كنوز نت - بقلم: رانية مرجية


قراءة نقدية متعمّقة في ديوان“ما زلتُ بانتظارك” للشاعرة إيناس رشرش
بقلم: رانية مرجية
لا يأتي ديوان “ما زلتُ بانتظارك” للشاعرة إيناس رشرش بوصفه كتابًا آخر في رفّ الشعر، بل بوصفه وثيقة شعورية حقيقيّة تُعرّي التجربة الإنسانية وتعيد تشكيلها من الداخل.
هذا الديوان لا يُقرأ بالعين فقط، بل يُقرأ بالقلب لأنه مكتوب من قلب لا يخشى البوح.
إيناس رشرش لا تكتب لتستعرض اللغة، بل لتُنقذ ذاتها من الصمت.
وهذا ما يجعل نصوصها صادقة، دافئة، ومشحونة بالبشرية الحقيقية التي نفتقدها كثيرًا في الشعر المعاصر.
مقدّمة الإعلامي نايف خوري… المفتاح الذي يُضيء الطريق
منذ العتبة الأولى للديوان، تقدّم لنا مقدّمة الإعلامي نايف خوري صوتًا يعرف كيف يقرأ المرأة وهي تكتب وجودها.
مقدمة خوري ليست مجاملة، وليست شرحًا، بل هي قراءة شفافة تقود القارئ إلى فهم الشاعرة قبل الدخول إلى عالمها.
هو يضع إصبعه على جوهر التجربة:
إيناس تكتب من الصدق، وتتحرك في مساحة تتجاوز الكلمات إلى معنى الإنسان وهو يواجه عاطفته بلا خوف.
لقد نجح خوري في تقديم الشاعرة بطريقة تُشبهها، بعيدًا عن التضخيم، وبعيدًا عن التقليل.
مقدمته تُعدّ مدخلًا ناعمًا وصادقًا، تمنح القارئ استعدادًا لاستقبال ديوان يتطلب الإصغاء لا الاستعراض.
طور جديد في كتابة إيناس رشرش
تكشف نصوص الديوان أن الشاعرة تعيش مرحلة نضج لا يمكن تجاهلها.
لقد انتقلت من مرحلة التعبير العفوي إلى مرحلة تشكيل اللغة وتشذيب الشعور.
نرى في هذا الديوان شاعرة:
أكثر وعيًا بذاتها
أكثر قدرة على الإمساك بخيط التجربة
وأكثر شجاعة في مواجهة ما لا يُقال عادة
إنه طور نضج، لا في اللغة وحدها، بل في الرؤية، والفلسفة الداخلية للنص.
المرأة بين رهافة الشعور وصلابة الروح
امرأة الديوان ليست منهزمة، وليست مغرقة في الرومانسية كما قد يُخيّل.
هي امرأة تتألم بكرامة، وتنتظر دون أن تفقد احترامها لذاتها.
في كل نص، نرى:
امرأة تواجه الحب بوعي
تواجه الفقد بثبات
تواجه الحياة بجناحين، أحدهما مكسور، والآخر يرفض أن يتوقف
هذه الثنائية — رهافة الشعور وصلابة الروح — هي أبرز ما يمنح الديوان قوّته الإنسانية.
الانتظار… ليس ضعفًا بل حكمة داخلية
يتكرر الانتظار في الديوان، لكنه ليس انتظارًا لرجل أو لحب فقط، بل انتظار لعودة الروح إلى وزنها.
انتظار لطمأنينة، لشفاء، لسلام داخلي.
إيناس رشرش تُحوّل الانتظار من حالة سلبية إلى فعل تأملي يفتح أبواب الفهم لا أبواب الانكسار.
وهذا يكشف عن شاعرة تعيد تعريف المرأة لا بوصفها منتظرة، بل بوصفها واعية بما تنتظره ولماذا تنتظره.
اللغة… موسيقى القلب وليست زخرفة
لغة الديوان بسيطة في ظاهرها، لكنها عميقة في أثرها.
هذه البساطة ليست قلّة حيلة، بل قوة الشعر حين يخرج من نبع صافٍ.
كل سطر يشبه خطوة في داخل الروح، وكل جملة تبدو كأنها قادمة من منطقة صادقة لم يمسسها التكلّف.
تختار الشاعرة:
الكلمة الواضحة لا الغامضة
الصدق لا الزينة
الإحساس لا الصنعة
وهذا ما يجعل الديوان قريبًا من القارئ، دون أن يفقد قيمته الفنية.
الرجل… ظلّ في نصوصها لا مركز الكون
الرجل في ديوان إيناس رشرش ليس بطلًا ولا محورًا، بل انعكاسٌ لتجربة.
تتحدث عنه بعمق، لكنها لا تمنحه سلطة على النص.
تكتب عنه كما تكتب عن فصل من حياة، لكنّها تبقى صاحبة الكتاب كله.
هذا النضج في التعامل مع صورة الرجل يبرز شخصية الشاعرة القوية، التي لا تُهزم حتى لو جرّحها الحب.
الذاكرة… وعودة الطفلة التي تحرس الشاعرة
تعود إيناس أكثر من مرة إلى طفولتها، إلى البيت، إلى الأم، إلى الذكريات الأولى.
لكن العودة ليست بكاءً على ما مضى، بل محاولة لبناء الحاضر من جذوره.
فالطفلة التي تظهر بين السطور ليست ذكرى… بل أساس البنية الشعورية للشاعرة.
شهادة محبة وامتنان: للكاتب والإعلامي فهيم أبو ركن
بكل تقدير، يجب الاعتراف بالدور الكبير الذي قام به الإعلامي والكاتب فهيم أبو ركن، صاحب دار الحديث للنشر، في احتضان هذا الديوان ورعايته.
أبو ركن ليس مجرد ناشر، بل مؤمن حقيقي بالأقلام المبدعة، ومنحاز دائمًا لصوت المرأة الكاتبة وللثقافة الفلسطينية بكل تجلياتها.
تبنّيه لديوان إيناس رشرش ليس صدفة، بل قراءة واعية لموهبة تحتاج إلى دعم لتأخذ مكانها المستحق.
وموقفه هذا يُحسب له كناشر، ومثقف، وصاحب رؤية تُقدّر الكلمة الصادقة.
خاتمة… ديوان يولد من الروح ليبقى
“ما زلتُ بانتظارك” ليس مجرد مجموعة شعرية، بل رحلة داخل روح امرأة، ومرآة صافية لقلب يُعيد اكتشاف نفسه عبر الحروف.
إيناس رشرش هنا تُثبت أنها شاعرة من لحم الحياة ودم التجربة.
شاعرة تعرف كيف تكتب لتُشفى، وكيف تُشفى لتكتب.
وهذا النوع من الشعر…
لا يُنسى.
ولا يُشبه أحدًا.
ويبقى.

قراءة نقدية  في قصيدة «لستُ أنثى من رخام» للشاعرة نادرة عبد الحي**
بقلم رانية مرجية 
مقدمة: شاعرية تُعيد الاعتبار للمرأة بوصفها ذاتًا كاملة
تظهر قصيدة «لستُ أنثى من رخام» في لحظة ثقافية تتزايد فيها الأصوات التي تطالب بتفكيك الصور الجاهزة للمرأة، لكنها غالبًا ما تسقط في انفعال أو خطاب مباشر.
أما هذه القصيدة، فتمتاز بأنها لا تُحارب الصورة الجاهزة بالصراخ، بل بالفهم؛
ولا تُواجه القوالب الجاهزة بالرفض الغاضب، بل بالتفكيك الهادئ؛
ولا تطلب مساحة، بل تستعيدها.
وهذا وحده كافٍ ليجعلها نصًا يتجاوز الشعر إلى التفكير، ويتجاوز التذمر إلى إعادة صياغة العلاقة بين المرأة والعالم.
أولًا: تحطيم النموذج – من المرأة الأنموذج إلى المرأة الكيان
تتأسس القصيدة على هدم «الأنثى النموذجية» التي صنعتها الثقافة عبر قرون.
هذه الأنثى ليست امرأة، بل «تمثال» جميل، صامت، مُعلّق في الذاكرة الجمعية.
تقول القصيدة ببساطة وعمق:
 • لستُ التمثال الذي صنعه الخيال العام.
 • ولستُ المرآة التي تعكس رغبات الآخرين.
 • ولستُ النسخة المطابقة للمقاييس المفروضة.
إنه رفض لا يُعلن مواجهة، بل يُعلن وعيًا.
وعيًا بأن المرأة ليست شكلًا، وليست رمزًا، وليست مادة للتقييم،
بل كائن يمتلك تعريفه الخاص.
ثانيًا: الجسد بوصفه وثيقة اجتماعية – من المُراقَب إلى السيّد
لا يُقدَّم الجسد في هذه القصيدة بوصفه مادة حسية، ولا بوصفه محورًا للرغبة أو الطهر.
بل بوصفه وثيقة اجتماعية، تراكمت على سطحها قراءات المجتمع، وأحكامه، وتاريخه.
الجسد هنا ليس «جميلًا» أو «قبيحًا»
بل «مستعاد».
وعندما تستعيد المرأة جسدها، فهي تستعيد:
 • ملكيتها لذاتِها،
 • سيادتها على حدودها،
 • الحقّ في أن تكون غير مُعرَّضة للتقييم المستمر.
بهذا تتجاوز القصيدة حدود الجسد إلى ما وراءه:
إلى المعنى الذي حُجب عن المرأة حين جرى اختزالها في مظهرها.
ثالثًا: انبثاق الصوت – الكلمة التي تُعيد تشكيل الوجود
الصوت في النص ليس مجرد أداة، بل علامة على اكتمال الوعي.
فالمرأة التي تتكلم في القصيدة لا تطلب الاعتراف بصوتها،
ولا تُبرر مشروعيته،
ولا تُحاول أن تُقنع أحدًا بأنه يجب أن يُسمَع.
إنها تتكلم لأنها:
 • تملك وعيًا بذاتها،
 • تملك مساحة داخلية لم تعد قابلة للمصادرة،
 • وتملك لغة تشبهها، لا تشبه ما يُراد لها.
هذا الصوت يقف في مواجهة إرث طويل من الصمت،
لكنه لا يهدمه بتوتر،
بل يتجاوزه بثقة.
ولذلك يبدو صوت القصيدة صوتًا ناضجًا، لا صوتًا غاضبًا.
رابعًا: البنية الدرامية – رحلة من الهدم إلى إعادة البناء
تتحرك القصيدة وفق بنية تتدرج من:
 1. كشف الصورة المفروضة،
 2. تفكيك بنيتها التاريخية والاجتماعية،
 3. مراجعة أثرها على الوعي الأنثوي،
 4. إعادة بناء الذات خارج حدود الصورة،
 5. إعلان الهوية الجديدة بوصفها حقيقة لا تحتاج إلى تفسير.
وهذه البنية لا تنتمي إلى الشعر وحده،
بل إلى آليات السرد الفلسفي؛
فالنص لا يقف عند الظاهر، بل يمضي إلى الجذر،
ثم يصعد من الجذر إلى مساحة جديدة للوجود.
خامسًا: البعد الإنساني – المرأة كعين ترى لا كعين تُرى
تُعيد القصيدة تعريف العلاقة بين المرأة والعالم:
فالمرأة في النص ليست موضوعًا للرؤية، بل صاحبة رؤية.
هذا التحوّل البسيط في الظاهر،
العميق في الجوهر،
يضع القصيدة في سياق أدبي وإنساني جديد:
سياق تتموضع فيه المرأة في مركز وعيها،
لا في مركز نظرة الآخر إليها.
ولذلك تبدو القصيدة فعليًا بيانًا للإنسان قبل أن تكون بيانًا للأنثى.
سادسًا: فرادة النص – نسوية تُفكّر ولا تُخاصم
ما يميز هذا النص أنه يقدم نسوية غير صدامية،
ونسوية غير شعاراتية،
ونسوية لا تُحوّل الرجل إلى خصم،
ولا المرأة إلى ضحية،
بل تُحوّل الوعي نفسه إلى ساحة التحرير.
إنها نسوية:
 • هادئة،
 • ناضجة،
 • إنسانية،

 • تُعيد التعريف بدل أن تهدم،
 • وتبني صورة جديدة بدل أن تكتفي بنقد الصورة القديمة.
وهذه الخصائص هي ما يجعل القصيدة مؤهلة للنشر عالميًا،
لأنها تخاطب الإنسان بوصفه إنسانًا،
لا بوصفه كائنًا مُصنَّفًا وفق جنس أو ثقافة.
الخلاصة: قصيدة تضع المرأة في موقعها الطبيعي – مركز الإنسان
«لستُ أنثى من رخام» ليست نصًا يُريد أن يغيّر العالم بالصوت العالي،
بل نص يُغيّر القارئ بالتأمل العميق.
إنها قصيدة:
 • تُسائل الصورة،
 • وتفكك تاريخها،
 • وتكشف أثرها،
 • وتعيد بناء الذات خارج حدودها.
إنها قصيدة ترفض أن تُختزل المرأة في هيئة،
أو تُختصر في رمز،
أو تُحوَّل إلى تمثال.
إنها قصيدة تضع المرأة — والإنسان عمومًا —
في مكانه الذي حُرم منه طويلًا:
مكان التعريف الذاتي،
مكان الوعي،
مكان السيادة على المعنى.
وهذا ما يجعلها نصًا يُقرأ لا لأنّه جميل فحسب،
بل لأنه ضروري.