كنوز نت - خالدية أبو جبل



قراءتي لقصيدة " إبحار في نار التجربة"
 للشاعر القدير طارق عون الله

"وكما يصنع الطفل 
طير الورقْ..
ثمً يحرقه…. أحترقْ".

كما يصنع الطفلُ طائرًا من الورق،
يصنع العالمُ أوهامه من هشاشةٍ تشبه القلب.
نفخٌ من خيال،"
يا لروعة ما حملتِ إلينا من غيث الفكر والوجع! ألشاعر القدير طارق عون في بيتك الشعري هذا، الذي قمت به بتشريح كوني وبنيوي للكينونة الإنسانية في أصفى تجلياتها وأكثرها قسوة . إنها رحلة تبدأ من براءة الطفولة وتنتهي عند مأساة التاريخ، مروراً بـ "الأنا" التي تواجه عريها في نهاية المطاف.

في هذه الأجزاء الستة، نسجت سيكولوجية الصانع المدمر تلك الجدلية الأزلية التي تحكم علاقة الإنسان بأوطانه، بأفكاره، وبذاته.
  وكما أطلقت على قصيدتك "إبحار في نار التجربه" يحتاج القارئ لإبحار آخر للنفاذ إلى تلك الظلال العميقة التي تسكن ما وراء السطور.
حيث يتدرج النص في مستويات الوعي عبر خط تصاعدي خطير؛ يبدأ بـ المجاز وينتهي بـ الاعتراف العاري
• (المجاز والسياسة):الشاعر يبدأ بطائر الورق كرمز للأوطان والأوهام التي نصنعها بهشاشة قلوبنا.فلا يكون معنى الحريق هنا شراً مطلقاً، بل هو "سؤال السلطة البدائي" الإنسان يصنع الوطن من نشيد سريع الاشتعال، ثم يحرقه ليختبر قدرته على المحو، وليتأكد أن "ما يعلو فوق أيديه لا يعلو عليه".

• حين ينكسر المجاز في الجزء الثالث. الشاعر يرفض دور "المحرق" ويتحول إلى "المنتظر" الانتظار هنا هو قمة الوجع الوجودي .أن ترى الشيء يحترق بذاته لأن طيرانه لم يكن خلاصاً. ولم يكنن الوجع في اللهيب، إنما في التردد بين الصنع والعداء.
• في الجزء الرابع، تذوب المسافات تماماً بين الفاعل والشاهد والأداة: (أنا الفاعل، أنا الشاهد، أنا النار). هنا يصل الشاعر إلى ذروة التطهير. في الالتحام في النار التي أصبحت هي الجسد ذاته.
"كلّ ما نحرقه
كان يريد أن يعيش أكثر منا.
وكلّ ما نتركه يحترق
يفضح عجزنا
عن الاعتراف.

لهذا لم أشعر بالاحتراق،
لأن النار كانت خارج الجسد،
 الخسارة
فكانت داخله،
باردة،
صامتة،
ولا تُرى ."

• في الجزأين الخامس والسادس،
•صار لا بد من المواجهة وتحمل المسؤولية كاملة حيث تسقط كل الأقنعة والاستعارات. يغلق الشاعر الباب على "الأنا" في المنتصف. لا لوم على الظروف، لا بكاء، لا ندم طفولي، بل "معرفة" جارحة. إنه يختار النتيجة ويتحمل ثقلها،
"وهذا
ليس قسوة،
بل صدقٌ جارح.


أنا لستُ ضحية نفسي،
ولا جلادها.
أنا المسؤول عنها.
وهذا أثقل
من كلّ احتراق.

وإن شعرتُ هنا بثقلٍ بلا صورة،
بضغطٍ بلا لغة،
فهذا هو النص الذي أردت.

وإن رغبتُ،

أستطيع بخطوة أخيرة أخطر:
أن أكتب نصّ الاعتراف الذي لا يُنشر.
ذاك الذي لا يطلب قارئًا…
بل يتحمّل صاحبه فقط.
وصاحبه مثقل بأعباء الوطن "
• لينتهي النص بالانكشاف الأخير والعودة 

إلى الجرح الأكبر: الوطن والأرض.

 وفي نظرة للرموز والظلال التفسية التي أتى بها الشاعر حيث يقول : "نحرق كي نطمئنَّ أننا ما زلنا نملك النهاية". في هذا العمق النفسي، يظهر الإنسان ككائن يخاف من أفكاره وأوطانه إذا ما حلقت بعيداً عنه. إحراق طائر الورق هو محاولة بائسة لإعادة السيطرة على المصير. نحن نصنع الأشياء بحب، لكننا نملك وعياً مسبقاً بفنائها، فنعجل بالفناء لننجو من مفاجأة الغدر.

في المقطع الرابع، يتجلى انشطار الذات بشكل عبقري:
•الفاعل بلا يد: القدرة المدمرة الكامنة فينا التي تتحرك كحتمية تاريخية.
•الشاهد بلا عين: الوعي الداخلي الذي 

يراقب انحدارنا نحو الهاوية دون أن يملك القدرة (أو الرغبة) في التدخل.
•النار بلا نهاية: الجوهر المحترق والمُحرِق في آن واحد.
. "ما لا يشتعل رغم أنه يستحق"
هذه العبارة هي واحدة من أعمق المفاهيم الفلسفية في النص. الوجع الحقيقي ليس في الخراب المشهود (المدن المحترقة، الوعود الزائلة)، بل في تلك الأشياء الميتة فينا التي لا تتحرك، تلك البلادة الروحية أو الخذلان الصامت الذي لا يملك حتى شرف الاحتراق.

في ختام النص يتجلى الرابط الوجودي بالوطن والأرض فتنزاح كل التجريدات الفلسفية لتكشف عن الجرح الحقيقي الذي كان يغذي النار طوال الوقت: "وصاحبه مثقل بأعباء الوطن" ثم "معركة العناق والتشبث بتلابيب 

الأرض".
هنا نفهم أن "طائر الورق" كان الوطن في تقلباته؛ الوطن الذي نغلّفه بالأناشيد والشعارات، ثم ندفعه بأيدينا (أو بقلة حيلتنا وصمتنا) نحو المحرقة. 
لكن الشاعر في الجزء السادس يعيد بناء الطمأنينة من رحم الرماد: حيث يرى في الانكشاف دليل قوة. و القدرة على النظر في المرآة والاعتراف بالمسؤولية تجاه الأرض والذات هي الخطوة الأولى للنجاة.
"هذا يعني -شئتَ أم أبيت-
أنك أقوى من الذي تؤنّبه في داخلك.

إن أردت،
لا نكتب الآن.
تعالَ نترك الصمت يعمل.
فالصمتُ أحيانًا

أصدق من أجمل نص.

وأنا هنا…
لا لأدفعك لأبعد،
بل لأتأكد من أنك لم تسقط وحدك في معركة العناقِ والتشبث بتلابيب الأرض.

…. سلامٌ لكَ يا وطن."

 كلّ هذه المعاني سكبها الشاعر في إيقاع هادئ ينساب مع الوجع فقد تميزت القصيدة بالاقتصاد اللغوي الصارم من خلال
استخدام جمل قصيرة، حاسمة، ومباشرة كضربات المِعْوَل.
وبالتخلي عن الزينة اللفظية، كما طلب الشاعر في الجزء الخامس ("نص بلا استعارة")، نجح في جعل الكلمة عارية تماماً، مما زاد من تدفق الصدق الجارح.

• وبذكاء منطقي وجميل جاء الإيقاع الدائري الذي بدأ بالطفل وانتهى بالطفولة البعيدة التي نرتدي فوقها ثياب العقلاء، مما يعكس حتمية المأساة الإنسانية وتكرار التاريخ.

هذه القصيدة هي "بيان في الصدق الوجودي" إنها لا تدين الإنسان بقدر ما تضعه أمام مرآته الكبرى. فقد جعل طارق عون الله في إبحاره الساخن هذا من حبره ناراً صهرت كل المساحيق التجميلية للمجاز، ليتركنا في النهاية أمام صمت دافئ، سلام للوطن، وقوة قادرة على "احتمال النظر" إلى الداخل دون فزع.
قصيدة تترك في الصدر ظلالا أطول بكثير من الكلمات


خالدية أبو جبل
2 حزيران 2026