كنوز نت - بقلم دكتور/ حسن أحمد


أمسية الوفاء: تكريم مبدعي الحرية في القاهرة
بقلم دكتور/ حسن أحمد
عضو الهيئة القيادية العليا لحركة فتح
نائب رئيس جامعة فلسطين للعلاقات العامة والإعلام ومستشار مجلس إدارتها
      
سَعِدتُ بحضورِ أُمسيةٍ امتزجَ فيها مدادُ الأدبِ بنزفِ التضحيةِ، والتقت أرواحٌ لم تكسرْها القضبانُ، وقاماتٌ فكرية صاغت للوطنِ هويتَه بالصمودِ والإبداعِ، هي أمسيةٌ؛ لتكريمِ كوكبةٍ مِنَ الكتابِ الأسرى المحررين، ونخبة من قادة الفكر والثقافة، نظمها اتحاد الكتاب الفلسطينيين ونقابة الصحفيين الفلسطينيين في رحابِ الهيئةِ العامةِ للإذاعةِ والتلفزيون بالقاهرة قلب العروبة النابض ، حيث لم يكن المكان مجرد مقرٍّ للاحتفاء، بل فضاءً رحبًا تتعانقُ فيه الذاكرةُ مع المعنى، وتستعيدُ فيه الكلمةُ بريقَها بوصفِها فعلًا مقاومًا لا يخبو، انطلقت هذه الأمسية بمبادرة وحضور الأخ مراد السوداني الأمين العام لاتحاد الكتاب الفلسطينيين والأخ الدكتور ناصر أبو بكر نقيب الصحفيين الفلسطينيين ، وتجلى مشهد الوفاء بحضورِالأخِ الوزيرِ إبراهيم أبو النجا وزير الزراعة السابق والأخ الوزير هشام عبد الرازق وزير الأسرى السابق ، والأخ الكاتب والمحلل السياسي توفيق أبو شومر ، والكاتب الأديب زياد عبد الفتاح ، والأخ الصحفي رافي الملح عضو المجلس الإداري لنقابة الصحفيين الفلسطينيين ، والأخ الدكتور شفيق التلولي عضو إقليم مصر ،ولفيف من الكتاب الأسرى المحررين ، ومثقفين وصحفيين وقادة رأي ومهتمين بالشأن الوطني والثقافي ، وقد كان في الاستقبال الأخ المخرج فايق جرادة مدير مكتب الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون والعاملون فيها، وقد انبلج فجر الكلمة حين عبّر الأخ الكاتب المبدع مراد السوداني كعادته بكلمات جياشة ذات معانٍ ممتدة ظلالها، تسبر أغوار روح المناضلين؛ لتعود بهم إلى ذاكرة البدايات وانطلاق الفكرة بثبات في مسيرة وطن مثخن بالجراح ... لكنه عصي على الانكسار، واصفاً فرسان الحرية المكرمين بأنهم ثلة مضيئة من الأرواح المثمرة في سموها وعلو همتها، جاعلًا من أدبهم المقاوم نزيفًا قانيًا بالكلمة والموقف، في وصف المكرمين بـ "الأرواح المثمرة"، مؤكدًا أن أدبهم المقاوم هو نزيف الكلمة الذي لا ينضب، مسلطًا الضوء على "نهر اللغة" الذي يتدفق في عروق المناضلين، متيمنًا بأسماء الله الحسنى...؛ ليرسم في الأفق صورة الأسرى القابضين على الجمر وهم يصنعون فجر الحرية ، لم تطفيء القيود جذوة أرواحهم بلغةٍ اعتدناها من الأخ مراد، تنساب طواعية على لسانه من نهر الإبداع دون تكلف أو تصنع، وببلاغةٍ طابقت مقتضى الحال ببراعة واقتدار، كما عبّر الأخ الصحفي المبدع الدكتور ناصر أبو بكر بكلمات تفيض بروح التحدي والكبرياء الوطني في مواجهة العواصف، أكد فيها أن الوفاء للأسرى الميامين هو وفاء لكل حبة تراب في فلسطين الوطن والهوية والانتماء، هؤلاء الذين رسموا خريطة الوطن بتضحياتهم وصمودهم وصبرهم وبصلابة مواقفهم، وبالأدب المقاوم الذي جسدته كلماتهم وأشعارهم، حيث أشار ببراعة لأشكال أدب السجون مؤكدًا البقاء على العهد والتمسك بالأرض، وهي كلمات تحمل رسالة الصحافة وفرسانها ،وقيمها الوطنية من صميم الوجدان فلامست قلوب الحاضرين الذين تفاعلوا بعمق وبمشاعر فياضة مع كلمات الاتحاد والنقابة ، وكان مسك الختام كلمة الأسرى التي تماهى فيها الصوت مع التجربة ، ألقاها الأخ الأسير المحرر أحمد سليم، معبرًا عن وجع الحكاية وصدق البوح ، وثمن جهود القائمين على تنظيم هذه الفعالية التي تجسد الوفاء للأسرى في هذه الأوقات العصيبة، واستحضر أدب السجون بوصفه أحد أبلغ تجليات الصمود الإنساني، نصوصًا كُتبت على جدران القهر لكنها تجاوزت قضبانها إلى فضاء الحرية، حاملةً رسالة الوفاء للأرض، والعهد الذي لا ينكث، والإرادة التي لا تلين ، نصوص كتبت لتؤرخ مسيرة حافلة بالنضال، وتعد مرآة صادقة لمعاناتهم وصمودهم بعنفوان التحدي وصلابة المناضلين، ورسالة تقدير لكل من جعل من القلم سلاحًا في وجه المحتل ، وفي الختام تجلت أسمى قيم الوفاء عندما تم تكريم الأخ القائد الفتحاوي الكاتب الأديب والشاعر والمفكر الوزير هشام عبد الرازق الأسير المحرر الذي عانق شمس الحرية في العام 1994، والأخ الكاتب والأديب والمفكر توفيق أبو شومر، والأخ الكاتب والأديب زياد عبد الفتاح، إلى جانب إخوتهم من المبدعين الأسرى المحررين، في تظاهرة ثقافية وطنية تعمدت بالوفاء ، لتجسد شعار "بالدم نكتب لفلسطين" ؛ وتؤكد أن الحرف الفلسطيني سيبقى الحارس الأمين للحلم والهوية،والسادن الوفي لبيارق الأمل وذخيرة الذاكرة، إنه السد المنيع الذي يحول دون طمس الرواية التاريخية والوطنية ، ويصوغ ذاكرة الأرض نصًا عصيًا على المحو والاندثار، وقصيدة خالدة تأبى الخنوع ... ولا تعرف الانكسار، ختامًا ... تحية لأسرانا البواسل الذين ينسجون من دجى القيد خيوط شمس الحرية، وتحية لحراس الرواية وسدنة الذاكرة القائمين على هذه الأمسية ، وهم يسكبون الأمل نورًا في دياجير الظلام، تزامنًا مع ما يتعرض له شعبنا من حرب إبادة وجرائم نكراء فاقت كل الحدود ... الحرية لأسرانا البواسل والرحمة والخلود والمجد لشهدائنا الأبرار .