
كنوز نت - وهيب نديم وهبة
شباك الحرية
هذه الرسالة (المقالة) للأديب الراحل "ابراهيم يوسف" موجهه للأدبية "شهربان معدي" من الجليل.
لكن مضمونها حول قصتي "شباك الحرية" للتوضيح: كتبت شهربان مقالة مطولة عن (شباك الحرية) وعن مكتبة المنارة العالمية -عرب كاست-والتسجيل الصوتي لروعة القارئة المتألقة نهى الأسرج وروعه السرد وجمالية لغة القصة.
وهنا؛ في هذا المقام يسرني اعادة النشر – من أجل القيمة الأدبية والثقافية لكتابات الأديب ابراهيم يوسف وأهمية الرسالة للأدبية شهربان معدي-وأخيرا المحور الهام "القصة - شباك الحرية" للمؤلف: وهيب نديم وهبة.
إلى شهربان معدي من الجليل.
يا طيِّبَ القلب
إبراهيم يوسف
تعقيبا على شباك الحرية
ماذا...؟ لو انّ العنكبوتَ / الذي قتلتَه في غرفتك،
كان يظنُّ نفسَه طوالَ حياتِه / أنَّك رفيقُه في السّكن؟!
دوستويفسكي
هذه المرة يا صديقتي بلا ألقاب. خالية تماما إلًاّ من مودة الملح والعيش، قمحا حَوْرانيّا وخبزا قفارا حلالا ولو بلا إدام. أما وقد استمعتُ للقصة مرتين بأذن صاغية وانتباه تام، فقد استوقفتني بالمباشر نبرة الإلقاء ومتانة اللغة، تعتلي جناح طير ينساب في لطف النسيم، يحلق عاليا رشيقا كمياه البردوني، تنحدر عبر الوادي من أعذب وأصفى الينابيع، ولئن صادفت حصاة في الطريق؟
لا تتعثّرُ بها أو تتشاجر معها؛ بل تلتفُّ حولها بِرِقَّةِ ووداعةِ ريحٍ تلمسُ زهرَ الربيع؛ فتتخطاها وتودعها من بعيد، ثم تمضي إلى غايتها في أمان؛ والمياه تجري وتدندن للحصاة لحن الوداع.
ينبغي أيضا أن أشهد بالحق، وأنوه بمكتبة المنارة والقائمين على إدارتها، التي تؤدي خدمات جلّى لمن فقدوا نعمة البصر، وهنا ينبغي للإنصاف أن أخصّ بالذكر الأستاذة المتألقة... نهى الأسرج، التي يصحُّ فيها قول علي بدر الدين: "يا سِحْرُ خَيِّمْ على الإلقاءْ وانْسَكِبِ". الأستاذة التي تولّت قراءة القصة بطلاوة ملفتة حقاً.. وكفاءة عالية خالية من التعثر والهفوات والأخطاء.
وأما مضمون شباك الحرية القصة التي تناولتِها؟ فتكاد تلخّصُ المعنى الوجودي والصراع القائم منذ بدايات الخلق، وعمر الأزل من أجل المكاسب والنفوذ. لأن هناك دائما من البشر من هو أسوأ من المتنبي الباغي المكابر لقوله: والظلمُ من شِيَم النفوس* فإن تجدْ ذا عفةٍ فلعلّةٍ لا يظلمُ.
استخدم *إن ليقينه من ندرة الصلاح في نفوس البشر، أولئك من يتوقون مثله للحصة الأوفر. يقيمون الدنيا ويدقون طبول الحرب على البلدان المستضعَفة، كلما تقلصت ثرواتهم ومواردهم.
المنافسة الحرة ورأس المال، ثم السياسة واستبداد الاقتصاد، فالأمن السياسي والأمن القومي؛ هذه المفردات تفعل فعلها اليوم. أضيفي إليها نجاسة العولمة، والتحكم بالقوى الفاعلة والخوف والجهل والجوع. ثم عجز الأمم المتحدة أو المنحلّة المتواطئة أغلب الأحيان، فالوقوع في براثن الفتن والحروب، ليأتي المنتصر ويفرض السلام. لكنه لم يكن يوما سلام الهنود الحمر الشجعان.
ما يجري بين روسيا وأوكرانيا مؤلم ومقيت؛ لكن الحرب والسلام مفردتان متلازمتان متنافرتان، لم تسبق الأولى الثانية، ولولا الأولى لما كانت الثانية. هكذا صنّفها تولستوي منذ ما يزيد عن قرن من الزمان، فما من أحد يذكر السلام قبل الحرب، لأن السلام لا يأتي إلاّ نتيجة الحرب.
لكن عندما تكون الحرب نقيض السلام؟ فأنا مع من ينشدون السلام، ويمقتون الحروب بإصرار. والحرب ولو أنها مقيتة تحمل معها الموت، إلاّ أن النهضة من وجوه ومفاعيل ما بعد الحرب. وهكذا فالمراهنة لا ينبغي أن تكون إلاّ على السلام، لأنه خلاص البشرية من ويلات الحروب.
أما الحرب دفاعا عن النفس والأرض والأوطان، يفرضها عليك الآخرون بالباطل، والتزوير في الجغرافيا والتاريخ، أو "الحق المزأبق" فهي مشروعة من الله والبشر بكل الأعراف والمقاييس.
ولبنان اليوم قبل نكبة المرفأ وبعدها، مع الوباء والتلوث وجنون الأسعار والاحتكار، في حال أسوأ من الحرب. تواطأ عليه أولاد الحرام الأوغاد المرتكبون الفاسدون الحيتان في الداخل.
ومن الخارج أمعن أصحاب المصالح، في تدمير اقتصاده وَعَرَّوهُ حتى العظام.
الاقتصاد الذي تأرجح طويلا بين الموارد والاختلاس، بين الواقع والتمني حتى انفجر الطبل وتفرّق العشاق، فنال من مقومات الوطن، لفساد "معظم" الساسة الحكام، وانتشار العوز فقتلوا في القلب الرجاء للكفاية من الطعام. فأين منا لحظة صفاء! وقد انحصرت همومنا في الاقتصاد.
الفلاحون حرّاس الأرض المثقلة بالخيرات من أهلي وأهلك، كما علمنا فؤاد سليمان في درب القمر، والمُلْهِمون على مساحة النكبة والمهجر، أن نرفض فلا نركع ولا نبيع نفوسنا وأرضنا وفيها قبور أهلنا وأحبتنا. أرضنا منها إكسير حياتنا ووجودونا وما يجري في عروقنا من دماء.
"كانت الأرض سخية في أيامهم، وقلوبهم سخية بمحبة الأرض، وأيديهم لا تعرف غير العطاء. هم يعطون واللّه يملأ بطن الأرض بالخيرات ويعطيهم"؛ حتى: (فلم يبق لنا) إلاّ القحط والمعول المهجور
قلت بعض ما خاطري ولم أكتف، لكنني سأبات ليلتي مطمئن النفس هادئ البال موفور الخاطر والرجاء... ولا ينبغي أن أنسى ما كنت بصدده، من تحية الأديب الأستاذ وهيب نديم وهبة.
أحييه بأرفع مراتب المودة والتقدير، ومن دواعي غبطتي واعتزازي أن أنشر له في الروافد ما يرغب. تمنياتي له بالعافية والخير والعطاء المتواصل، والحصاد الوفير؛ والتفوق نثرا وشعرا.
وكل الشكر والمودة والاعتزاز بصداقة شهربان ابنة الجليل التي أطرتني وأخجلتني بطيب منبتها، وأجدني محرجا بما تقوله عني. فلتحييِّ معي الدكتور منير موسى وترحب به، فنتآخى ونتواصل ونتحدث من جديد. "يا طيِّبَ القلبِ يا قلبي* تُحَمِّلُني هَمَّ الأحبَّةِ إن غابوا وإن حضروا".
ابراهيم يوسف
حلت الذكرى الثانية لوفاة الأديب اللبناني إبراهيم يوسف، والذي وافته المنية يوم ٦ أغسطس من سنة 2023 في لبنان.
عرف الأستاذ إبراهيم بتحليقه الأدبي الرائع في فضاءات المواقع الأدبية والمجلات الثقافية، كنحلة أحيانا جادا في صناعة عسل أصيل، أو كفراشة أحيانا متنقلا بين حقول المعرفة والأدب، تسعفه في ذلك خبرته الحياتية الطويلة واطلاعه الواسع على الثقافات الإنسانية ومعرفته الجيدة بالأدب الفرنسي وعشقه للأدب العربي.
•الرابط لقصة شباك الحرية - مكتبة عرب كاست.
https://arabcast.org/books/5455-%D8%B4%D8%A8%D8%A7%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A9

28/11/2025 12:45 pm 161
.jpg)
.jpg)