بال. وصلت مبارح أسيرة جديدة-براءة/ طولكرم/ حامل بالشهر الرابع.
 طلبت إيصال سلاماتها للأهل (بحبكّم ومشتاقة كثير، بسمحلكم تعملوا منسف. بجاه الله، حرام) ولكل من يسأل عنها.
  • نتالي والصبايا بباركوا لكرمل بالخطوبة.
أملَت عليّ رسائل الصبايا لأهاليهن (نداء قطامش/ بدها معلومات عن ولادها).
افترقنا وابتسامتها تلازمها دون انقطاع.
الصبايا بدهن الزيارة الجاي مواعيد الصلاة.
لكن عزيزتيّ بسملة ونتالي أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون على أمل لقاء قريب يجمعنا في رحاب الوطن.
                                                                                                                  
الدامون/ حيفا أيلول 2026