
كنوز نت -
بسم الله الرحمن الرحيم
تربويات (1)
إعداد: الشيخ أمير نفار – عضو حركة الدعوة والإصلاح
كانت وما زالت التربية هي إحدى المركزيات الكبرى التي يُعتنى بها ، فمنذ اللحظات الأولى في تاريخ البشرية ووجودها في الجنة وقبل هبوطها إلى الأرض، لمح بعض أهل التفسير "أن هذه التجربة كانت تربية لهذا الخليفة وإعدادًا، كانت إيقاظًا للقوى المذخورة في كيانه، كانت تدريبًا له على تلقي الغواية، وتذوق العاقبة، وتجرع الندامة، ومعرفة العدو، والالتجاء بعد ذلك إلى الملاذ الآمن".
ومع كل مرحلة في حياة البشرية على امتداد الزمان والمكان، نرى أن التربية كانت وما زالت هي إحدى المركزيات الكبرى التي يُعتنى بها بل من الواجب الاعتناء بها، خاصة في هذا الزمان الذي نرى فيه جيلًا يعرف كيف يعمل، ولكنه لا يعرف في كثيرٍ من الأحيان لماذا يعمل؟!، نرى جيلًا يملك الأدوات والتقنيات، ولكنه يفقد في كثير من الأحيان البوصلة، جيلًا يمشي بسرعة -تمامًا كسرعة الإنتاج والاستهلاك- لكنه لا يعرف في كثيرٍ من الأحيان وجهته.
هذه المفارقات ينبغي أن تستوقف التربويين من أهل الاختصاص والاهتمام في الشأن التربوي، للبحث والتدقيق عن الحلقة المفقودة في التربية الإسلامية المعاصرة، مع التسليم بأن الأمر يتشابك ويترابط مع معارف أخرى.
وفي هذا المقال سنتناول حلقة من هذه الحلقات المفقودة لتسليط الضوء عليها، وقد أكد عليها غيرُ واحدٍ من أهل التخصص والاهتمام، وهي:
رعاية المفاهيم والقناعات، وتعظيم المقاصد والغايات.
إن المفاهيم والقناعات ليست كلمات تُتداول، ولا معلومات تُحفظ، بل هي حجر الزاوية في البناء الفكري لأي إنسان، والركيزة التي يستند إليها كل نسقٍ معرفيّ يريد أن يكون مستقيمًا ومتماسكًا. هي الإطار والصوت الداخلي الذي يفسر به الإنسان الحياة، هي التي تحدد معاني ومعايير وحدود كل ما يحيط بالإنسان، فمن خلالها يُحدد معنى النجاح، ومعيار القدوة، ووزن الأخطاء، وحدود الطموح، وكل تراجع في المفاهيم يؤدي إلى تراجع في الوعي والسلوك، ثم في الهوية نفسها.
وعندما تغيب المفاهيم أو تتشوه، يضطرب المتربي مهما امتلك من مهارات، ويصبح قابلًا للانجراف خلف أي موجة فكرية أو ثقافية عابرة، فنجد مثلًا، أن مفهوم النجاح يتحول من تحقيق العبودية والاستخلاف وعمارة الأرض والتأثير الإيجابي، إلى مجرد الثروة والشهرة الفردية. كما أن مفهوم الحرية يُختزل في التحرر المطلق من أي مرجعية، بدلًا من كونه تحريرًا من عبودية الهوى والظلم والاستبداد والالتزام بمرجعية الحق مهما كلّف ذلك من تضحيات. كما أن الصبر يصبح سلبية بدلًا من كونه مرحلة للإعداد والتعبئة والاستعداد للوثوب والانطلاق.
لذلك ينبغي أن ندرك أن للمفاهيم أهميتها، وخطرها، فهي تقع في قلب دوائر الصراع الحضاري والفكري بين الأمم، ولهذا تصبح رعاية المفاهيم الكبرى ضرورةً، لا ترفًا.
وهذه المفاهيم يبعث فيها الحياة وينفخ فيها الروح: حرارة الإيمان، والعلاقة التربوية المبنية على الثقة، والصدق في النصح.
ولهذا قد يفشل مشروع تربوي ضخم، وبرنامج تأهيلي كبير أنفق عليه ملايين، وتنجح كلمة واحدة من مربٍّ صادق.
فالحلقة المفقودة في التربية ليست منهجًا دراسيًا، ولا مهارة حياتية جديدة، بل هي عودة المفاهيم إلى مركز العملية التربوية، وربطها بالغايات قبل الوسائل، وبالروح قبل البرامج.
فبقدر ما نعيد وصل التربية بالمقاصد العليا والأهداف الكبرى، تستعيد قدرتها على بناء الإنسان قبل البنيان، وصناعة النهضة قبل مظاهرها. وبناء الحضارة قبل أدواتها.
15/04/2026 06:01 pm 31
.jpg)
.jpg)