.jpeg)
كنوز نت - بقلم رانية مرجية
“الموت سرّ العبور: حين ينحلّ الزمن في الأبدية ويستيقظ المؤمن في الله”
- بقلم رانية مرجية
ليس الموت، في أفق الإيمان، حادثةً تُغلق سيرة الإنسان، بل لحظة انكشافٍ أخير، حيث تتعرّى الحقيقة من كل رموزها، ويُستعاد الكيان البشري في نوره الأول. إنّه ليس انطفاءً للوجود، بل انتقاله من نمطٍ زمنيّ هشّ إلى نمطٍ أبديّ ثابت؛ من حياةٍ تُقاس بالتعاقب، إلى حياةٍ تُقاس بالحضور. وفي هذا الانتقال، لا يُفقد الإنسان ذاته، بل يجدها في ملئها، لأن ما كان ناقصًا فيه يكتمل، وما كان مكسورًا ينجبر، وما كان مشتّتًا يتوحّد في الله.
في عمق الرؤية التي يقدّمها الكتاب المقدس، لا يُفهم الموت خارج سرّ المسيح، لأن المسيح لم يأتِ ليشرح الموت، بل ليحوّله من الداخل: دخله، وحمل ثقله، وعبَر به إلى القيامة، فصار الموت، منذ ذلك الحين، طريقًا إلى الحياة لا نهاية لها. لذلك يعلن الرب: “أنا هو القيامة والحياة. من آمن بي ولو مات فسيحيا” (يوحنا 11:25)، وهذا الإعلان لا يُقدَّم كتعزية عاطفية، بل كحقيقة وجودية تغيّر فهم الإنسان لمصيره، إذ يكشف أن الحياة التي تنبع من الله لا يمكن أن تُقهر بالموت، لأن مصدرها أبدي، وجوهرها شركة لا تنفصم.
وإذا كان الموت، في ظاهره، تفككًا وانحلالًا، فإنه في عمقه لحظة تجرّدٍ قصوى، تنكشف فيها حقيقة الإنسان بعيدًا عن كل ما راكمه من صورٍ وأقنعة. هناك، لا يقف الإنسان بما يملك، بل بما صار عليه؛ لا بما جمع، بل بما أحبّ؛ لا بما قال، بل بما عاش في العمق. وهنا تتجلّى رهبة الموت، لا لأنه فناء، بل لأنه كشف. غير أن هذا الكشف، في ضوء الإيمان، لا يقود إلى العدم، بل إلى العودة، إلى الله الذي منه خرج الإنسان وإليه يعود، حيث يتحوّل الخوف إلى رجاء، والرهبة إلى لقاء.
وفي هذا المعنى، يكتب الرسول: “لأننا إن عشنا فللرب نعيش، وإن متنا فللرب نموت” (رومية 14:8)، فيتلاشى الحدّ الفاصل بين الحياة والموت، لأن كليهما يصيران امتدادًا للعلاقة مع الله. فالحياة ليست مجرد زمن يُعاش، والموت ليس انقطاعًا لهذا الزمن، بل كلاهما يدخلان في سرّ الانتماء لله. ما كان يُعاش بالإيمان في زمن الغياب، يُعاش الآن بالمعاينة في ملء الحضور، وما كان يُدرك من خلال علامات ورموز، يُعطى في حقيقته الصافية.
ومع ذلك، لا يُنكر الإيمان وجع الموت، لأن الجسد الذي كان بيت الروح يذبل، والعلاقات التي شكّلت نسيج الحياة تنفصل في ظاهرها، والزمن الذي احتضن الذكريات يتوقّف، فيبدو الموت كأنه خسارة. لكن في عمقه، هو تحوّل. وكما يقول الرب: “الحق الحق أقول لكم: إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت، تبقى وحدها؛ ولكن إن ماتت، تأتي بثمر كثير” (يوحنا 12:24)، فيصبح الموت شرطًا للخصب، لا نهاية للعطاء، ومعبرًا إلى حياة أوسع، لا انطفاءً لما كان.
إن الوعد الذي يحمله الكتاب المقدس يتجاوز فكرة البقاء، ليصل إلى تحوّل الكينونة نفسها. “نحن الآن أولاد الله، ولم يُظهر بعد ماذا سنكون، ولكن نعلم أنه إذا أُظهر نكون مثله، لأننا سنراه كما هو” (1 يوحنا 3:2). هذه الرؤية ليست مجازًا، بل دعوة إلى الاشتراك في الحياة الإلهية، حيث لا حجاب يفصل، ولا ضعف يقيّد، ولا زمن يحدّ. هناك، لا يعود الإنسان يبحث عن الله، لأنه يصير في حضوره الدائم، في علاقة مكتملة لا يشوبها نقص.
وفي هذا الأفق، يغدو الموت ولادة، لا إلى عالمٍ آخر فحسب، بل إلى الحقيقة الكاملة للإنسان. فالإنسان، في حياته الأرضية، يظل في طور التشكّل، بين النعمة والضعف، بين النور والظل، أما في العبور، فيبلغ اكتماله في الله، حيث تتحقق الدعوة الأولى التي خُلق لأجلها. وهنا يتجلّى الوعد الأخير: “وسيمسح الله كل دمعة من عيونهم، والموت لا يكون فيما بعد، ولا يكون حزن ولا صراخ ولا وجع فيما بعد” (رؤيا 21:4)، فلا يعود الألم جزءًا من الوجود، بل ذكرى تجاوزه النور.
ومع ذلك، تبقى الدموع حاضرة في الزمن، لأن الفراق يوجع، ولأن الإنسان كائن علاقات، لكن دموع الإيمان تختلف في معناها، فهي لا تنبع من اليأس، بل من الرجاء. لقد بكى المسيح أمام قبر لعازر، فصار البكاء نفسه مكرّسًا بالحب، لكن هذا البكاء لا يُغلق الأفق، بل يفتحه على وعد اللقاء. لذلك يُقال: “لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم” (1 تسالونيكي 4:13)، لأن الحزن في الإيمان لا يُلغى، بل يُستضاء بالرجاء.
وفي النهاية، يبقى الموت سرًّا لا يُختزل بكلمات، لأنه الحدّ الذي تنتهي عنده اللغة ويبدأ فيه الصمت المملوء حضورًا. غير أن هذا الصمت ليس فراغًا، بل امتلاء لا يُقال، حيث يدخل الإنسان في عمق الحقيقة التي كان يلمسها من بعيد. هناك، لا يعود الإيمان انتظارًا، بل يصير رؤية، ولا يعود الرجاء توقّعًا، بل يصير تحققًا.
حين يموت المؤمن، لا ينحدر إلى العدم، بل يستيقظ في الله؛ لا يُمحى، بل يُستعاد؛ لا يُغلق تاريخه، بل يُفتح على أبدية تعطي لكل لحظة عاشها معناها الأخير. وهكذا، يصبح الموت، في عمقه، أعمق فعل حياة: أن يسلّم الإنسان ذاته بالكامل لذاك الذي تعلّم أن يثق به، وأن يدخل، أخيرًا، في حضن الذي لا يزول، حيث يبدأ الإنسان أن يكون، كما أراده الله منذ البدء: حيًا فيه، وله، وإلى الأبد.
29/04/2026 07:46 am 22
.jpg)
.jpg)