بخاطرك يا حيطان البيت
منذ أيام وأنا مشغولة بنقل محتويات بيتي للطابق السفلي .
الليلة ستكون الليلة الأخيرة التي أنام فيها في الطابق القديم .
تتملكني مشاعر غريبة !!
فرحتي بالانتقال لبيت جديد كل ما فيه جميل ومشاعر عرفاني لحيطان هذه الغرف التي احتوتني وآوتني وسترتني أنا وعائلتي لسنوات طوال .
هنا ولدت أولادي الثلاثة فقد ولد ابني البكر في دار حماي حيث كنت أسكن من قبل .
هنا أمضيت مع زوجي ورفيق عمري سبعة وعشرون عاما عشناها بحلوها ومرها عشنا سعادة كبيرة معا وتخطينا الكثير من المحن معا .
ربينا أولادنا على محبة الناس وعلى القيم والمبادىء الأيجابية التي اكتسبناها من خلال تربية أهلنا لنا، ربيناهم بسهر الليالي وبعرق كفاحنا وبدموع عيوننا، فما امتدت يدنا يوما ولو بكف يهوي برفق فوق وجوههم ولا أهناهم أو عنفناهم، فلطالما آمنا بأن أولادنا أمانة ونعمة من الله عز وجل إن أهملناهم نكون كمن ركل نعمة الله بقدميه.
حضناهم ولم نقصر بحقهم وبواجباتنا اتجاههم فكسبناهم كشباب وصبايا مثقفين يحترمون الغير والأهم من كل شيء عطوفين محبين لنا يحترمونا ويصونوننا كما صناهم ورعيناهم، فبشرنا الله عز وجل بخلف صالح كفانا عن كل أملاك الكرة الأرضية فكانوا سببا قويا لجعلنا نبحر بسفينة قدرنا ونحن على يقين بأنه علينا أن نتقبل وجود ربانين فوق سطحها يشدان شراعها بنفس الإتجاه حتى ولو عصفت به الرياح فثبات شراع سفينتنا كان يعني ثبات عائلة بأكملها.
هنا ياما شهدت حيطان بيتنا مآسي عشناها بسبب موت أحبة لنا أو بسبب عثرات وقفت بطريق خطانا.
هنا على هذه الدرجات الممتدة بين الغرف ياما انتظرت خلو البيت من الجميع وجلست عليها أبكي حرقة وأصرخ شوقا لرؤية ياسمينتي الغاليه .
هنا على هذه الوسائد لطالما استقبلت الصباح باكية حينا وسعيدة أحيانا أخرى، أحيانا بسبب وجع ما أو بسبب الكثير الكثير من الخيبات .
هناك في تلك الزاوية كنت أحتضن كتبي ودفاتري وأرافقها بعيدا عن البشر في محاولة لكسر جدران غربتي.
هنا كانت صرخة فرحتنا الأولى حين خطت ابنتنا خطوتها الأولى .
وفي نفس المكان بكينا حين خطت بفستانها الأبيض فعانقتنا باكية في طريقها لبيت عريسها .

هنا تعانقنا وبكينا حين فقد والده .
هنا وشوشوني بسر جميل فضحكت .
وهنا حبس دمعة حزن فصمت .
هنا قضينا أياما طويلة بعضها محفورا بالذاكرة وبعضها الآخر مر مرور الكرام .
لا أعلم ما سبب هذا الحزن الذي احتل مشاعري هذه الليلة !
ربما لأني قارنت بين حزني الغريب وحزن الذين أجبروا على الرحيل من بيوتهم، فكل ما في الأمر أنني سأنتقل لطابق آخر ..... آخخخخخخ يا ألله ..... ما الذي قالوه ألائك الذين هجروا بيوتهم غصبا أو تدمرت بيوتهم بالحروب فتلطخ رغيف خبزهم بدماء أحبتهم .
كيف كان شعور من هاجروا ديارهم وتركوا ذكرياتهم كالأشباح تتجول في دارهم ؟؟
ما أغلاها بيوتنا، لطالما احتوتنا وسترت عيوبنا وحمتنا من برد الشتاء ومن حر الصيف فاعتادتنا حجارتها حتى لأخالها باتت تتنفس منا وتتنهد حين نبكي أو تقهقه سعيدة حين تسمع ضحكاتنا .
هي ليلتي الأخيرة حيث تعانق عيني كل ليلة فضاء تعلق فوق شرفتي، غدا سأنفض عني غطائي لآخر مرة وسأغلق خلفي الباب ، قد أبتسم وقد أبكي ولكن الشيء الوحيد الذي سأكون على يقين بصدده أنني سأسلم ابني البكر هذه الدار، داعية له بحياة موفقة برفقة عروسه الغالية ، كما سأتركها وضميري مرتاح فخلف هذه الجدران ، لم نظلم أو نظلم مرة وتحت هذا السقف لم نقصر بتربيتنا لأولادنا الذين ترعرعوا في حضن والدين محبين، متفانيين .
وهذه الأبواب لم تغلق يوما على قرش حرام ولم تغلق يوما إلا على دعوات " يا رب وفق كل الناس وارحمهم برحمتك وابعد عنا أولاد الحرام وارزقنا رزق الحلال"
يكثر خيرك يا بيتي، فقد كنت ملجأنا الذي كنا وما زلنا أينما ذهبنا حتى ولو لساعات، نشعر بحنين للعودة إليه، كأننا تركناه منذ سنوات .
إلهي ..... وفق ابني وعروسه في هذا البيت وارزقهما كما رزقتنا رزق الحلال وأربعة غزلان من أهل الجنة، هبهما حظا وافرا وخلفا صالحا يا رب .
رحاب فارس بريك