
كنوز نت - بقلم: رانية مرجية
حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ
قراءة موسّعة في مشروع الباحثة والشاعرة إيمان مصاروة
بقلم: رانية مرجية
ليست الكتابة في جوهرها العميق، فعلَ تعبيرٍ محايدًا، أو مجرّد تمرينٍ لغويٍّ على البلاغة أو الإفصاح، فثمة كتابة تتجاوز حدود البوح لتغدو مساءلة جذرية توجّه إلى اللغة ذاتها قبل أن تُوجَّه إلى العالم! ماذا تستطيع اللغة أن تقول دون أن تُزيّف؟ وماذا تختار أن تصمت عنه دون أن تتورّط في التواطؤ؟ في هذا الحيّز الدقيق تحديدًا، حيث الأخلاقي يلامس المعرفي، وهكذا تتشكّل تجربة إيمان مصاروة بوصفها مشروعًا كتابيًا لا يهادن، ولا يبحث عن مناطق الراحة.
وإيمان مصاروة ليست كاتبة تُقيم في تعريف واحد، ولا تستكين إلى تصنيفٍ أدبيٍّ جاهز! فهي لا تُقرأ شاعرة فحسب، أو باحثة أكاديمية فحسب، بل بوصفها مشروعًا معرفيًا متكاملًا، ينشأ في منطقة التوتّر بين الحدس والدقّة، بين الوثيقة والقصيدة، وبين التحليل البارد والالتزام الإنساني الصارم!! كتابةٌ وكاتبةٌ تعرف أنّ الحياد في سياقات الظلم الفادح، ليست قيمة أخلاقية وأنّ الصمت حين يُمارَس طويلًا، قد يتحوّل إلى شريكٍ خفيٍّ في إنتاج القهر والمعرفة!
المعرفة حين تفقد براءتها
في مجمل أعمالها البحثية، ولا سيّما في دراساتها المتعلّقة بالقدس، والطفولة، والتعليم، والاستيطان، وأدب المدينة شعرًا ونثرًا، لا تتعامل مصاروة مع المعرفة بوصفها نشاطًا أكاديميًا منزوع السياق، بل باعتبارها فعلَ مسؤوليةٍ أخلاقية تتطلب الوقوف. فالمعلومة لديها ليست رقمًا ولا هامشًا، بل شاهدًا، والعنوان ليس إطارًا شكليًا، بل مدخلًا إلى الوعي بالوقائع، وحاجزًا أخيرًا يمنعها من السقوط في التكرار المألوف.
إنّها تكتب وهي تدرك أنّ أخطر ما قد يصيب الظلم ليس استمراره فحسب، بل اعتياده!!، لذلك تأتي لغتها البحثية مشدودة، متقشّفة، محكومة بمنطق الرصد الدقيق والاحتراز من الانزلاق إلى العاطفية السهلة، والمناهج العلمية غير أنّ هذه الصرامة لا تعني البرودة، فالموضوعية في مشروعها لا تُساوي الانفصال! والدقّة لا تُعفي من الانحياز للإنسان بوصفه قيمةً كلية!، هنا لا تكون الباحثة شاهدًا من خارج الحدث، بل شاهدةً منخرطةً في مساءلة شروط المعرفة نفسها، وحدودها، ووظيفتها الأخلاقية .
النقد: إصغاءٌ إلى ما تقوله النصوص خلف أقنعتها
إلى جانب عملها الأدبي الممتدّ لأكثر من عقدين، أنجزت مصاروة مشروعًا نقديًا واسعًا، تناولت فيه تجارب عشرات الكتّاب الفلسطينيين من أراضي عام 1948، إضافةً إلى عدد كبير من الكتّاب العرب من مشارب وتجارب متعدّدة، وفي هذه القراءات لا يُختزل الأدب إلى تقنياتٍ شكلية، ولا يُفصل النصّ عن شروط إنتاجه التاريخية والثقافية، بل يُقرأ بوصفه فعلًا إنسانيًا مشروطًا بالهوية، والسياق، وتاريخ التهميش أو المقاومة .
اقتربت من تجارب كتّاب الداخل الفلسطيني بوعيٍ حادٍّ لتخليد موقعهم الثقافي والوجودي، وسعت من خلال النقد إلى سدّ فجوة الإقصاء والتهميش العربي، وردّ الاعتبار لتجارب إبداعية كُتِب لها أن تُقرأ على الهامش طويلًا. أمّا في قراءتها للتجارب العربية: فقد تجاوزت المركزيات الجاهزة واضعة النصّ في علاقته بالسلطة، واللغة، والذاكرة، وبالتجربة الحياتية للمبدع العربي. نقدها لا يسعى إلى الاحتفاء المجاني، ولا يميل إلى الإدانة السهلة، بل يقوم على إصغاءٍ عميق لما تقوله النصوص حين تتجاوز وعي كتّابها، وحين تكشف هشاشتها أو تعثّرها، من هنا يغدو النقد جزءًا بنيويًا من مشروعها الإبداعي، لا هامشًا تابعًا له، وفعلَ مسؤوليةٍ مزدوجة تجاه النصّ والقارئ .
القصيدة: معرفةٌ حين تعجز الوثيقة
تدرك مصاروة، بوعيٍ فلسفيٍّ عميق أنّ المعرفة مهما بلغت دقّتها تبقى قاصرة عن احتواء التجربة الإنسانية كاملة، فثمة خسارات لا تُقاس بالأرقام وتصدّعات لا تُوثَّق بالأرشيف! وأسئلة لا تستجيب للغة التقرير، هنا تتقدّم القصيدة لا بوصفها ملاذًا جماليًا بل باعتبارها أداة معرفةٍ موازية، قادرة على الإمساك بما يفلت من قبضة العقل التقريري .
لا يحضر الوطن في شعرها كرمزٍ جاهز، ولا المدينة كاستعارةٍ مستهلكة، فالمكان يُكتب بوصفه علاقةً حيّة، مركّبة، تتجاور فيها المحبّة مع الخيبة، والانتماء مع الشكّ! والمدن التي تستدعيها: " الناصرة، القدس، بيت لحم" لا تُستحضر للتقديس، بل لتفكيك معنى الانتماء ذاته، بوصفه تجربةً قاسية ومفتوحة على الأسئلة، مشدودةً بين الذاكرة والجرح والتشكّل الشخصي داخل فضاءاتٍ مثقلة بالتاريخ .
والتراث في نصوصها ليس زينةً لغوية ولا حنينًا رومانسيًا، بل لغةً ثانية، تُستدعى حين تعجز اللغة الراهنة عن الإحاطة بالتجربة، إنّه وعيٌ ممتدّ، متراكم، لا قناعٌ للعبور، بل خلاصة اشتباك طويل مع الذاكرة الثقافية والإنسانية، عبر سنواتٍ من الكتابة والبحث والمعايشة .
بين البحث والقصيدة: المسافة الأخطر
فرادة إيمان مصاروة لا تكمن في جمعها بين البحث والنقد والشعر، بل في رفضها أن يتحوّل أحد هذه المسارات إلى ذريعةٍ لتبرير الآخر. فالقصيدة لا تُخفّف من قسوة الواقع والبحث لا يمنح النصّ الشعري شرعيةً إضافية، كلاهما يقف في منطقة اختبارٍ دائم: ماذا تفعل اللغة حين يكون الواقع أثقل منها؟ وكيف يمكن للكتابة أن تحافظ على أمانتها دون أن تنكسر؟ لذلك نجد أن
القدس، في مشروعها، ليست موضوعًا مركزيًا فحسب، بل امتحانًا مستمرًا للأمانة اللغوية والتوثيقية. كيف نكتب مدينةً مثقلةً بكلّ هذا التاريخ دون أن نختصرها؟ وكيف نحبّ مكانًا دون أن نحوّله إلى أسطورةٍ تُعفينا من واجب التفكير والمساءلة؟
الكتابة بوصفها التزامًا طويل النفس
في زمنٍ يُطالَب فيه الكاتب بالموقف السريع واللغة الجاهزة، والعبارة القابلة للاستهلاك، تختار إيمان مصاروة المسار الأبطأ والأشقّ: مسار الشكّ، والتفكير العميق، والكتابة التي تعرف أنّ العدالة ليست نبرةً عالية، بل جهدًا معرفيًا طويل النفس .
هي لا تقدّم نصوصًا مريحة، ولا تمنح القارئ عزاءً سهلًا. كتابتها تتطلّب التأنّي، واحتمال الثقل، والقبول بأنّ بعض الأسئلة يجب أن تبقى مفتوحة، بهذا المعنى لا تكتب عن المكان بوصفه موضوعًا خارجيًا، بل تكتب من داخل سؤالها، ومن داخل أمانتها الإنسانية والأخلاقية. ومن هنا تنبع قابليتها للقراءة عربيًا وعالميًا، لا لأنها تمثّل قضية، بل لأنها تُعيد إلى الكتابة معناها الأعمق في أن تكون مسؤولية تجاه الحقيقة، والإنسان، واللغة نفسها !!.
13/01/2026 07:39 am 30
.jpg)
.jpg)