
كنوز نت - بقلم: رانية مرجية
جوزيف إيليا… حين تصبح القصيدة بيتًا للإنسان
بقلم: رانية مرجية
لا يحتاج الشاعر الحقيقي إلى ضجيجٍ ليُسمَع، ولا إلى غموضٍ ليبدو عميقًا. يكفيه أن يكتب من المكان الذي تلتقي فيه التجربة بالصدق، فتغدو القصيدة أثرًا لا ينتهي بانتهاء القراءة. ومن هذا المكان، تحديدًا، يكتب القس جوزيف إيليا؛ شاعرًا لا يستعير اللغة من معجم البلاغة، بل من خبرة حياةٍ عاشت الألم والرجاء، والإيمان والحنين، والمحبة التي لم تفقد قدرتها على مقاومة القسوة.
والحديث عن جوزيف إيليا لا يستقيم إذا بدأ من صفته الكنسية وحدها، كما لا يكتمل إذا اقتصر على تجربته الشعرية مجردةً من سياقها الإنساني. فهو لم يكتب الشعر بوصفه امتدادًا للكهنوت، ولم يجعل الكهنوت إطارًا يحدّ من حرية القصيدة. ترك لكل منهما مجاله، حتى التقيا في مساحة أرحب؛ مساحة الإنسان، حيث تصبح الكلمة فعلًا أخلاقيًا، ويغدو الجمال طريقًا إلى المعنى، لا غايةً مستقلة عنه.
ومنذ عناوين دواوينه يلوح مشروع شعري يبحث عن الهوية قبل الزخرفة. ففي «أنا لغة أخرى» لا تبدو اللغة أداةً للتعبير، بل صورةً للكينونة، وكأن الشاعر يقول إن الإنسان لا يُعرَّف بما ينطق به، بل بما يتركه من أثر في العالم. أما «نمضي ولا نمضي» فتختزل مفارقة الزمن والذاكرة؛ نمضي بأجسادنا، بينما يظل شيءٌ منا مقيمًا في الأمكنة الأولى، وفي الوجوه التي صنعتنا، وفي الكلمات التي لا تكف عن العودة.
وتنعكس هذه الرؤية بوضوح في قصائده. فهو لا يطارد الصورة الغريبة، ولا يثقل النص بالمجازات المتكلفة، بل يراهن على صفاء العبارة وقدرتها على حمل المعنى. والوضوح الذي يختاره ليس بساطةً ساذجة، بل ثمرة ثقة بالنص؛ إذ يبدو مؤمنًا بأن العمق لا يولد من الغموض، وإنما من صدق التجربة وشفافية الرؤية.
في قصيدته «هو الشعر» يقدّم جوزيف إيليا رؤيته للكتابة من غير تنظير. فالشعر، في نظره، ليس مهارةً لغوية، ولا تمرينًا على البلاغة، بل قدرة على إعادة الحياة إلى ما يوشك أن ييبس في الداخل. ويقول:
«ويخضرُّ ما فينا وننسى جفافَنا
…
هو الشِّعرُ عنوانٌ لخُلدٍ نريدُهُ
فبالشِّعرِ وحشُ الموتِ فانٍ ومزدَرى.»
فالشعر هنا قوة حياة، وفعل مقاومة للجفاف الروحي، ومحاولة دائمة لاستعادة الإنسان من قسوة العالم. ولعل هذه النظرة هي التي تمنح قصائده ذلك الهدوء الواثق؛ فهي لا تصرخ لأنها تثق بقوة الكلمة.
وفي قصيدة «أعرف» يبرز وجه آخر للشاعر؛ وجه الباحث الذي لا يدّعي امتلاك الحقيقة. يبدأ باعتراف يذكّر بالحكمة السقراطية:
«أعرفُ أنّي لا أعرفُ
كيف يغنّي هذا العصفورُ على شجري المكسور…
لكنّي أسمعُهُ
وأحاولُ أن أجعلَ من نغمتِهِ مزمورًا.»
لا يقف الشاعر عند حدود الاعتراف بالجهل، بل يحوّل السؤال إلى بداية تأمل، حيث يتجاور الإيمان مع التواضع، والمعرفة مع الإصغاء، في توازن نادر لا تنقلب فيه القصيدة إلى خطاب وعظي، بل تبقى مساحةً إنسانية للتفكير.
أما في قصائده الوجدانية، ولا سيما «أتحبني؟»، فإن المرأة لا تظهر بوصفها موضوعًا للغزل التقليدي، بل شريكًا في اكتشاف المعنى. يقول:
«ما أنتِ ملهمةً لقافيتي
بل أنتِ أكبرُ حين أذكرُها
أنتِ الحقيقةُ نبضُ أوردتي
لا شيء في دهري يزوّرُها.»
فالحب عنده ليس انفعالًا عابرًا، ولا انتصارًا للأنا، بل فعل ارتقاء يحرر الإنسان من قسوته الداخلية. ولهذا تأتي لغته رقيقةً من غير ضعف، وعميقةً من غير تعقيد، لأنها تنطلق من احترام الإنسان قبل الاحتفاء بالصورة.
وربما كانت هذه السمة هي الأكثر حضورًا في مجمل تجربته؛ فالمحبة ليست موضوعًا يكرره، بل البنية الخفية التي تنتظم عالمه الشعري. إنها حاضرة في نظرته إلى الإنسان، وإلى الوطن، وإلى المعرفة، وحتى إلى الشعر نفسه. لذلك لا تبدو القصيدة عنده وسيلةً للهروب من الواقع، بل محاولة لإصلاح شيء فيه، ولو كان ذلك الشيء قلبًا واحدًا أرهقته الخيبات.
ولم يكن المنفى، الذي فرضته ظروف الحياة على كثير من السوريين، مجرد انتقال جغرافي في تجربة جوزيف إيليا، بل تحوّل إلى اختبار للذاكرة، وإلى مساحة يتجدد فيها معنى الانتماء. لكنه لم يكتب الغربة بلغة الرثاء، ولم يجعل الوطن شعارًا عاطفيًا. ظل الوطن عنده ذاكرةً أخلاقية، وحضورًا يسكن اللغة أكثر مما يسكن الخرائط.
وقد يقال إن جوزيف إيليا لا ينتمي إلى المغامرة الحداثية التي تقوم على تفكيك البنية الشعرية أو الإغراق في الرمز، وهذا صحيح إلى حدٍّ ما. غير أن القيمة الأدبية لا تُقاس دائمًا بمدى المغامرة الشكلية، بل بقدرة الشاعر على أن يخلق صوته الخاص. وقد اختار جوزيف إيليا طريقًا مختلفًا؛ طريق القصيدة التي تثق بالمعنى، وتؤمن بأن الجمال لا يحتاج إلى صخب كي يبقى.
إن ما يمنح هذه التجربة فرادتها ليس أنها تجمع بين الشعر والإيمان، فهذه التجربة عرفها الأدب العربي في أكثر من محطة، وإنما لأنها تجعل الإيمان قيمةً إنسانية تتجلى في أخلاق النص، لا في شعاراته. فلا يشعر القارئ أنه أمام قصيدة تريد أن تلقنه حقيقة، بل أمام شاعر يشاركه أسئلته، ويمنحه شيئًا من الطمأنينة التي اكتسبها عبر رحلة طويلة مع الحياة.
بعد قراءة شعر جوزيف إيليا، لا يبقى في الذاكرة بيتٌ واحد بقدر ما يبقى أثرٌ إنساني كامل. وهذا، في النهاية، هو الامتحان الأصعب لكل شاعر؛ أن تنتهي القصيدة، ويبقى الإنسان حاضرًا فيها. وقد نجح جوزيف إيليا في ذلك لأنه لم يكتب عن الإنسان من الخارج، بل كتب من داخله.
وهذه، في تقديري، هي القيمة الأجمل في تجربته.
24/07/2026 05:12 pm 21
.jpg)
.jpg)