.png)
كنوز نت - إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
الأخطاء المنهجية للدكتور عبد الله إبراهيم في موسوعة السرد العربي
- إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن
ليست المشكلة في الأعمال الكبيرة أنها كبيرة، ولا في المشاريع الطويلة أنها استغرقتْ سنوات من صاحبها، وإنما المشكلة تبدأ حين تتحول ضخامة العمل إلى حُجَّة ضمنية على صحته، ويصبح اتساع المادة بديلًا عن صرامة السؤال، وتصير كثرة الصفحات بديلًا عن قوة البرهنة.
من هذه الزاوية تحديدًا ينبغي أن تُقْرَأ موسوعة السرد العربي، للناقد العراقي الدكتور عبد الله إبراهيم ( وُلد 1957 ). نحن أمام مشروع واسع يتعقب السردَ العربي من مراحله القديمة إلى السرد الحديث. والموسوعةُ لم تُكتَب دفعة واحدة، بل نشأتْ من دراسات وبحوث وفصول أُعيد تحريرها وجمعها داخل المشروع النهائي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل نجح هذا التراكم الهائل في إنتاج تاريخ نقدي متماسك للسرد العربي أمْ أنه أنتجَ سردية كبرى عن السرد العربي أكثر مما أنتجَ تاريخًا علميًّا نهائيًّا له؟.
أول إشكال منهجي يواجه القارئ هو مفهوم الموسوعة. الموسوعةُ، بالمعنى العلمي الصارم، ليست مجرد عمل ضخم، ولا مجموعة من الدراسات المتجاورة التي يجمعها موضوع واحد. الموسوعةُ تفترض نظامًا واضحًا للتصنيف، وتوازنًا نسبيًّا في التغطية، وضبطًا للمصطلحات، وشبكة إحالات دقيقة، وتعيينًا للحدود بين المواد، وتوازنًا بين ما يُدرَج وما يُستبعَد.
مشروع إبراهيم تشكَّلَ من كُتب وفصول ودراسات مستقلة أُعيدَ تحريرها لكي تصبح جزءًا من بناء أكبر، وقد كان يكتب الفصلَ، ثم يُحوِّله إلى مقالات، ثم يعيد صياغته بحثًا، ثم يجمع الفصولَ في كتاب، ثم يعيد تحريرَ الكتاب ضمن الموسوعة. هذه الطريقة تخلق مشكلةً كبيرة، هل وحدة الموضوع تكفي لصنع وحدة الموسوعة أمْ أن القارئ يظلُّ أمام آثار واضحة لتاريخ النصوص المختلفة التي سبقت اندراجَها في البناء الموسوعي؟.
إنَّ جمع الدراسات في إطار واحد لا يجعلها بالضرورة أجزاء من نظام معرفي واحد. وقد تكون هناك وحدة في رؤية المؤلف، لكن الوحدة الفكرية شيء، والوحدة الموسوعية شيء آخر. وإحدى مشكلات الموسوعة أنها تقع في منطقة ملتبسة بين الموسوعة والتاريخ النقدي والمشروع الشخصي في السرديات. ولا شك أنَّ نوع الكتاب الذي نقرؤه يُحدِّد نوعَ السلطة التي نمنحها لنتائجه. إذا كان كتابًا نقديًّا واسعًا، فمن حق مؤلفه أن ينتقي ويجادل ويقترح، أمَّا إذا قُدِّمَ بوصفه موسوعة، فإنَّ الانتقاء يصبح بحاجة إلى تفسير.
لماذا هذا النص وليس ذاك؟، ولماذا هذا النوع السردي دون غيره؟، ولماذا تُمنَح ظاهرة ما عشرات الصفحات بينما تمرُّ ظاهرة أُخرى مرورًا سريعًا؟، وما هو معيار المركز والهامش والأهمية؟.
الموسوعة لا تكتفي بجرد الأنواع السردية العربية، أو وصف تطورها، وإنما تسعى إلى تفسير الظاهرة السردية ضمن سياق ثقافي عربي واسع، واستخلاصِ ما يمكن تسميته بالسردية العربية.
وعبارةُ " السردية العربية"، تبدو للوهلة الأُولى واضحة، لكنها تصبح شديدة التعقيد حين نبدأ في اختبارها تاريخيًّا. ما المقصود بالعربي هُنا؟، هل المقصود اللغة؟، إذا كان الأمر كذلك، فالمعيار لغوي. هل المقصود الثقافة؟، الثقافة العربية ليست كُتلة واحدة. هل المقصود المجال الحضاري الإسلامي؟، هذا أوسع بكثير من "العربي". هل المقصود المجتمعات التي أنتجتْ نصوصًا باللغة العربية؟، هذا يفتح البابَ أمام اختلافات مذهبية وإقليمية وإثنية وثقافية هائلة.
لهذا فإنَّ استعمال مصطلح " السردية العربية" قد يوحي بِقَدْرٍ من التجانس أكبر مما تسمح به المادةُ التاريخية. السردُ المُنْتَجُ في العراق ليس بالضرورة نُسخة من السرد المُنْتَج في مصر أو المغرب أو الشام أو الجزيرة العربية. والسردُ الديني ليس السرد التاريخي، والسيرة الشعبية ليست المقامة، والخبر ليس الحكاية الخرافية، والرحلة ليست الرواية.
في سياق الحديث عن " السردية العربية" يجب التمييز بين ثلاثة أمور: التأثير المباشر، والتشابه الثقافي، وإعادة الإنتاج التاريخي.
ووجودُ عناصر حكائية أو تقنيات سردية متشابهة بين نص قديم ورواية حديثة لا يثبت وحده أنَّ الرواية الحديثة تشكلت من ذلك النص أو النوع. والتاريخُ الأدبي يحتاج إلى أدلة انتقال، وليس التشابه وحده. وإذا قُلنا إن الرواية العربية لم تولد من تقليد الرواية الأوروبية، فهذا لا يعني تلقائيًّا أنها نتاج مباشر لتفكك الأشكال السردية العربية القديمة. قد يكون الواقع أكثر تركيبًا وتعقيدًا، فهناك تأثيرات أوروبية، وترجمة، وصحافة، وتعليم حديث، وتغيُّر في بنية المدينة، ونشوء جمهور قارئ، وتغيُّر في مفهوم الفرد والجماعة، وتحولات سياسية، وانتقالات في مفهوم الزمن والتاريخ، واستمرار بعض التقاليد الحكائية، وتداخل كُلِّ ذلك في لحظة تاريخية واحدة.
لذلك فإنَّ أي تفسير كُلي لنشأة الرواية العربية يحتاج إلى شبكة سببيَّة أكثر تفصيلًا مما تسمح به عملية إعادة تشكيل الرصيد السردي.
من الملاحظات المهمة على مشروع إبراهيم أنه يستفيد من السرديات الحديثة، لكنه لا يريد إخضاعَ المادة العربية إخضاعًا آليًّا لنظرية جاهزة. مِن جهة، يريد المشروعُ التحررَ من إسقاطات المصطلحات الغربية على النص العربي، ومن جهة ثانية، فإنَّ كثيرًا من أدوات التحليل الأساسيَّة جاءت أصلًا من تاريخ علم السرد الحديث: الراوي، والمروي، والمروي له، والبنية، والزمن، ووجهة النظر، والوظيفة، وغيرها. وهذا يعني أنَّ الحوار معَ النظريات الحديثة حاضرٌ، لكن مسألة إعادة بناء الجهاز المفاهيمي من داخل المادة العربية تحتاج إلى برهنة أكثر صرامةً وتماسكًا.
من النقاط المركزية في مشروع إبراهيم توسيعُ مفهوم السرد بحيث لا يقتصر على الأدب بالمعنى الضيق، وإنما يشمل المرويات الدينية والتاريخية والثقافية وغيرها. وهذا واضحٌ في اهتمامه بالسرد بوصفه ظاهرة يتقاطع فيها الأدبُ معَ التاريخ والدين والثقافة والذاكرة. لكنَّ توسيع المفهوم شديد الخطورة، وكلما اتَّسع مفهومُ السرد أصبح أقل قدرة على التمييز بين الأشياء. وإذا صار كُلُّ خطاب يحكي أو يُرتِّب الأحداثَ سردًا، فما الذي يبقى خاصًّا بالسرد الأدبي؟.
وإذا كانت الرواية والسيرة والخبر والتاريخ والمقامة والرحلة والخرافة كُلها تدخل في فضاء واحد، فلا بد من معايير شديدة الصرامة لتحديد الفروق بينها، وسِوى ذلك سيتحوَّل السردُ إلى مظلة هائلة تغطي مساحةَ الثقافة كلها، وعندئذ سيفقد المفهومُ قوته التمييزية. والمفهومُ العلمي الجيد لا يُقَاس بقدرته على احتواء أكبر عدد من الظواهر، وإنما بقدرته على تمييز الظواهر المتشابهة من الظواهر المختلفة.
المشروعُ يَحمل اهتمامًا بمشكلة المركز والهامش، ويحرص على نقد المركزيات الثقافية. لكن ثمَّة مشكلة يمكن أن تظهر عندما ننتقل من نقد المركز إلى إعادة بناء مركز جديد.
والقولُ إنَّ السرد كان مُهَمَّشًا أمام الشعر مفيد تاريخيًّا، لكنه لا يكفي لإثبات وجود وحدة سردية متماسكة. كما أنَّ اكتشاف السرد في مواد لَم تكن تُصنَّف باعتبارها أدبًا لا يعني بالضرورة أنَّ تلك المواد كانت تؤدِّي الوظيفة الجمالية نفسها التي يؤدِّيها الأدب.
وهُنا يجب الفصل بين الحكي، والأدبِ السردي، والوعي بالنوع السردي. وعدمُ الفصل الدقيق بين هذه المستويات قد يؤدِّي إلى توسيع التاريخ الأدبي بأثر رجعي. أي إنَّنا نرى السردَ بأعيننا الحديثة داخل نصوص قديمة، ثم نعيد تصنيفَها بناءً على هذا الاكتشاف.
ومِن أقوى الاعتراضات الممكنة على الموسوعة أن العمل الموسوعي لا يُقَاس فقط بما يدرسه، بلْ أيضًا بما يستبعده. وهُنا تصبح قائمة الغياب مهمة مِثل قائمة الحضور. وهناك أنماط سردية وقضايا لم تحظَ في موسوعة إبراهيم بما يكفي من المراجعة. وهُنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت الموسوعة تريد رسم تاريخ شامل للسرد العربي، فهل يكفي اختيار " الأنواع الكبرى" ؟.
مِن أكبر المخاطر التي تواجه أيَّ تاريخ شامل للأدب العربي أن يتحوَّل " العربي" عمليًّا إلى "المشرقي" أو إلى مجموعة من المراكز الأدبية المعروفة.والمادةُ العربية مُوزَّعة على مجال جغرافي هائل مِن عُمان حتى المغرب بالإضافة إلى الأندلس. ولا تكفي الإشارة إلى المناطق لإثبات التوازن بينها، المعيارُ الحقيقي هو كمية البحث، ودرجة التحليل، وعدد النصوص، ومستوى التوثيق، وموقع كُلِّ منطقة في السرد التاريخي العام. وهذا مُهم خصوصًا لأنَّ المشروع لا يُقَدِّم دراسات منفصلة فحسب، بلْ أيضًا يطمح إلى بناء تاريخ طويل للسرد. والتاريخُ الذي يُركِّز بكثافة على بعض المراكز يمكن أن يعيد إنتاجَ المركزية نفسها التي يُحاول تفكيكَها، ولكن بلغة نقدية جديدة.
حين ننتقل من الجاهلية إلى عصر صدر الإسلام، ثم الأموي، ثم العباسي، ثم عصر الدول المتتابعة، ثم القرن التاسع عشر، ثم الرواية الحديثة، فنحن لا ننتقل بين مراحل بسيطة، وإنما بين أنظمة ثقافية مختلفة جذريًّا. ومن الصعب جدًّا استخدامُ جهاز مفاهيمي واحد دون تعديلات كبيرة.
وهُنا يظهر سؤال مهم: هل التاريخ الذي ترسمه الموسوعة تاريخ متصل أمْ أنه سلسلة من التحولات يَجمعها مفهوم السرد؟. إذا كان تاريخًا متصلًا فلا بد من إثبات آليَّات الاستمرار، وإذا كان تاريخًا منقطعًا ومتحولًا فلا بد من تفسير أسباب القطيعة. أمَّا الجمع بين الاستمرارية والقطيعة في الوقت نفسه دون تحديد مستويات كُل منهما فسوف يؤدي إلى مرونة تفسيرية زائدة. وهذه المرونة قد تكون مفيدةً في التأويل، لكنها تصبح مشكلة في التاريخ.
الموسوعةُ تريد الكشفَ عن خصوصية السرد العربي.لكن إثبات الخصوصية يحتاج إلى مقارنة. لا يمكن أن نقول إنَّ بنية ما "عربية" لمجرد أنها ظهرتْ في نص عربي. العربيةُ هي لغة النص، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات خصوصيته الحضارية.
ولإثبات خصوصية بنية سردية ما ينبغي أن نسأل: هل هذه البنية غير موجودة في تقاليد سردية أُخرى؟. إذا كانت موجودة، فما الذي يجعل استعمالها عربيًّا؟، وإذا كانت مشتركة فهل خصوصيتها تكمن في الوظيفة أم السياق أم التلقي أم البنية أم العلاقة بين هذه العناصر؟.
هذه الأسئلة تجعل مفهوم " السردية العربية" أكثر تعقيدًا مما يبدو عليه في الصياغة العامة للمشروع. والخطورةُ تكمن في تحوُّل الخصوصية من نتيجة بحثية إلى افتراض سابق على البحث. أي إنَّ الباحث يبحث عن " العربي" داخل المادة، لأنه افترضَ أنَّ هناك " عربيًّا" ينبغي اكتشافه. وهُنا يظهر الفرقُ الكبير بين اكتشاف الخصوصية والبحثِ عن الخصوصية. ويترتب على ذلك أن تتحوَّل عملية البحث من اكتشاف ما تقوله المادة، إلى إثبات ما نريد منها أن تقوله.
إنَّ الموسوعة تَحمل معها اختياراتها النظرية. اختارتْ رؤيةَ السرد باعتباره ظاهرة ثقافية واسعة، والبحثَ عن الاستمرارية بين الموروثِ والحديث، ومقاومةَ تفسير الرواية العربية من خلال الغرب وحده، والبحثَ عن خصوصية سردية عربية، والتعاملَ معَ المركز والهامش، والاستفادةَ من السرديات الحديثة دون الالتزام الصارم بنظرية واحدة. كُلُّ اختيار من هذه الاختيارات يمكن الدفاع عنه، لكنه ليس حقيقة نهائية وحاسمة. إنه زاوية نظر. وهُنا ينبغي أن تتراجع سُلطة العنوان " الموسوعة" قليلًا لصالح سُلطة المنهج، فالكتابُ الموسوعي لا يصبح محايدًا لمجرد أنه موسوعي، والعملُ الذي يضمُّ آلاف الصفحات يمكن أن يَحمل فرضيةً واحدة شديدة القوة تتحكم في معظم استنتاجاته.
مِن المشكلات المهمة في المشروع أنه يطرح أحيانًا ثنائية تحتاج إلى تفكيك أكبر. مثلًا، إمَّا أن الرواية العربية وليدة التأثير الغربي، وإمَّا أنها ناتجة عن إعادة تشكيل الموروث العربي. لكن التاريخ لا يعمل بهذه الثنائية. قد تكون الرواية العربية نتاج ترجمة، وموروث، وصحافة، وتغيُّر اجتماعي،وتعليم،ومدينية،واحتكاك استعماري، وتشكُّل طبقات اجتماعية جديدة، وتحوُّل في مفهوم الذات، وتغيُّر في سوق الكتاب. لذلك فإن التفسير الأفضل تاريخيًّا ليس بالضرورة الذي يستبدل مركزية بمركزية أُخرى، وإنما الذي يعتمد على تعددِ الأسباب،وتنوُّعِ الظروف، واختلافِ زوايا الرؤية.
قد تكون كثرة المصادر والفهارس والإحالات نقطة قوة في مشروع بهذا الحجم، لكنَّ التوثيق لا يجعل التأويلَ صحيحًا بالضرورة. يمكن أن يكون لديك مئات المراجع، وتظل النتيجة التأويلية قابلة للاعتراض، لأنَّ السؤال الحقيقي: هل المصادر والمراجع تثبت النتيجةَ التي بُنيت عليها؟، وهذا يدلُّ على وجود فرق جوهري بين التوثيق والبرهنة. لذلك يجب التمييز دائمًا بين الدليل والتفسير والاستنتاج والفرضية.
والكتابةُ النقدية الطويلة حين تتراكم فيها المصطلحات الكبرى: المركزية، والهوية، والسردية، والموروث، والثقافة، والتخييل، والذاكرة، والسياق، والاختلاف، والآخَر، تصبح مُعرَّضة لخطر أن تتحول المفاهيم إلى شبكة فوضوية تُفَسِّر بعضها بعضًا.
وهُنا يحتاج الباحث إلى العودة باستمرار إلى النص لاستنطاقه، ومعرفةِ كيفية عمله، والتقنية التي يستخدمها،وطريقة تشكُّل الراوي والرواية، وانتظام الزمن، وطبيعة العلاقة بين القول والحكاية.
مِن الخطأ التعاملُ معَ هذا المشروع باعتباره آخر كلمة في تاريخ السرد العربي. كُلُّ موسوعة أدبية هي نتاج زمنها، والمصادر تتغيَّر، والنظريات تتبدَّل، والمخطوطات تُكتشَف، والنصوص يُعاد تحقيقها، والمفاهيم تتطور، والأنواع الأدبية يُعاد تصنيفها، بل إنَّ مفهوم "السرد" يتغيَّر بتغيُّر الزمانِ والمكانِ وطبيعةِ الناس.
يمكن تلخيص هذا المقال على شكل نقاط محددة:
1_ مفهوم "السردية العربية" يحتاج إلى تحديد أكثر صرامة، لأنه مُعرَّض لتحويل التعدد التاريخي إلى وحدة ثقافية افتراضية.
2_ الانتقال من التشابه بين السرد القديم والحديث إلى إثبات الاستمرارية التاريخية، يحتاج إلى أدلة انتقال وتأثير، وليس التشابه البنيوي وحده.
3_ توسيع مفهوم السرد إلى المجال الديني والتاريخي والثقافي يهدد بإضعاف الحدود بين السرد الأدبي وغيره.
4_ نقد المركزية الغربية لا يكفي وحده لإثبات تفسير بديل، فرفضُ التبعية لا يعني تلقائيًّا إثبات الأصل المحلي.
5_ التفسير الثقافي الواسع قد يأتي أحيانًا على حساب التفاصيل النصية والجمالية.
6_ أيُّ تاريخ للسرد العربي يحتاج إلى مساءلة أكبر لمعايير الاختيار والاستبعاد، لأنَّ ما تغفله الموسوعة مهم بِقَدْرِ ما تدرسه.
7_ التوازن الجغرافي والنوعي والاجتماعي لا يمكن افتراضه من مجرد اتساع عدد الأجزاء.
8_ مفهوم " العربي" يحتاج إلى تدقيق، لأنه قد يَجمع تحت عنوان واحد تجارب تاريخية مختلفة، وظواهر ثقافية متباينة.
9_ حضور المرأة والسرد النسوي يحتاج إلى قراءة تتجنَّب تفسير الكتابة النسوية بمفاهيم قد تَحمل أحكامًا مسبقة على الذات الأنثوية.
10_ التعدد النظري الذي يتبناه المشروع لا يعفيه من ضرورة إعلان الحدود الإجرائية لكلِّ مفهوم عند استخدامه.
إنَّ موسوعة السرد العربي هي صياغة نقدية واسعة لتاريخ السرد العربي، محكومة برؤية صاحبها إلى المركز والهامش، والموروث والحداثة، والعرب والغرب، والنص والثقافة، والاستمرارية والانقطاع.وهُنا تحديدًا تكمن نقطة ضعفها الكبرى. إنها لا تكتفي بأن تسأل عن السرد العربي، بل تسعى إلى منحه تفسيرًا عامًّا.والسردُ العربي ليس صوتًا واحدًا، ولا بنية واحدة، ولا مسارًا مستقيمًا، ولا نتيجة ثقافية واحدة. كان دائمًا ساحة صراع بين نصوص ومؤسسات وذاكرات ومذاهب وأقاليم وطبقات وأجناس وأصوات.
والمطلوبُ هو إعادة فحص مراجع المشروع، واختبار تصنيفاته، وقراءة نصوصه الأساسيَّة، ومقارنة نتائجه بما تنتهي إليه الدراسات اللاحقة.
21/09/2026 09:00 pm 13
.jpg)
.jpg)