كنوز نت - د.إدريس جرادات-مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي 




تقبيل أرجل الوالدين، والغزل المتبادل بين الزوجين على وسائل التواصل الاجتماعي
حمى الاستعرض الرقمي وترند اللايكات
د.إدريس جرادات-مركز السنابل للدراسات والتراث الشعبي 
  
      ينتشر على وسائل التواصل الاجتماعي تقبيل أرجل الوالدين، والغزل المتبادل بين الزوجين، وجلسات الحب والغرام والجلسات الترفيهية الموثقة بالصور نحيث تحول بر الوالدين من قيمة تعبدية وإنسانية صامتة إلى "صناعة محتوى". علما بأن البر الحقيقي مكانه البيوت والخدمة الفعلية،وطاعة الوالدين ورعايتهما والاعتناء بهما ، بينما نشره على فيسبوك غالباً ما يُفقد السلوك روحانيته ويحوله إلى أداة لكسب التعاطف ومديح المتابعين.
      أما الغزل المتبادل والكلمات العاطفية وجلسات الغرام بين المتزوجين والخاطبين والمطلقين والحردانين والزعلانين واللي عايشين في بيت واحد جسد بلا روح المنشورة علناً تكسر حاجز الهيبة والخصوصية التي تميز العلاقة الزوجية. في كثير من الأحيان، يكون هذا الاستعراض تعويضاً عن جفاف عاطفي حقيقي في الواقع، أو محاولة لتصدير صورة مثالية غير واقعية لإثارة الغيرة بين الآخرينتقليد للمسلسلات الأجنبية .
    كما تحول البيت من "مستودع أسرار" إلى "استوديو مفتوح". نشر الخلافات العائلية يعكس غياب النضج الاجتماعي والقدرة على حل المشكلات داخل الإطار الأسري ،واللجوء للجمهور الافتراضي في الخلافات الشخصية يزيد من اشتعالها؛ فالجمهور لا يملك وعياً بالخلفيات، وغالباً ما يغذي الصراع بالانحيازات والتعليقات العاطفية، مما يحول المشكلة البسيطة إلى قطيعة دائمة.
     ونشر تفاصيل الرحلات، الأكلات، والطلعات و"شمات الهوى " والنزهات يتجاوز مجرد "مشاركة الفرحة" ليصبح أداة لإنتاج الفوارق الجتماعية والاقتصادية وممارسة "الاستعلاء الرقمي" بتصوير كل حركة وجلسة .هذا السلوك يساهم في زيادة الضغط النفسي على العائلات الأقل حظاً، ويزرع المقارنة الدائمة والنقمة على الواقع لدى فئات واسعة من المتابعين خاصة الجيران والمقربين وفيها نظرة حسد وخبث ومكر وحقد وضغينة .
     أما عبارات المديح المنمقة والمبالغ فيها التي تخالف الحقيقة تمثل "عملة رخيصة" للتداول على فيسبوك. يُستخدم النفاق الرقمي كأداة للمصالح المتبادلة والتقرب من أصحاب النفوذ أو لجمع "الإعجابات" ، مما يؤدي إلى تمييع المعايير الحقيقية للتقييم؛ فالمبدع الحقيقي يتساوى مع المدعي، والجاهل يُصنع منه مفكر بفضل آلة "مسح الجوخ" والتعليقات الجاهزة المنسوخة والمكررة.
      لقد أسهمت هذه السلوكيات في تحويل المجتمع الافتراضي إلى مجتمع "استعراضي" بامتياز، تذوب فيه الحدود الفاصلة بين العام والخاص، ويُقاس فيه نبل الأخلاق وعمق المشاعر بعدد "اللايكات" بدلاً من أثرها الحقيقي في النفوس والبيوت.
كيف نكبح جماح الاستعراض الرقمي؟
- الاتفاق داخل الأسرة على الخطوط الحمراء التي لا يُسمح بتجاوزها على منصات التواصل (مثل: غرف النوم، الخلافات الأسرية، اللحظات الحميمية، وتفاصيل حياة الأطفال الخاصة) لكل بيت اسرار واحترام خصوصية الآخر .
  -استبدال النشر العام على فيسبوك بمجموعات عائلية ضيقة ومغلقة (عبر واتساب أو تليغرام) لمشاركة صور الرحلات، المناسبات السعيدة، والتفاصيل اليومية مع الدائرة المقربة فقط التي تفرح بصدق ولا تصدر أحكاماً.
-تدريب النفس على عيش اللحظة الجميلة (وجبة، رحلة، لقاء دافئ) دون الحاجة لتوثيقها وعرضها. القيمة الحقيقية للحدث تكمن في عمق عيشه، لا في عدد من رآه.

- إدخال مفاهيم "التربية الإعلامية والرقمية" في المناهج والأنشطة اللامنهجية، لتعليم اليافعين كيفية التمييز بين الواقع والافتراض، وحماية خصوصيتهم على الإنترنت.
-لا يمكن إقناع الأبناء بالخصوصية بينما يمارس الآباء والأمهات استعراضاً يومياً لكل تفاصيل المنزل.
 -اإعادة تفعيل اللقاءات الدورية الفعلية في المضافات، الدواوين، أو المنازل، حيث يجري التواصل الإنساني الحقيقي وجهاً لوجه، وتُحل الخلافات في غرف مغلقة بعيداً عن ضجيج المنصات.
- توجيه الرغبة في الظهور والنشاط نحو العمل التطوعي الميداني، والنوادي الثقافية، والجمعيات الخيرية، حيث يكون للإنجاز أثر حقيقي ملموس على الأرض بدلاً من الأثر الافتراضي المؤقت.
- بدلاً من استعراض اليوميات التافهة، يمكن استثمار الحسابات الشخصية لنشر محتوى هادف: توثيق قصص التراث الشعبي، التعريف بالمهن القديمة، مشاركة الحكم والأمثال المحلية، أو مناقشة كتب وأفكار تسهم في رفع الوعي الجمعي.
- تشجيع الأقلام الشابة والكفاءات على كتابة مقالات تحليلية أو تقديم قراءات نقدية في قضايا تهم المجتمع، بدلاً من الانجرار وراء لغة "التريند" الهابطة.
- ممارسة هوايات تعزز الصحة النفسية والبدنية (كالرياضة، القراءة، الحرف اليدوية، أو تدوين المذكرات الشخصية في دفاتر ورقية تظل ملكاً لصاحبها وليست مشاعاً للجميع).
 -أن يسأل كل منا نفسه قبل الضغط على زر "نشر": لماذا أنشر هذا تحديداً؟ وهل سيضيف هذا المنشور قيمة حقيقية لمن يقرأه، أم أنه مجرد صرخة رقمية طلباً للانتباه؟
-الناس يعشقون "التوثيق" ومشاركة الإنجاز، وهذه غريزة بشرية طبيعية. الخطأ الذي تقع فيه بعض المؤسسات هو محاولة كبح هذه الغريزة بدلاً من توجيهها. البديل الأقوى هو توجيه كاميرات الهواتف من "الذات الشخصية" إلى "البيئة والمحيط":
-بدلاً من أن يصور الشخص رحلته الخاصة ليستعرض بها، تطلق المؤسسة الثقافية مسابقات محلية لـ "توثيق الحرف التراثية الآيلة للزوال"، أو "جمع التاريخ الشفوي وكلام الأجداد"، أو "رصد جماليات العمارة القديمة".
-تأسيس صالونات ثقافية، ندوات، أو مقاهٍ تراثية تابعة للمؤسسات المحلية يُمنع فيها استخدام الهواتف، أو يُشترط وضعها جانباً عند الدخول تحت شعار "ساعة تواصل حقيقي".
-على المؤسسات التربوية والمدارس تنظيم ورش عمل توعوية للأهالي لشرح الأثر النفسي بعيد المدى لتحويل الأبناء إلى "مادة استعراضية"، والتركيز على مفهوم "أمان الطفل الرقمي".
    الحل لا يكمن في إعلان الحرب على التكنولوجيا، بل في جعل "الحياة الواقعية" أكثر دفئاً، تشويقاً، وقيمة من العالم الافتراضي. عندما يجد الإنسان مجتمعاً واقعياً يحتويه ويقدره بصدق، سيتوقف تلقائياً عن استجداء الإعجابات المزيفة من خلف الشاشات.