كنوز نت - حسن عبادي| حيفا


متنفَّس عبرَ القضبان (178)
  • حسن عبادي| حيفا
بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛ 
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لصوت معناتهن وآلامهن وأحلامهن بعناق شمس الحريّة بعيداً عن القضبان.
أتواصل من بوابة الدامون مباشرة بأهالي الأسيرات لأطلعهن على وضع حرائرهن؛  
حاولت إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر "التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين"، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن، بعيداً عن الشجب والاستنكار وتحميل المسؤولية المؤسّساتي البغيض، وهذا أضعف الإيمان؛
  • وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّبت الصديقة فاطمة جوهر من الشتات: "لا حول ولا قوة الا بالله. أكثر من عام وأنا أتابع أحوال الأسيرات مع الأستاذ حسن ولا أدري إلى الآن لماذا يعتقلونهن ما السبب؟ ماذا يفعلن؟ ما هي الخطورة التي يشكلنها عليهم؟ إما مدرسة أو ربة بيت وأم أطفال أو طالبة جامعية أو محامية أو مهندسة لا أدري ولم أستنتج إلى الآن رغم أنني أقرأ جميع اللقاءات مع الأستاذ لا أجد شيئا ولا خطرا عليهم أنه ظلم وقهر المحتل... ولكن الله بالمرصاد لكل ظالم ومفتر. أما الأستاذ الشهم كريم الأصل صاحب اليد الطولى والمعروف الذي آثر خدمة الوطن وأبناء وطنه على المال فيستحق منا جميعا الشكر والعرفان وأن يسجل اسمه في سجل الشرفاء الخالدين فلا يسعني هنا إلا أن أقول دمت ذخرا وسندا للوطن ومنافحا عن كل مظلوم دام عطاؤك أستاذ حسن عبادي".
وعقّب الروائي نافذ الرفاعي: "صباحك ورد وحرية أيها المثابر في سرد ما وراء أحلام الأسيرات"
وعقّب الدكتور جمال سلسع: "في كل لقاء تنقش ألف وردة ونور في دهاليز السجون".
وعقّب الروائي وليد الهودلي[1]: "يبذل الأستاذ حسن جهدا كبيرا لإيصالها للناس. عمل صالح لا يوزن بالذهب"
  • "لفّات استعراضيّة"
التقيت صباح يوم الاثنين 12.01.2026 في سجن الدامون في أعالي الكرمل السليب بالأسيرة رغد نشأت صلاح الفني (مواليد 14.09.1998، طولكرم) وكنت قد زرتها ثلاث مرّات في الحبسة السابقة ولم نلتقِ مذّاك.
بعد التحيّة بادرت قائلة: "ما عندي ولا أيّة معلومة ليش أنا هون".
حدّثتني عن الاعتقال؛ يوم 01.01.2026 الساعة 3 وجه الصبح، داهم البيت عشرات المجندين برفقة مجنّدتين، أخذوني لمعسكر طولكرم، ومنه إلى سجن الشارون 3 أيام، شكلهم أخذوني بالغلط، وهناك كان تفتيش مهين رغم الاحتجاج، وبفكّر في كاميرات، طلبت دواء موسكول وما أعطوني.
حدّثتني عن وضع الأسيرات في الدامون (53 أسيرة)، برد وتجويع، نقل غرف كل الوقت (3 غرف خلال أسبوع)، والأسيرة الأخيرة نادية/ طولكرم. 
رغد في غرفة 5 (لينا وزوز، دلال حلبي[2]، سلام عواد، أم مجاهد، وهيام غزال/ أم البراء/ جديدة/ نابلسيّة).  
  • مش فاهمة راسي من إجريّ.
أوصلتها سلامات صديقي أمجد واهتمامه، وتبعث له أحرّ التعازي بوفاة أخيه.
بدأ الوضع يتصلّح بالنسبة لشو كان بفترة الحرب على غزة، وبطّلت الدخان.
بعدني مصدومة؛ كل الوقت مخابطة وضرب، مدير السجن لفّ بالقسم مع سلاح، وضابط العدد لفّ كمان مع سلاح. لفّات استعراضيّة.
رغد بتعايد أبوها بعيد ميلاده (01.01)، والماما (10.01) وأخوها أحمد (12.01) وبدها من كلّ واحد كعكة.
طلبت إيصال سلامات لأهلها ولكلّ من يسأل عنها ومش ناسيها.
  • "الطعم السيّئ!"
بعد لقائي بالأسيرة رغد أطلّت الأسيرة منال محمود حسن بدرساوي [3] (مواليد 13.03.1977، شارع القدس/ نابلس)، دكتورة/ محاضرة تغذية سريريّة في جامعة النجاح النابلسيّة، والدة لنعمة ومنة.
بعد التحيّة بادرت قائلة "فش حاجة لمقدّمات وتعارف، بعرف مين أنت، حكين لي الصبايا"، أوصلتها رسائل الوالدة وزوجها كمال وبناتها وأختها والعائلة والصديقات (ابتسمت لمّا سمعت "منولة" بالرسائل) فتنهّدت مع دمعة محبّة حين سمعت نتائج امتحانات البنات.
حدّثتني عن مخطوطة كتاب "التغذية في المعتقلات" وطلبت مني متابعته مع د. علا عنبتاوي، وخلّي الدكتورة رانية تكمّل مع د. نهال.
حدّثتني عن الاعتقال؛ يوم 03.11.2025، الساعة ثنتين ونص بالليل (كنت عاملة معمول. فكرَك كيف كان طعمه ومين أكل منّه؟)، اقتحم البيت مجندين كثار ومعهم مجنّدة واحدة، أخذوني لمعسكر حوارة أو عورتا، وبعدها بطريق وعرة، زعترة؟ وللتحقيق بسالم، ولسجن الشارون ليلة واحدة كابوسيّة، آثار البقّ بعدها معلّمة على جسمي، ومنها للدامون.
حدّثتني عن وضع الأسيرات في الدامون (53 أسيرة)؛ منال في غرفة 9 (فاطمة منصور [4]، سلام كساب، عائشة العبيات [5]، فاطمة جسراوي، ميسر هديبات، انتصار عواودة، سهير زعاقيق وفرح أبو عياش). 3 أسيران بناموا ع الأرض، كميات الأكل قليلة جداً، بعض الأسيرات ما بتعشّوا وبناموا بالجوع، فش تحسينات من يوم ما وصلت الدامون.

  حدّثتني عن الأذواق؛ المالح والحامض والمر والحلو، وهناك عالم ياباني اكتشف الذوق الخامس – بخلّي طعم الأكل أزكى وما بتقدر تصنّفه. في السجن اكتشفت الطعم السادس: الطعم السيّئ!
وانتقلت لتحدّثني عن أهداف الحج؛ أهمّها المساواة بين الحجّاج، نفس التجربة والفروق بتروح، زعامة السعوديّة وعمايلها بطّلتها، وهون في الدامون تحقّقت-
  • رغم الاختلافات-قلوبنا مع بعض.
 رسالتها لبنتها منّة: "خذي رخصة سواقة وديري بالك على موضوع أسنانك، أنت حبّي الكبير. لمّا أطلع رايحه أصير أمشّط لك شعرك".
لبنتها نعمة: "أنت حبّي الأول، فخورة فيك، ديري بالك ع أختك وحاولي اطبخي".
لأمها: "دائماً بدعواتي، دايماً بتذكّرك ونفسيّتي مرتاحة لأنك عند بناتي، جهّزي لأختي رحيق من أجرة المحلّ. شو مع المعاش من الجامعة؟؟"
أختها أم يوسف: "أحلى مفتول وأحلى سمك لمّا أطلع من هون".
وزوجها كمال/ بروفيسور أدب انجليزي "مشتاقة له كثير. وأضافت مازحه: قلبي مش مطمّن لقصّة إربد".
طلبت إيصال سلامات لأهلها وطلبة الجامعة وأميرة شاهين.
  • "مغنيّة الدامون"
بعد لقائي بالأسيرتين رغد ومنال، أطلّت مبتسمة ابتسامة عريضة الأسيرة سلام رزق الله سلمان كساب (مواليد 09.05.2005) من قرية قريوت/ نابلس، طالبة تسويق رقمي/ سنة ثالثة، جامعة بيرزيت، ورهن الاعتقال منذ 22.06.25، لألتقيها ثالثة.  
أوصلتها بداية سلامات أهلها؛ رسالة والدها "ابنتي الغالية، يا جمالاً في رمش الجفون يا نور العيون ومائها، يا سكينةً في القلب المحزون، يا حناناً يملئ قلب أبيك، يدعو لك في أول الليل وآخره حين يعم السكون أكثري من ذكر ربك واقرئي كتابه أطراف النهار وفي ظلمة الليل يملأه السكون يا بهجة النفس تزيل الهمّ وطمأنينة القلب بذكركِ يسود السرور والسكون". 
ورسالة والدتها "بنتي حبيبتي سلام كيف حالك يا إمي خبريني عنك إن شاء الله كويسه ومليحه كيف الوضع عندك بالنسبة للأكل واللبس في الأيام الباردة بضل هامل همك من البرد بس أنام بفطنلك وبظل أدعي لك ربنا يدفّيك ويفك أسرك يما حبيبتي".
وانبسطت لخبر تحرّر خالها نضال من الأسر، ودراسة أخيها خالد في جامعة خضوري، ورسالة أريج "بستنى طلعتك على نار عشان أعزمك على زرب ونشرب نسكافيه مع بعض وان شاء الله تكوني بيننا الشهر الجاي، وعرسي بشهر خمسة رح تكوني معنا بإذن الله يا حبيبتي".
حدّثتني عن وضع الأسيرات في الدامون (53 أسيرة)؛ سلام في غرفة 9 (منال بدرساوي، فرح أبو عياش، فاطمة منصور، سهير زعاقيق، عائشة العبيات، انتصار عواودة، فاطمة جسراوي، وميسر هديبات). 3 أسيرات بناموا ع الأرض. صار لي 7 أشهر في الدامون وما تحسن شي. اللي بخفّف عنّي أنّه خوالي بنفس الوضع.
الوضع بالعزل كان صعب كثير. (كنت صايمة، نزّلونا على القسم متأخّر بعد تحقيق مخابرات، أعطونا 10 دقائق نتحمّم. بلّشت أصلّي الظهر والعصر (كنت ناسية أنّه ممنوع الصلاة بالساحة وما اهتميت يكون عزل. صرخ الضابط: "ممنوع الصلاة بالساحة". كمّلت حتى سلّمت. كلبشوني بإيديّ وإجريّ وعصّبوا عينيّ، جرجروني وشحطوني ع العزل. نقلوني ع غرفة 7 – غرفة العقاب/ العزل، عقاب أسبوع كامل، غرفة باردة كثير، ممنوعة من الفورة، ممنوعة أشوف حدا، رجّعوني ع الغرف ثلاثة أيام رجّعوني كمان مرة ع العزل ثمانية أيام. يلي خفّف عليّ أني تذكرت شو أنت كنت كاتب عن الشيخ جمال أبو الهيجا، وذكرتني فيه كمان ابنته بنان "ممنوع الآذان في الجلبوع، وحدّثني عن عزله بسبب صلاته في ساحة الفورة رغم المنع (صلّيت بالساحة وحدي ذات جمعة، أخذوني على الزنازين الانفرادية لأربعة أيام). وأضافت "إن كان عزلي في سبيل الحرص على صلاتي فنِعم أجر المحترصين".
تذكّرت كمان أبوي ورسالته الأولى التي بعثها معك.
في العزل كنت أنشد "ذكّرينا يا بقايا الأمس فينا"، و "يا يُمّه عتمات السجن"
 بقدرة قادر صرت مغنيّة الدامون؛ بنشد للصبايا أناشيد الأسرى وأناشيد الترويحة، بنعمل لكل أسيرة حفلة بليلة ترويحتها.
   وصّل سلاماتي لأهلي وللكلّ، رغم كل شي إحنا مناح، ومعنوياتنا عالية.
  لكُنّ عزيزاتي رغد ومنال وسلام أحلى التحيّات، والحريّة لكن ولجميع أسرى الحريّة.
  • الدامون/ حيفا كانون الثاني 2026   
[1] أعتقل وليد الهودلي مجدّداً يوم 21.01.26
[2] تحرّرت دلال حلبي يوم 15.01.26  
[3] تحرّرت منال بدرساوي يوم 30.04.26  
[4] تحرّرت فاطمة منصور يوم 28.04.26  
[5] تحرّرت عائشة عبيات يوم 19.02.26