.jpg)
كنوز نت - كلّية سخنين الاكاديميّة لتأهيل المعلّمين
من التحدّي إلى صناعة النجاح:
الكلية الأكاديمية سخنين تسلّط الضوء على قضايا المحدودية البصرية في يوم دراسي إنساني ومهني
نظّم قسم التربية الخاصة في الكلية الأكاديمية سخنين يومًا دراسيًا مميّزًا بعنوان: "المحدودية البصرية بين التحدّي وصناعة النجاح"، بمشاركة نخبة من المختصين والمحاضرين، إلى جانب أصحاب تجارب شخصية ملهمة، وذلك بحضور أكاديمي وتربوي واسع. وقد جمع اليوم بين البعدَين العلمي والإنساني، مسلّطًا الضوء على التحديات التي يواجهها أصحاب المحدودية البصرية، وعلى الطاقات والإمكانات الكبيرة الكامنة لديهم.
وافتتحت اليومَ عريفةُ الحفل الدكتورة ليالي بدارنة، مرحّبةً بالمشاركين والحضور، لتتوالى بعدها الكلمات الترحيبية لكلٍّ من: بروفيسور فيصل عزايزة، رئيس الكلية الأكاديمية سخنين، والسيد نزيه بدارنة، المدير العام للكلية، والدكتورة مها سليمان أرسلان، رئيسة قسم التربية الخاصة، الذين أكدوا أهمية تعزيز الوعي المجتمعي والأكاديمي تجاه قضايا أصحاب المحدودية البصرية، وضرورة توفير بيئات تعليمية وإنسانية دامجة ترى الإنسان أولًا، وقدراته قبل تحدياته.
وفي كلمته، رحّب بروفيسور فيصل عزايزة بالحضور، مؤكدًا أن هذا اليوم لا يحمل بعدًا أكاديميًا ومهنيًا فحسب، بل يحمل كذلك رسالة إنسانية عميقة. وأشار إلى اعتزاز الكلية باستضافة نخبة من الضيوف والمحاضرين الذين شاركوا معرفة علمية وتجارب ثرية تمتد من الجوانب الطبية والتربوية والمهنية، وصولًا إلى قصص شخصية تجسّد معنى الإصرار وصناعة النجاح رغم التحديات.
ومن أبرز ما ورد في كلمته، استحضاره قصةَ طفلٍ في المرحلة الابتدائية كان يعاني من محدودية بصرية، بدأ رحلته مترددًا وخجولًا، يشعر بأن اختلافه قد يمنعه من أن يكون حاضرًا كغيره، لكن الأسرة والمدرسة والمعلمين اختاروا أن يروا قدراته لا محدوديته. ومع الوقت، تحوّل الخوف إلى ثقة، والتردد إلى حضور، حتى أصبح يقف أمام جمهور المدرسة ويلقي الشعر بثقة وفخر. وأكد عزايزة أن هذه القصة ليست حالة فردية، بل رسالة واضحة تؤكد أن الإنسان، عندما يُمنح فرصة حقيقية ودعمًا صادقًا، قد يفاجئ الجميع بما يستطيع تحقيقه.
كما تطرّق رئيس الكلية إلى تجربة شخصية تركت أثرًا عميقًا فيه خلال مسيرته الأكاديمية، تمثّلت في مرافقة الإعلامي والمستشار النفسي مصطفى شلاعطة، والذي لطالما تميّز بثقافته وحضوره وأسلوبه الإنساني الآسر في التواصل. وأوضح أن شلاعطة، رغم المحدودية البصرية التي يواجهها، شكّل نموذجًا حيًّا لما يمكن أن تصنعه الإرادة، مشيرًا إلى أنه كان يستمتع بالاستماع إليه، سواء في حديثه الإنساني أو حتى في وصفه للمباريات الرياضية بحماس وطلاقة لافتين، في تجربة شكّلت بالنسبة إليه درسًا مهمًا: أن بعض الأشخاص لا يرون العالم بأعينهم فقط، بل يمتلكون قدرة استثنائية على رؤيته بوعي وإحساس أعمق.
كما استعرض عزايزة نماذج عالمية وإنسانية أثبتت أن محدودية البصر لم تكن يومًا نهاية الحكاية، بل بداية لإنجازات استثنائية؛ من طه حسين الذي قهر العتمة ليصبح "عميد الأدب العربي"، إلى الموسيقار عمار الشريعي، وهيلين كيلر رمز الإرادة الإنسانية، وصولًا إلى لويس برايل الذي فتح بابتكاره أبواب المعرفة أمام ملايين الأشخاص حول العالم.
محاضرة غنيّة مع البروفيسور عروة ناصر
وشهد اليوم محورًا علميًا ومهنيًا قدّمه بروفيسور عروة ناصر، اختصاصي طب وجراحة العيون، تناول خلاله أبرز أمراض العيون والمشكلات البصرية الشائعة، وطرق تشخيصها والتعامل معها، مستندًا إلى خبرته المهنية الطويلة وحالات طبية عايشها وعالجها خلال مسيرته العملية. كما سلّط الضوء على أهمية التشخيص المبكر، والمتابعة الطبية الدقيقة، ودور التطور العلمي والطبي في تحسين جودة حياة المرضى.
ولم يقتصر حديثه على الجانب العلاجي البحت، بل شدّد كذلك على البعد الإنساني في رحلة العلاج، مؤكدًا أن المريض لا يحتاج إلى الدواء والتدخل الطبي فقط، بل يحتاج أيضًا إلى الاحتواء والمرافقة والدعم النفسي والاجتماعي، وأن الأسرة والطاقم العلاجي يشكّلان معًا جزءًا أساسيًا من رحلة التعافي والتأقلم مع التحديات البصرية.
مرافقة الطلاب أصحاب المحدودية البصرية
كما تضمّن اليوم محاضرة بعنوان: "بأعينهم نرى: مهارات المرافقة والدعم لطلاب المحدودية البصرية"، قدّمتها كلٌّ من مريم رافع، المرشدة اللوائية لطلاب المحدودية البصرية – لواء الشمال، وهناء خلايلة، مختصة الإتاحة الفيزيائية والتكنولوجية للطلاب ذوي المحدودية البصرية. وتطرّقتا إلى الجوانب المهنية والإنسانية المتعلقة بمرافقة الطلاب أصحاب المحدودية البصرية داخل الأطر التعليمية، مؤكدتَين أن التمكين الحقيقي يبدأ من فهم احتياجات الطالب، وتعزيز استقلاليته، وتوفير بيئات تعليمية دامجة، إلى جانب أهمية الإتاحة التكنولوجية والفيزيائية في فتح آفاق التعلم والمشاركة أمام الطلبة.
تجارب شخصية وإنسانية
وحمل القسم الثاني من اليوم الدراسي طابعًا إنسانيًا مؤثرًا، من خلال مجموعة من التجارب الشخصية التي عكست وجوهًا مختلفة من الإرادة والصمود والنجاح.
فقد شارك الأستاذ توفيق سليمان، مدير المدرسة الإعدادية عيلوط، تجربته الشخصية كأب لابن صاحب محدودية بصرية، في محاضرة حملت عنوان: "رحلة تحدٍّ ونجاح: من محدودية البصر إلى التميّز الأكاديمي – قصة أسرة صنعت الفرق". وتحدّث عن التحديات والهواجس والأسئلة التي ترافق العائلة في مثل هذه التجارب، لكنه ركّز كذلك على قوة الدعم الأسري والإيمان بالقدرات، مستعرضًا مسيرة ابنه الذي أصبح حافظًا للقرآن الكريم، وحاصلًا على اللقب الأول، وفي طريقه للحصول على اللقب الثاني، إلى جانب كونه شابًا خلوقًا وبارًّا بوالديه؛ في قصة شكّلت شهادة حيّة على أن المحدودية البصرية لا تمنع النجاح عندما يجد الإنسان من يؤمن به.
كما شاركت تسنيم طه، الكفيفة منذ الولادة، تجربتها الملهمة بعنوان: "الإرادة تصنع السعادة". وتحدّثت تسنيم، وهي أم لثلاثة أطفال، وحاصلة على لقب ثانٍ في اللغة العربية ولقب في علوم الشريعة، عن رحلة طويلة من التحديات والمواجهة، مؤكدة أن العمى لم يكن يومًا قيدًا يفرض تعريفها لذاتها أو سقفًا لطموحاتها. وروت كيف واجهت العقبات الاجتماعية واليومية والأكاديمية بإصرار لافت، رافضةً فكرة أن تكون أقل من أي شخص، ومؤمنة بأن قوة الإرادة والمعرفة قادرتان على فتح أبواب الحياة رغم كل الصعوبات.
وفي واحدة من أكثر المداخلات إنسانية وتأثيرًا، شاركت رنين دغش تجربتها بصفتها "أمًّا لثلاثة نجوم"، اثنان منهم يواجهان محدودية بصرية، في محاضرة حملت عنوان: "أمّ لعينين بلون السماء… أرى له ويرى بي". وبرفقة ابنتها صاحبة المحدودية البصرية، التي تدرس اليوم الحقوق في الجامعة العبرية في القدس، تحدّثت عن رحلة الأمومة بما تحمله من خوف ومسؤولية وإصرار، وعن التحديات اليومية التي واجهتها العائلة، مقابل الإيمان العميق بقدرات الأبناء وعدم السماح للمحدودية بأن تختزل أحلامهم أو مستقبلهم. وقدّمت تجربتها صورة مؤثرة عن معنى أن تكون العائلة شريكًا حقيقيًا في صناعة القوة والنجاح.
واختُتم اليوم الدراسي بتلخيص قدّمته الدكتورة ليالي بدارنة، أكدت فيه أهمية مواصلة العمل الأكاديمي والتربوي والإنساني من أجل تعزيز الوعي والدعم والتمكين، وترسيخ ثقافة ترى في أصحاب المحدودية البصرية شركاء كاملي الحضور والقدرة في المجتمع ومؤسسات التعليم.
















24/05/2026 12:16 pm 19
.jpg)
.jpg)