كنوز نت - بقلم رانية مرجية


سناء لهّب… حين يتحوّل المسرح إلى ضميرٍ يمشي بين الناس
  • بقلم رانية مرجية
لا تدخل سناء لهّب إلى المسرح كفنانةٍ تقف أمام الجمهور، بل كإنسانةٍ تعود إلى الإنسان في داخله.
كأنّ الخشبة ليست خشبة، بل مساحة مكشوفة للحقيقة، حيث لا يمكن للكلمات أن تتزيّن كثيرًا، ولا يمكن للروح أن تتخفّى خلف أقنعة مريحة.
هي من أولئك الذين لا يعتبرون الفنّ مهنة، بل سؤالًا مفتوحًا على الحياة:
كيف يمكن للإنسان أن يرى نفسه دون أن يهرب؟
في زمنٍ صار فيه الضجيج أعلى من المعنى، اختارت سناء أن تعمل في المنطقة الأكثر هدوءًا وخطورة في آن واحد:
منطقة الكشف البطيء، حيث لا شيء يُقال بسرعة، ولا شيء يُفهم من النظرة الأولى.
في أعمالها، لا تُقدَّم الشخصيات بوصفها أدوارًا، بل بوصفها حياةً تمشي على حافة الانكشاف.
إنسانٌ عاديّ جدًا، لكنه حين يُوضع تحت ضوء المسرح، يظهر ما كان مخفيًا في تفاصيله اليومية: الخوف، الصمت، العجز، والرغبة في النجاة بأي شكل.
سناء لهّب لا تصنع “حكايات”، بل تلمس الشقوق الصغيرة في الحكايات.
تلك الشقوق التي يدخل منها الألم دون إعلان، ويتسلّل منها العنف دون ضجيج، وتتشكل عبرها مصائر كاملة دون أن ينتبه أحد.
العنف في مسرحها ليس حدثًا صادمًا، بل حالة ممتدة.
ليس صرخة، بل لغة خفية تعيش في العلاقات، في البيوت، في السكوت الطويل بين الجملة والجملة.
وهنا تكمن قوة تجربتها: أنها لا تضع الواقع أمامنا، بل تزيل ما يمنعنا من رؤيته.
في عروضها، لا يشعر المتفرّج أنه يشاهد “قصة”،
بل يشعر أنه يُستدرج بهدوء إلى نفسه.
ولذلك، لا يخرج الجمهور من أعمالها بالانبهار السطحي، بل بنوع من الصمت المختلف؛
صمت يشبه إعادة التفكير في أشياء كان يظنها بديهية.
سناء لهّب لا تقدّم المسرح كزينة ثقافية، بل كحاجة إنسانية.
كأنّ الفنّ، في جوهره، ليس ترفًا جماليًا، بل محاولة متأخرة لفهم ما لم نفهمه في الحياة اليومية.
هي لا تُعلن موقفًا، ولا ترفع خطابًا، ولا تشرح العالم.
بل تترك العالم يتكلم بنفسه، بكل ارتباكه، بكل نقصه، بكل تلك التفاصيل التي نحاول عادةً تجاهلها كي نستمر.
في أعمالها، القضايا ليست عناوين:
العنف، التفكك، الإدمان، هشاشة العلاقات…
بل هي وجوهٌ حقيقية تمشي بيننا دون أن نلتفت إليها بما يكفي.
ولهذا، يبدو مسرحها أحيانًا كمرآة غير مريحة.
مرآة لا تُجمّل، ولا تُخيف، لكنها تقول الحقيقة كما هي: بهدوءٍ قاسٍ.
الأهم في تجربتها أنها لا تضع نفسها في موقع “المخلّص”.

هي لا تنقذ أحدًا، ولا تدّعي أنها تملك إجابات.
هي فقط تفتح الباب، وتترك الإنسان أمام ما يهرب منه عادةً: نفسه.
وهذا شكل نادر من الصدق الفني؛
أن لا تُقدّم حلولًا جاهزة، بل تُعيد طرح السؤال بطريقة لا يمكن تجاهلها.
في عالمٍ يميل إلى التبسيط، تأتي أعمالها لتعيد تعقيد الإنسان إلى مكانه الطبيعي.
فالإنسان ليس فكرة سهلة، ولا شخصية مستقرة، بل كائنٌ يعيش بين ما يظهر وما يُخفى، بين ما يقوله وما لا يجرؤ على قوله.
وربما لهذا السبب، لا تُنسى أعمالها بسهولة.
لأنها لا تنتهي بانتهاء العرض، بل تبدأ بعده.
في الطريق إلى البيت، في لحظة الصمت، في نظرة مفاجئة إلى الذات دون استعداد.
سناء لهّب…
ليست من الذين يملأون المسرح بالحضور،
بل من الذين يتركون في الداخل أثرًا لا يُرى بسهولة، لكنه يبقى.
وفي النهاية، يبدو أن ما تفعله ليس مسرحًا فقط،
بل محاولة هادئة لإعادة الإنسان إلى نفسه… دون ضجيج، دون ادّعاء، ودون أن يلاحظ ذلك في البداية