كنوز نت - د. محمد عقل

زيارة قرية ميرون: أصول ومراسيم



كنوز نت - د. محمد عقل : ميرون قرية عربية مهجرة. تقع على مسافة 10 كيلو مترات إلى الغرب من مدينة صفد. اسم القرية مشتق من ميروم الكنعانية بمعنى المكان المرتفع. وهي على السفح الشرقي لجبل الجرمق على ارتفاع 750 مترًا عن سطح البحر. سمي الجرمق بهذا الاسم نسبة إلى الجرامقة، وهم عرب أنباط جاءوا من الجزيرة العربية.

في العهد الروماني عاش فيها الرابي شمعون بار يوحاي وابنه العازار ووضع كتاب هزوهر وهو كتاب حوى تفسير أسرار العهد القديم من الكتاب المقدس. فلما توفي الرابي شمعون سنة 161 بعد الميلاد، دفن في مغارة(كهف) في ميرون.

في القرن الرابع عشر للميلاد كان اليهود السفارديم يزورون المكان، وشيئًا فشيئًا تطورت تلك الزيارة فربطت بذكرى اليوم الثالث والثلاثين بعد الفصح (لاغ بعومر) المبشر بانتهاء أيام الحزن، وراحوا يحلقون شعور صبيانهم عند بلغوهم سن الثالثة، ويعقدون حلقات الرقص، ويشعلون النيران(الشعلة).
في العهد المملوكي كانت ميرون قرية مشهورة بزراعة الزيتون.

في العهد العثماني كان العرب يبيعون اليهود في ذلك المكان الخضار والفواكه والبقول والخيام ويوفرون لهم المواصلات. في عهد الانتداب كان العرب يشعلون الشموع ويضعون النقود وأباريق الزيت عند مدخل المغارة التي سموها مغارة بني يعقوب. كما أنهم شاركوا في الاحتفال الصاخب الذي أجراه اليهود في المكان.

لا توجد في الديانة اليهودية عبادة عند القبور. وما جرى في ميرون جاء بتأثير المجتمع العربي الذي كانت له مواسم في النبي روبين بالقرب من يافا، والنبي صالح في الرملة، والنبي موسى بالقرب من أريحا وغيرها. نحن نتحدث عن مجتمع عربي شرقي له عاداته وتقاليده ومواسمه، وقد تأثر بها اليهود الذي عاشوا بين ظهراني العرب في فلسطين.

 تبنت الحركة الصهيونية عادة إشعال النار في "لاغ بعومر"، وراحت تشعل النار في الكيبوتسات والمستوطنات، وذلك رغم أنها عادة تخص اليهود السفارديم (الشرقيين).

ما جرى ليلة الجمعة 30 نيسان 2021 هو تدافع أدى إلى مصرع 45 شخصًا، وجرح نحو 150 شخصًا. والمكان يضيق بالآلاف من الناس. ويحتاج إلى ايجاد مخارج ومنافذ للخروج بسلام.

  • زيارة قرية ميرون من كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر
لشيخ الربوة محمد بن أبي طالب الأنصاري (توفي 727 هجرية/1327 ميلادية)

يقول شيخ الربوة: "وبجبل الزابود من أرض صفد قرية يقال لها ميرون. وفيها مغارة فيها نواويس وأحواض لا تزال طول السنة يابسة ليس فيها قطرة الماء ولا نداوة ولا رشح أصلاً، فإذا كان يوم من السنة اجتمع إليها ناس من اليهود من البلاد البعيدة والقريبة والفلاحين وغيرهم وأقاموا طول نهارهم يدخلون إليها ويخرجون منها وهي بحالها من اليباس، ثم ما يشعرون إلا والماء دافق من تلك الأحواض والنواويس وسام على الأرض في المغارة مقدار ساعة أو ساعتين ثم ينقطع وهذا يوم عيد اليهود ويحملون ذلك الماء إلى البلاد البعيدة والقريبة في البر والبحر ويقال هذا ماء مسرون. وبالقرب من ميرون وادٍ بينها وبين صفد يقال له وادي دليبة فيه عين تفور من الأرض يقعد عندها الناس يغسلون عليها ويشربون من مائها ساعة أو ساعتين، ثم إنّ العين تنقطع كأن لم يكن فيها ماء، وهي تخرج من وجه الأرض فيقول الناس الحاضرون: يا شيخ مسعود عطشنا فيخرج الماء في الوادي إلى الطواحين ثم ينقطع وينشف كأن لم يكن، ثم يعيدون القول فتخرج العين ثم تنشف ثم يعيدون القول فتجري، وهذا القول دأبها دائمًا على ممر السنين والأزمان".1
بناء على النص الوارد أعلاه نستنتج:

1.أن أناسًا من اليهود والفلاحين وغيرهم كانوا يجتمعون في ميرون في يوم محدد من السنة. والفلاحون في تلك الفترة كانوا عربًا، والله أعلم ماذا قصد بغيرهم.!؟
2.في المكان كانت مغارة فيها نواويس أي قبور منحوتة في الصخر وأحواض.
3.أن الماء كان يجري في ذلك اليوم. وأن اليهود ملأوا منه أواني وأرسلوها إلى المناطق القريبة والبعيدة في البر والبحر يسمونه مسرون. أي المرسل.
4. بالقرب من ميرون واد بينها وبين صفد يقال له وادي دليبة، فيه عين ماء تفور من الأرض يقعد عنده الناس يغسلون عليها ويشربون من مائها ساعة أو ساعتين، ثم إن الماء ينقطع، فيقول الناس الحاضرون: يا شيخ مسعود عطشنا.! فيخرج الماء إلى الوادي ويدير الطواحين المائية. وهكذا دواليك على مر السنين والأزمان. والمؤرخ يشير هنا إلى طقس قام به العرب، وليس لليهود نصيب فيه.
5.لم يشر المؤرخ إلى عادة اشعال النار والرقص في ميرون. ما يدل على أنها استحدثت في فترة لاحقة.
  • زيارة قرية ميرون من كتاب تاريخ صفد للعثماني:
قام المؤرخ محمد بن عبد الرحمن الحسيني العثماني (توفي 780 هجرية/1378 ميلادية) في كتابه تاريخ صفد بنقل جزء من النص الوارد لدى شيخ الربوة مع إضافات حيث يقول: "فإذا كان يومًا معلومًا من السنة وهو نصف أيار، يجتمع إليها خلق كثير من اليهود..."، وقد أسقط من النص كلمة شيخ واكتفى بقوله إن العوام كانوا يقولون: يا مسعود عطشنا". 2 وربما كان مسعود تحريف لشمعون بار يوحاي.

كانت عائلة عبو في صفد هي المسؤولة عن الاحتفال الذي بدأ بنقل التوراة من الكنيس اليهودي في المدينة إلى بيت عميد أسرة عبو، ومنه إلى ميرون. وكانت تعقد حلقات الرقص والدبكة يشارك بها العرب وغيرهم. لقد حظي الرابي شمعون بار يوحاي بالتقديس لدى اليهود والمسلمين والمسيحيين. عند باب المغارة كان العرب يشعلون الشموع، ويضعون النقود، وأباريق من الزيت.


وأصل عائلة عبو من الجزائر في شمال إفريقية، وكان عميدها قد هاجر إلى صفد سنة 1817، وعلى مدار السنين تناقل الأبناء والأحفاد جيلا بعد جيل منصب قنصل فرنسا في المدينة ونواحيها. وظلت ترعى الاحتفال في صفد وميرون في العهد العثماني والبريطاني والإسرائيلي.3
  • ميرون في كتب الرحالة:
في سنة 1648 زار الرحالة التركي أوليا جلبي ميرون وقال: " مع اقتراب العيد يتجمع جمهور غفير يصل عدده إلى الآلاف من يهود وأبناء طوائف أخرى..... يدخلون المغارة وينتظرون بترقب. في يوم العيد ينبعث من المغارة بقدرة الخالق صوت يشبه الرعد الهائل. ثم تتدفق مياه صافية ونظيفة تملأ الآبار والأحواض التي تكون فارغة طوال أيام السنة. في تلك الساعة أمام المغارة يجري ما يشبه التعميد حيث يقوم المحتشدون بجميع طوائفهم بالاغتسال بالماء ويعدون أنفسهم إلى مشاهدة معجزات. الذي يعاني من مرض مثل الروماتيزم، السخونة، أو التسمم، أو أي مرض آخر يشفى كفعل ساحر ويحظى بعمر جديد. لمدة ثلاثة أيام يقضي آلاف الناس أوقاتهم بسعادة وهم يملئون أوانيهم بمياه الحياة هذه كي يحظوا ببركة الرب. وهم معتادون على إرسال مياه ميرون إلى جميع البلدان في البر والبحر كدواء لسبعين علة. بانتهاء الأيام الثلاثة السعيدة تختفي المياه ثانية. لمن يتأخرون ـتوجد مياه فقط في الأحواض. ثمة معتقد لدى سكان المنطقة بأن مصدر المياه هو دمعة سفحها يعقوب. وهم يؤمنون بأن يعقوب واسحاق سكنوا في المغاور المذكورة. زيارتي للمكان كانت في الموسم الملائم وفي المكان لم تبق أية قطرة ماء.4

في سنة 1852 زار الرحالة الأميركي روبنسون إدوارد ميرون فقال عنها: " هي قرية قديمة واقعة على صف من الصخور الخشنة بالقرب من أسفل الجبل. الطريق إليها قديم ومنحدر. تحت القرية عن يميننا قبور نقرت في الصخور. في مكان واحد مدّت أربع قناطر أو عقود في جهة الصخر بجانب بعضها، عبر كل منها ناووس. يتسع عمق السرداب لناووس واحد، وأحدهما يتسع لناووسين وهذه الأضرحة تختلف كل الاختلاف عن سائر الأضرحة التي رأيناها حتى الآن. أبعد قليلاً إلى فوق رأينا اثنين لا يختلفان عنها. وصلنا القرية الساعة التاسعة والدقيقة العاشرة، فإذا بها قرية صغيرة سكانها محمدون (من أتباع محمد أي مسلمون). تحتها إلى الشرق سهل جميل أكثر انخفاضًا من السهل الواقع باتجاه قرية الجش، وينزح إلى الجنوب الشرقي إلى واد في الجنوب الغربي من صفد. في الوادي، جنوبي ميرون، ينبوع غزير كما قيل لنا".

بعد ذلك يعتمد روبنسون على كتاب الرحلة لليهودي بنيامين الطليدي (المتوفى سنة 1210م) الذي يقول إن هذه الأضرحة هي مدافن هيلل وشماي وعشرين من تلامذتهم. ولم يذكر الطليدي الرابي شمعون بار يوحاي ولا ابنه إلعازر. يقول روبنسون إنه في وقت لاحق أقيم مبنى يشبه الخان على قبري الرابي شمعون بار يوحاي وابنه إلعازر، وأغلق المكان، ووضع المفتاح في صفد. ويفتح هذا المكان عند الزيارة الموسمية لليهود.5

في تموز 1883 زار الرحالة البريطاني لورانس أوليفانت ميرون وقال عنها إنها تضم رفات العديد من الفقهاء اليهود، لكنه لم يشاهد العيد الذي قال إنه يجري في النصف الثاني من شهر أيار وقدر عدد المحتفلين بألفين. وقد أشار إلى أن الرابي السفاردي في صفد حكى له أنه اشترى أرضًا في ميرون وأسكن فيها ست عائلات يهودية مهاجرة من المغرب. وكانت في القرية اثنا عشر عائلة عربية، ولكن القادمين الجدد لم يفلحوا في تطوير زراعتهم، وعملوا كالعرب.6

 من الجدير بالذكر أن التجربة التي تحدث عنها لورانس أوليفانت سبقت الحركة الصهيونية. ولا علاقة لها بها. وقد فشلت، ففلح العرب الأراضي التي امتلكها الرابي المذكور. وحول تلك الأراضي جرى الخلاف بين العرب واليهود في فترة الانتداب.
  • سكان ميرون العربية:
في عام 1596م كانت ميرون قرية كبيرة إذ بلغ عدد سكانها 590 نسمة، اعتمد هؤلاء السكان على الزراعة وتربية المواشي وكان فيها معاصر للزيت. في عام 1288 هجرية/1871 ميلادية كانت تعيش في القرية 18 أسرة أو ما يقارب 100 نسمة. عام 1945 بلغ عددهم 290 نسمة ويقدر عددهم عام 1948 ب 336 نسمة. عرفت القرية باسم ميرون كعوش نسبة إلى عشيرة الكعاوشة. من عائلات القرية كعوش وكنعان.

 في شهر حزيران 1947 تقدم مختار قرية ميرون سعيد محمد كعوش بطلب إلى الهيئة العربية العليا للمساعدة المالية في تنفيذ مشروع مياه في ميرون بحيث تجر المياه الوفيرة التي في الوادي إلى الأراضي العربية لريها، ومنع اليهود من استخدامها لري أراضيهم، وقد وافقت الهيئة العربية العليا في القدس على الطلب، ولكن طلبت التريث لحين بدء بنك التسليف بالعمل، وجاءت حرب 1948 ولما يبدأ العمل في هذا المشروع الحيوي.7
في 10 أيار 1948 بادرت القوات اليهودية بمهاجمة القرية، وتهجير أهلها. قسم منهم يعيش اليوم في مخيم عين الحلوة بلبنان.

ملاحظات:

1.شيخ الربوة محمد بن أبي طالب الأنصاري، كتاب نخبة الدهر في عجائب البر والبحر، طبع في مدينة بطربورغ سنة 1865ميلادية 1281 هجرية، ص 118. ورد ذكر ميرون في وقفية مؤرخة في سنة 921 هجرية/1515 ميلادية. راجع: محمد ابشرلي، ومحمد التميمي، أوقاف وأملاك المسلمين في فلسطين، استانبول، 1982م، ص 72

2.محمد بن عبد الرحمن الحسيني العثماني، تاريخ صفد، ، تحقيق سهيل زكار، ص 118
3. مقابلة مع الرابي إليعيز شيفر بعنوان: "ميرون- 80 سنة متتالية من الذكريات"، موقع كول هازمان(بالعبرية) بتاريخ 25 أيار 2016. مغارة رابي شمعون -بيت زيناتي في البقيعة، مواقع تاريخية. "لاغ بعومر في فلسطين"، جريدة هامتسفيه، بالعبرية، 1915.

4.Evliya Tsheleb’s Travels In Palestine, The Quarterly of the Department of Antiquities in Palestine, vol iv, 1935. Pp:155-156

5. E. Robinson, E, Smith and others, Later Biblical Researches in Palestine and the Adjacent Regions, Journal of Travels in the Year 1852, London, 1856, pp: 72-73
6. لورانس أوليفانت، حيفا- الحياة في فلسطين الحديثة، الترجمة العبرية، يد بن تسفي، القدس، 1976م، ص 44-47
7. راجع مراسلات بهذا الشأن في أرشيف الدولة، ملف رقم ف-1/3225