كنوز نت - سامي العلي


الممرضة منال جربان تحصل على وسام التقدير من وزارة الصحة

في إنجاز مهني وإنساني مشرّف، تم اختيار الممرضة منال جربان، مركزة مجال صحة المرأة في عيادة كلاليت – جسر الزرقاء، ضمن فوج الممرضات والممرضين المتميزين في البلاد لعام 2026، تكريمًا لمسيرة امتدت لأكثر من 25 عامًا من العطاء والعمل الإنساني والمهني المتواصل.

منال جربان، التي كانت تحلم في بداياتها أن تصبح معلمة، اختارت في نهاية المطاف طريق التمريض، لتكتشف مع السنوات أن هذه المهنة لم تكن مجرد خيار، بل رسالة حياة ومسؤولية تجاه الناس والمجتمع.

وفي حديث مؤثر حول بداية مسيرتها، استعرضت منال الدور الريادي الذي لعبته في مجال التوعية الجينية والأمراض الوراثية في جسر الزرقاء، وهي مسيرة بدأت عام 1997 بعد نشر نتائج بحث أجراه مستشفى شنايدر بالتعاون مع وزارة الصحة، داخل مركز الأم والطفل في القرية، بهدف فحص الطفرات والأمراض الوراثية المنتشرة في البلدة.

وتروي منال أن قصتها مع هذا المجال لم تكن مهنية فقط، بل شخصية وإنسانية أيضًا، إذ أن لديها شقيقتين مع إعاقة سمعية، وفي تلك السنوات لم يكن معروفًا ما إذا كان السبب وراثيًا أو ما هي الطفرة المسؤولة عن ذلك. وتقول:
“كبرنا ونحن نسمع كلمات جارحة ونظرات مؤلمة، مثل: هاي أخت البنت اللي ما بتسمع… لكن في بيتنا لم يكن هناك أي تمييز بسبب الإعاقة، بل إيمان بأن الإنسان بقيمته وإنسانيته.”

ومع انطلاق البحث، ساهمت منال في تجنيد النساء الحوامل والعائلات والأزواج للمشاركة في الفحوصات، رغم التحفظات الاجتماعية وصعوبة إقناع الناس في البداية. ومع انتقال المشروع إلى عيادة كلاليت – التي كانت آنذاك العيادة المركزية والوحيدة في القرية – وبدعم مدير العيادة حينها سامي نجار، تم اختيار منال لإدارة المبادرة.

وتوضح أن العمل بدأ بإجراء فحوصات دم للكشف عن الطفرات الوراثية، وكانت العينات تُرسل إلى مختبرات خارج البلاد، إلى أن تم اكتشاف أول طفرة جينية تسبب تخلفًا ذهنيًا، ثم لاحقًا تم الكشف عن وجود سبع طفرات جينية مختلفة في جسر الزرقاء، بعضها مرتبط بارتفاع نسب الإعاقة السمعية نتيجة زواج الأقارب.

وعلى مدار أكثر من عقدين، واصلت منال حملات التوعية والتثقيف من خلال التعاون مع طبيبات النساء وأطباء العائلة، كما تلقت تأهيلًا مهنيًا لإجراء الفحوصات بنفسها داخل العيادة وتقود عيادة الاستشارة الجينية بالبلدة، ما سهّل على الأهالي الوصول للخدمة ووفّر عليهم عناء السفر.


كما تخصصت أيضًا كمستشارة رضاعة، ورافقت أجيالًا من النساء والعائلات في مراحل الحمل والأمومة والصحة الوقائية.

وفي كلمات مؤثرة كتبها شقيقها مرعي ياسين بمناسبة هذا التكريم، قال:

“ليست كلّ البطولات تُصنع تحت الأضواء، بعضُها يولد في الطرقات المتعبة، وبين الناس الذين يحتاجون قلبًا قبل أن يحتاجوا علاجًا.

أختي منال، أشعر اليوم أنّ التمريض لم يكن مهنة اخترتِها، بل مهنة اختارتكِ أنتِ، لأنّ الرحمة التي في قلبك لا تشبه إلا هذا الطريق.

تكريمكِ على جهودكِ وعلى بحثكِ حول الطفرات الوراثية في جسر الزرقاء، هو فخر كبير لنا جميعًا، لأنكِ جعلتِ من العلم والإنسانية رسالة واحدة.

وأكثر ما يملأ القلب غصّةً وفخرًا معًا، أنّ أبي ليس هنا اليوم ليرى كل هذا. لكنّي متيقّن أنّه لو كان حاضرًا، لوقف بين الناس بعينين دامعتين وقلب ممتلئ بالكبرياء، وهو يرى ابنته تكبر بهذا النبل، وتصنع فرقًا حقيقيًا في حياة البشر.
رحمك الله يا أبي.

أخوكِ الذي سيبقى دائمًا فخورًا ومؤمنًا بكِ، وسندًا لكِ في كل خطوة، والذي سيرى في نجاحكِ دائمًا امتدادًا لكلّ ما كان يحلم به أبي.”

تكريم منال جربان ليس تكريمًا فرديًا فقط، بل هو تكريم لمسيرة طويلة من العمل الصامت، والإيمان بالعلم، وخدمة الناس بمحبة وإنسانية، وترك أثر حقيقي في حياة أجيال كاملة في جسر الزرقاء.