كنوز نت - كتبَ: رائد الحواري


ديوان مفاتيح السماء : للشاعر الأديب: وهيب نديم وهبة
  • كتبَ: رائد الحواري
أن تأتي الفكرة الدينية بلغة شعرية صوفية فهذا يجذب المتلقي لها مستمتعا بما يقدم له من شعر، فعندما يكون الشعر هو وسيلة نقل/إيصال الفكرة فهذا بحد ذاته يعد انجاز، فليس من السهل المزج بين الفكر والشعر، لكن الشاعر "وهيب نديم وهبة" يقدم نموذج فريد في هذا الإطار، ويقدم شعر ديني يجمع عناصر الفرح الطبيعية والكتابة، والمرأة والطبيعة، وهذا يتناسب مع طبيعة المضمون الذي يحمله الديوان، فهو يستثني عنصر الفرح المتبقي، التمرد، محافظا على نسق المضمون الذي يحمله، ولكي نبين جمالية المزج بين الكتابة والطبيعة سنأخذ شيئا مما جاء في الديوان:
يَجُوبُ جُبرائِيلُ، يَسبَحُ فِي بَحرِ الْفَضَاءِ،
يَخفِضُ لَهُ الرَّبُّ أَجنِحَةَ الْوَحْيِ
وَيَهبِطُ كَالرِّيحِ الْعَابِرِ بَينَ الْوَحيِ وَالْبِشَارَةِ..
بَاعِثًا فِي حُقُولِ الْحُرُوفِ وَكُرُومِ الْكَلِمَاتِ
وَبَسَاتِينِ اللُّغَةِ الْبِشَارَةَ..
تَنمُو وَتُزهِرُ فَوقَ الصَّخرِ وَالشَّجَرِ..
تَعلُو فِي فَضَاءِ الرَّبِّ الْمُعجِزَةُ، الرَّمزُ،
وَالرَّمزُ فِي كُتُبِ الْأَنبِياءِ بَلاغَةٌ..
سَيَأتِي حَامِلًا، قَنادِيلَ الْكَلِمَاتِ،
وَمِصبَاحًا مِنْ بَلّورٍ
وَالنُّورُ.. مَلاكُ السِّرِّ الْمَوعُودِ،
يَملكُ سِرَّ الْأَسرَارِ وَمَفَاتِيحَ السَّمَاواتِ
يُخرِجُ الْعَتَمَةَ مِنَ الْعُقُولِ وَيَزرَعُ
بُذورَ الْمَحَبَّةِ.
هُوَ الْقَادِمُ، سَيِّدُ النُّورِ وَالْأَرضِ وَالْعَاصِفَةِ
قَادِمٌ جَسَدًا وَأُسطُورَةً.. " ص18"
نلاحظ حضور الكتابة من خلال: "الحروف، الكلمات (مكررة)، اللغة، كتب، بلاغة" والطبيعة الأرضية من خلال: "حقول، كروم، تنمو، تزهر، الصخر، الأشجار" كما نجد الطبيعية السماوية: "الفضاء (مكرر)، كالريح، نور" واللافت في هذا الاستخدام أن الشاعر يمزج الكتابة بالطبيعة: "حقول الحروف وكروم الكلمات/وبساتين اللغة" وهذا ما اعطا الصورة الشعرية جمالية جعلت القارئ يتقبل (إدخال) أفكار دينية "البشارة" فالشاعر مرر أفكاره بطريقة سلسلة بحيث لا يشعر المتلقي بها، فالصورة والانسيابية واللغة السلسة كانت كافية لإحداث المتعة له، ومن ثم سيرسخ في ذهنه أن الأفكار/المضمون الذي جاء بهذا الطريقة وهذه اللغة وهذا الأسلوب بالتأكيد هي أفكار/مضامين يستحق التوقف عندها وتأملها، من هنا تكمن أهمية الشكل/الوسيلة/اللغة التي تستخدم في الديوان.
وإذا ما توقفنا عند الأفعال سنجدها بمجملها أفعال تقدم/ علو/ سمو، إذا ما استثنينا "يخفض، يهبط" المتعلقان بالرب، "يجوب، يسبح، باعثا، تنمو، تعلو، حاملا" وهذا ما جعل المقطع يعطي القارئ ـ بطريقة غير مباشرة ـ فكرة البناء/العلو التي يحملها الديوان، فالفكرة تصل من خلال المضمون/المعنى العام للديوان، ومن خلال الألفاظ المجردة، وهذا ما يجعلها ترسخ أكثر في ذهن المتلقي.
المرأة والطبيعية:
نجد في الشعر المعاصر أن المرأة هي المُوجدة/الباعثة لبقية عناصر الفرح، لكن هنا بما أن الشاعر ملتزم بعقيدة دينية وأفكار مسلم بها، فهو يقدم العلاقة بين المرأة والطبيعة بشكل جديد:
الْأَرضُ حُبلى بِالْخِصْبِ.
يَتَجلّى مَجْدُ الرَّبِّ مُعجِزَةً فِي بُستَانِ امرَأةٍ..
تَهَبُ الْعَالَمَ دُونَ دَنَسٍ..
مَنْ يَمسَحُ بِدَمِهِ عَنّا خَطايَانا..
امرَأةٌ تُعيِدُ لِلنِّساءِ مَجدَ الأُمُومَةِ..

وَيَسمُو زَمَنُ الْمَرأَةِ فِي تَجدِيدِ الْحَياةِ.
هيَ ثَورَةُ الأَرضِ.. "ص20"
الجميل في هذا التقديم أنه يجمع فكرة مريم أم المسيح مع فكرة عشتار، فيتشاركان في "الأرض حبلى بالخصب، بستان امرأة، تجديد الحياة" فهذه صفات عشتار إضافة إلى أنها صفات أسقطها الشاعر على مريم، فجاء الفكرة ثنائية الجمال، دينية تراثية، ودينية حديثة.
كما فعل الشاعر في الكتابة عندما ربطها بالطبيعية الأرضية والطبيعية السماوية، ربط المرأة بالطبيعية الأرضية: "بستان امرأة" وبالطبيعة السماوية: "يسمو زمن المرأة" وهذا المزج يضفي لمسة جمالية على الديوان، كما انه يسهل على المتلقي قبول لأفكار المتعلقة بمريم.
بعد أن أوصل لنا الشاعر الفكرة بهذه الصيغة وهذه اللغة، وأيقن أننا امتلأنا بالإيمان، يستخدم صيغة جديدة في الخطاب:
يَأخُذُنِي المَاءُ عَمِيقًا لِلْعِشقِ
أَقرَأُ الزَّهرَ وَالْحَجَرَ، أَقرَأُ سُورَةَ الْمَاءِ،
بَينَ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، أُبصِرُهُ قِدِّيسًا،
أَخَذَ جِهَةَ النَّهرِ مَعبَدًا، سَقفُهُ السَّمَاءُ،
جُدرانُهُ الْمَحَبَّةُ، دَاخِلُهُ زَمَنٌ مَضَى،
خَارِجُهُ زَمَنٌ يَأتي، وَاْلإنسَانُ يَأتي وَيَمضِي..
وَالْمَكانُ الْجِذرُ الْعَابِرُ بَينَ رِيحِ الرَّمزِ
وَمَاءِ الْفَرَحِ وَعِطرُ رَذاذِ الْكَلِمَاتِ.. "ص24"
 نلاحظ أن هناك وتيرة سريعة يستخدمها الشاعر، وكأنه يريد أن ينهي مهمته بسرعة: "أقرأ" (مكررة)، أبصره، أخذ" وهذا يعود إلى اندفاع الشاعر السريع نحو الفكرة/المضمون، وكأن الجمال الذي قدمه في السابق اعطاه طاقة/قناعة أن القارئ أصبح مقتنعا/مؤمنا بما قدم له، فلا بأس/لا ضرر من الإسراع في توجيه مباشرة الآن، وهذا ما يعطي صورة/شعور للقارئ أن الشاعر متوحد/متماهي مع الديوان، وأنه لم يكتبه من عقله الواعي، بل من خلال حالة اللاوعي. لهذا نجد التباين في لغة الخطاب.
إشارات:
تجدر الإشارة إلى أنّ الطّبعةَ الأولى لمفاتيحِ السّماء – ظهرت للنّور في لبنان بإصدار دار النّعمان، ونالت الجائزة التي تمنح لشخص واحد، "جائزة الفضائل الإنسانية لعام 2012" من الدّار. وبذلك تكون المفاتيحُ قد صدرت منذُ عام 2012 حتى عام 2025 في إحدى عشرة طبعة. (الطبعة الأخيرة، مترجمة للغة السريانية)
تَزامَنَت طّبعةُ هذا العام، 2025، مع صدور طبعة جديدة لمفاتيح السّماء بالعربيّة والإيطاليّة معًا.
•هذه المقالة عن الطبعة الفلسطينية: الديوان مترجم إلى اللغة الإنجليزية/الديوان من منشورات دار الشامل للنشر والتوزيع، نابلس، فلسطين، لعام 2022.