كنوز نت - بقلم: سليم السعدي


الصوم… معركة الروح وانتصار الإنسان
  • بقلم: سليم السعدي

منذ فجر الإنسانية والإنسان يبحث عن طريق يحرره من ضعفه، ويقوده إلى صفاء الروح وقوة الإيمان. ولم يكن الصوم تشريعًا عابرًا في تاريخ الأديان، بل كان دائمًا في المرتبة العليا من العبادات، لأنه ليس امتناعًا عن الطعام فحسب، بل معركة داخلية بين الإنسان ونفسه.

في القرآن جاء الصوم فريضة تهدف إلى بلوغ التقوى، أي إلى ضبط النفس، وتزكية الروح، وكبح جماح الشهوة والغرور. وفي الإنجيل نقرأ كيف صام يسوع المسيح أربعين يومًا، كما ورد في إنجيل متى (الإصحاح الرابع)، حيث بدأت رحلة الامتحان الحقيقي بعد الجوع، لا قبله. هناك تجلت المعركة بين الإيمان والإغراء، بين الروح والمادة.

قال له المجرب: حوّل الحجارة خبزًا، فكان الرد الخالد: ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، بل بكل كلمة تخرج من فم الله. هنا تتجلى فلسفة الصوم: الإنسان ليس جسدًا فقط، بل روح تتغذى بالإيمان. ثم جاء امتحان التهور والانتحار المعنوي، حين دُعي أن يلقي بنفسه من علو، فكان الجواب: لا تجرب الرب إلهك. وأخيرًا إغراء السلطة والسيطرة، أن تُمنح الدنيا مقابل السجود للشر، فكان الحسم: لله وحده السجود والعبادة.

الصوم إذن ليس حرمانًا، بل تحرير.
هو تجويع للجسد ليشبع القلب نورًا.
هو إضعاف للغرور ليقوى التواضع.
هو كبح للشهوة لتتحرر الإرادة.


في الإسلام، الصوم مدرسة أخلاق قبل أن يكون عبادة امتناع. هو صوم اللسان عن الأذى، وصوم القلب عن الحقد، وصوم العقل عن الفساد. حين يقول الصائم: “اللهم إني صائم”، فهو لا يهرب من المواجهة، بل يعلن انتصاره على نفسه. إنه يرفض أن يكون عبدًا لغضبه أو لشهوته أو لوهم السيطرة.

الجوع في الصوم ليس طاقة سلبية، بل عملية تطهير. حين تفرغ المعدة، تمتلئ الروح. حين يضعف الجسد، تستيقظ القوة الكامنة في الداخل. ينهار وهم الأنا المتضخمة، ويتحول الإنسان من متكبر إلى متواضع، من قاسٍ إلى رحيم، من مندفع إلى حكيم.

الصوم يذكّر الإنسان بأن الله هو جوهر الحياة ولب الإيمان، وأن الشيطان — رمز الإغواء والانحراف — لا يملك سلطانًا إلا على من استسلم له. أما من صام بقناعة، فقد أعلن خضوعه لإرادة الله لا لإرادة الهوى.

إنها ليست معركة أربعين يومًا فقط، ولا شهرًا واحدًا في العام، بل منهج حياة.
الصوم يعلّمنا أن نعيش بإيمان لا بغرور، بعطاء لا بأنانية، بصبر لا باندفاع.

فمن أراد القرب من الله، فليجعل من صومه ثورة داخلية.
ومن أراد النور، فليجعل من جوعه جسرًا إلى السماء.

الصوم ليس نقصًا في الحياة…
بل هو ارتقاء بها.